الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

التعليم والمسؤولية الاجتماعية

ما دور الجامعات التربوي والعلمي في توجيه المشروعات التي تخدم المجتمع وتعكس دورها في تحمل المسؤولية الاجتماعية نحو المجتمع وتطلعات أفراده؟!

يضطلع التعليم بمختلف مؤسساته ومستوياته التعليمية بمهمة أساسية سامية، إلى جانب مسؤوليته الاجتماعية نحو جميع أفراد المجتمع الذي ينضوي تحت مظلة الوطن وهي، «مهمة التعليم» في معناه المعرفي العلمي القائم على توصيل المعرفة بكافة أشكالها وصنوفها وعلومها المختلفة للمتعلمين لتكون علما نافعا ينتفع به المتعلم ذاته والمجتمع المحيط به، وذلك بداية من أسرته ثم مجتمعه الأكبر الذي يعيش فيه، فالوطن الذي يحتضنه ويهيئ له البنية التحتية لجميع أنواع العطاء المكفول بالأمن والاستقرار والاحتواء بكافة مكوناته، ليساهم هو بدوره في مسيرة التنمية والبناء للوطن المعطاء، والتي يمثل فيها كل فرد لبنة من لبنات المجتمع ومرآة تعكس طبيعة ووزن ومستوى المكون البشري الذي يحتويه المجتمع كموارد بشرية مختلفة تميزه عن غيره من المجتمعات والتي تعكس بدورها الواقع القومي والثقافي والحضاري للوطن كدولة في المجتمع الدولي.
 ومن هذا المنطلق فالمسؤولية الاجتماعية التي يتحملها التعليم بمؤسساته المختلفة ومستوياته التعليمية المتدرجة، مسؤولية عظيمة في معناها وعمقها ومداها وفي تبعاتها، لأنه مسؤول عن تحقيق أهداف تربوية وعلمية راقية ولائقة ومناسبة للمجتمع بمكوناته والوطن بمؤسساته والدين بقيمه ومبادئه، ويتبلور ذلك في سلوك الأفراد وطريقة تفكيرهم ونهج حياتهم وتفاعلهم مع مجتمعاتهم، فتكون مخرجات التعليم هي الترجمة الحقيقية والتقييم الواقعي والبرهان الفعلي لمدى نجاح المؤسسات التعليمية في تحقيق أهدافها المنشودة من التعليم.
 ومما لاشك فيه أن تلك المسؤولية الاجتماعية تتضاعف أهميتها بالتدرج الأعلى في التعليم، بمعنى أن المؤسسات التعليمية الأعلى تتحمل مسؤولية مضاعفة، وذلك لكونها تتعامل مع أفراد قد نضجوا إلى حدٍ ما عُمريا وأصبحوا على أبواب المستقبل وخضم معترك الحياة، وهم في طريقهم إلى الاعتماد الكامل على النفس والاستقلال التام عن أسرهم التي احتوتهم خلال فترة الدراسة بالمدرسة، والتي كان للأسرة فيها دور أكبر في المساهمة بل والمشاركة مع المدرسة في ذلك الإعداد التربوي للفرد، بينما يضعف ويتضاءل إلى حد ما ذلك الدور للأسرة مع تقدم أبنائها في السن والتحاقه بالجامعة.
 إذن فمسؤولية الجامعات كبيرة تجاه المجتمع بأفراده وحاجاته ومتطلباته، سواء في تحقيق أهدافها المنوطة بها والقائمة على الاهتمام بالتعليم وجودة مخرجاته، أو بالتحفيز والرعاية البناءة للبحث العلمي وتوجيهه نحو موضوعات تخدم وتعالج إشكاليات مجتمعية تساهم في الدفع بمسيرة التنمية نحو تحقيق منجزات ملموسة من الطموح المستهدف والآمال المعقودة، أو من خلال مسؤوليتها الاجتماعية نحو المساهمة الفاعلة في تنمية المجتمع بصفة عامة، وذلك بمشاركتها في برامج اجتماعية مختلفة تخدم المجتمع، سواء كانت تلك البرامج تحت مظلة الجامعة وحدها، أو من خلال المشاركة مع القطاع الخاص في برامج اجتماعية واقتصادية تهدف بها إلى تنمية المجتمع والارتقاء به وبوعيه وثقافته من خلال النشاطات المختلفة والبرامج المثمرة والتمكين الفعلي لأفراده؛ غير أنه من البديهي أن يكون هناك انتقائية واستهداف مدروس ومخطط لتلك البرامج أو المشروعات الموجهة لصالح المجتمع، وذلك بما يتناسب مع الجامعة كمؤسسة تعليمية تمثل المستوى العالي من التعليم وتضم النُخبة الأكثر تعليما من أعضاء هيئة التدريس، أو من حيث كونها مؤسسة علمية تربوية متخصصة ومسؤولة عن إخراج كفاءات بشرية مؤهلة تحمل مسؤولية المجتمع وتهتم بالواجبات الوطنية نحو الوطن وبما يعزز الانتماء والولاء.
تداولت الأنباء ووسائل التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية أن إحدى الجامعات الوطنية العريقة قد شهد مديرها ووكيل الجامعة للتطوير الأكاديمي وخدمة المجتمع، ووكيل الجامعة للأعمال والإبداع المعرفي عقد اتفاقيتي شراكة لشركة ما «توصيل» وهي إحدى الشركات الناشئة مع شركتين رائدتين
في مجال الأطعمة والمشروبات (شركة سُوبيا الخضري، وشركة شبه الجزيرة)، بما يساهم في تقديم أفضل الخدمات لعملاء الشركات وبطريقة تقنية سهلة ومبسطة وذلك بما يخدم الاقتصاد المعرفي وحل لمشكلة البطالة بين الشباب، ولعل أول ما يجذبك لمتابعة تفاصيل الحدث هو الاستفسار الذي يملؤه التعجب والدهشة البالغة من اهتمام الجامعة كمؤسسة تعليمية عليا تمثل جامعة وطنية عريقة لها وزنها، في عقد شراكة مع القطاع الخاص في هكذا مشروعات وبرامج!
وذلك ليس انتقاصا من تلك المشروعات وتوجهها أو مستواها أو أهميتها أو غير ذلك، وإنما السؤال الأهم ألم تجد الجامعة مشروعات أخرى أو برامج تبلور دورها في المسؤولية والشراكة المجتمعية أفضل من ذلك؟
لماذا لا تستهدف الجامعة تحقيق دورها من المسؤولية الاجتماعية والشراكة مع القطاع الخاص في مشاريع تتناسب مع دورها التربوي والتعليمي؟! لماذا لا تسعى الجامعة تلك وغيرها من الجامعات إلى مثل تلك الشراكات مع القطاع الخاص في برامج تربوية تدريبية وتعليمية أو حتى رياضية وترفيهية أو صحية أو ثقافية أو توعوية أو غير ذلك من النشاطات والمشاريع التي تفتقدها مجتمعاتنا وهي بحاجة إليها؟! لماذا تقبل الجامعات أن يُملي عليها القطاع الخاص بمشاريعه واستثماراته التي يستهدف منها دوما الربح المادي والاستهلاكي دون اعتبار للجانب التربوي والتعليمي والتوعوي وغيره؟! لماذا لا تملك الجامعات زمام المبادرة في التخطيط لمشاريع تناسب دورها ومكانتها العلمية والتربوية وبما يحتاجه المجتمع وتعمل على إقناع القطاع الخاص وتحفيزه للشراكة معها؟! إذن ما هو دور الجامعات التربوي والعلمي في توجيه المشروعات التي تخدم المجتمع وتعكس دورها في تحمل المسؤولية الاجتماعية نحو المجتمع وتطلعات أفراده؟! وآخرا ألا تملك المؤسسات التعليمية رؤية عميقة واستراتيجية مسؤولة عن أهمية دورها في المجتمع؟!.
 ونحن نعيش أياما فضيلة في شهر كريم يمثل بداية لإجازة صيفية طويلة تمتد لنحو أربعة أشهر، نتساءل في ظل ذلك التخبط التربوي، ماذا أعدت جميع المؤسسات التعليمية باختلاف مستوياتها لأفراد المجتمع من برامج ومشروعات مفيدة تعكس مسؤوليتها الاجتماعية؟!
هل تم توجيه تلك المؤسسات التعليمية من إدارتها العليا الممثلة في وزارة التعليم نحو التحول إلى مراكز صيفية تستقطب أفراد المجتمع ومنسوبيها نحو برامج ونشاطات متنوعة ومفيدة؟! هل ينتهي دور تلك المؤسسات التعليمية في خدمة المجتمع والمسؤولية نحوه مع انتهاء العام الدراسي؟! هل قدمت الوزارة شيئا من التوجيه والدعم المادي والمعنوي والتحفيزي لتلك المؤسسات التعليمية لتقوم بمسؤوليتها الاجتماعية؟! وهل فكرنا نحن جميعا كتربويين ومثقفين ومسؤولين على اختلاف مسؤولياتنا ماذا سيفعل الأطفال والشباب والشابات في تلك الإجازة الطويلة؟! جميعنا يعرف المثل القديم «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك»، فإذا لم نُحسن استثمار أوقات الفراغ لأبنائنا وبناتنا فيما يعود بالخير والفائدة عليهم وعلى مجتمعاتنا، فإنه بلا شك سيتم استثمارها بطرق ووسائل مختلفة غير مقننة وغير موجهة وقد يكون الفراغ سببا في انحراف وضياع فكري وسلوكي بل وتطرف وإرهاب لا قدر الله، وصدق نبينا ومرشدنا سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام في قوله عن ابن عباس رضي الله عنه «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ»، وقوله كذلك عليه الصلاة والسلام عن ابن مسعود «لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به»، فهل قدّمنا وأعددنا العدة ليوم اللقاء الأكبر؟!.

عبلة مرشد        2017-05-30 10:30 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال