الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الفساد آفة التنمية

للقضاء على الفساد ومحاصرته والحد منه لا بد لنا من التعاون والتعاضد المجتمعي للتضييق على كل من يقوم بالفساد وفضحه، ويتحقق ذلك بتوعية أفراد المجتمع كافة لهذه الظاهرة الخطيرة وتداعياتها السلبية

يتولد الفساد في المجتمعات الإنسانية حين تَضعُف الرقابة ويغيب العقاب وتُفتقَد القيم والمبادئ وينحسر الوازع الديني الفردي والجماعي في أضيق نطاق، بحيث يقتصر على العبادات والمظاهر الدينية الظاهرة (وذلك في صورته المضيئة)، وينعدم في السلوكيات والمعاملات العامة، وكأنها ليست جزءا من مضمون ديننا الحنيف وما يدعو إليه من الصدق والأمانة وحفظ الحقوق العامة والخاصة، ولذا فإن الفساد أشمل وأعم من الظلم، لأن الظلم هو النقص في حق طرف آخر محدد بعينه، فمن سرق مال غيره أو أكل حلاله أو تعدى عليه في حقه الخاص، فقد ظلمه ونقص في حقه فقط، بينما يسرق الفاسد من المال العام ويخون الأمانة والمسؤولية الموكلة له، باعتدائه على الحق العام وخيانته جميع من يتحمل أمانتهم ومسؤوليتهم العامة، بل يخون السلطة التي ائتمنته على إدارة المسؤولية وحمّلته العبء الوطني في نطاق مهمته وإدارته، إذ إن خيانة جميع من يشملهم الحق العام له تأثيراته وانعكاساته السلبية عليهم وعلى مجتمعهم وعلى الوطن بأسره، ولذلك وجه سبحانه وتعالى عباده بالابتعاد عن الفساد بجميع أشكاله وصنوفه، لأنه مَهلَكة ولأنه سبب لكل نقمة وأساس كل بلية وشقاء، وقد شدد الله عليهم العقاب لعظم بلائهم فقال تعالى: «ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وانظروا كيف كانت عاقبة المفسدين» (الأعراف، الآية: 85-86)، وقوله جل وعلا: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ - ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا - وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (المائدة، الآية: 33) صدق الله العظيم.
ويعرّف الفساد لغة: بأنه ضد الصلاح، فمن أفسد الشيء هو من أساء استعماله، بينما يعرف اصطلاحا: بأنه إساءة استخدام السلطة الرسمية الممنوحة له، سواء في مجال المال العام أو النفوذ أو التهاون في تطبيق النظام أو المحاباة أو كل ما يضر بالمصلحة العامة وتعظيم المصلحة الشخصية. وللفساد مستويات ودرجات، فقد يتسع في مداه وتأثيره، حيث تتسع المسؤولية وتمتد السلطة لشريحة كبيرة من الأفراد، وقد ينحصر في نطاق ضيق ومحدود عندما تتضاءل المسؤوليات وتضيق دائرة السلطة على أفراده ومسؤولياته، غير أنه في جميع الأحوال ينال من جميع مظاهر الحياة وجوانبها دون استثناء، إذ يمارس الناس الفساد ولا يعترفون به، بل ينكرونه ويدّعون أنهم مصلحون لقوله تعالى «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ»(البقرة، الآية: 11).
ولعل من أهم مظاهر الفساد وتبعاته السلبية أنه عقبة صلبة وحجر عثرة أمام مسيرة التنمية المجتمعية بصفة عامة والتي تشمل في مضمونها جميع مكونات وعوامل التنمية، وما تشمله من مؤسسات رسمية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية، لأن العاملين بالفساد لا يألون جهدا في التخلي عن كل القيم والمبادئ والأعراف المجتمعية والأسس الدينية في سبيل تحقيق أهدافهم الشخصية وتطلعاتهم الدونية الأنانية (أنا ومن بعدي الطوفان)، دون الاكتراث أو الاهتمام بالاعتبارات الوطنية أو الإنسانية أو حتى الدينية التي تُجرّم تلك الأفعال والممارسات، فهم فاقدو الأهلية المجتمعية والدينية ومعدومو الضمائر الإنسانية إلا ضمير «الأنا المنفصل» المحدد بالذاتية الفردية، وليس «ضمير نحن» الذي يجمع القلوب والنفوس على المحبة والتعاون والإيثار والمصلحة العامة وليس الخاصة، هم يفتقدون الرؤية الصائبة، إذ تتضخم ذاتهم فتحجب عنهم رؤية غيرها، ويعمي الشيطان بصائرهم ونفوسهم، فلا يبحثون إلا عن مصلحتهم ولا يعملون إلا لذواتهم ونفوسهم المريضة، فيكونوا وبالاً على المجتمعات وآفة تأكل الأخضر واليابس من مقومات التنمية وأدواتها التي من خلالها يمكننا تحقيق الإنجاز المقصود والوصول لأهدافنا وطموحاتنا كشعوب وأوطان. ومما لا شك فيه أن للفساد مقومات وأسبابا تشكل تربة خصبة لوجوده وتفاقمه، وحاضنة لاستمراريته وبقائه، ويعتبر ضعف مؤسسات المجتمع المدني، وضعف تطبيق الأنظمة والقوانين، وعدم الشفافية المطلوبة لإيضاح حقوق الأفراد وواجباتهم المبنية على قوانين واضحة ومعلنة (ما هو لك وما هو عليك) يكون مدعاة للانفلات والتسيب والفساد، خاصة في ظل الانفتاح العالمي وتفشي عادات الاستهلاك واللهث وراء الماديات التي سيطرت على العقول قبل النفوس، وجعلتنا هدفا مقصودا لأمم سبقتنا في مضمار التقدم التقني والمادي، والذي أصبح يمثل شعار الإنجاز الحضاري اليوم، وما زالت تصنف دولنا بشعوبها بين الدول النامية وليست المتقدمة على الرغم من وجودنا ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جدا في التقرير الدولي للتنمية، وبالطبع فإن لذلك تبريره، فنحن ما زلنا دولا نامية لم تملك بعد صناعة قوتها وذخيرتها وصناعاتها بكافة أشكالها البسيطة والمعقدة، بل لم نستطع حتى حينه تمكين مواردنا البشرية من إدارة مؤسساتنا العامة والخاصة بالشكل الصحيح أو بالأحرى بذاتها وقدراتها الوطنية، لم نتمكن من ترجمة التنمية إلى مُنتج بشري فعال فكريا ومعطاء سلوكيا، ليجني الوطن ثماره وحصاده وبما يتناسب مع مسيرة التنمية الوطنية التي استهدفتها الخطط والاستراتيجيات التنموية الوطنية في تمكين الموارد البشرية والنهوض بها من خلال تعزيز قدراتها وإمكاناتها وبالفرص المتاحة لها.
وللفساد مظاهر كثيرة متباينة ومتعددة وجميعها تدخل ضمن مفهوم الفساد الذي يؤثر على التنمية ويقوض مسيرتها ويحول دون تحقيق أهدافها المرجوة، فأخذ الرشوة فساد مهما تضاءلت قيمتها، وإقصاء الكفاءات المواطنة المؤهلة والمتمكنة فساد، والمحسوبية والتحزب بتسخير الوظائف لأولي القربى والمعرفة والقبيلة فساد، والتكسب من وراء الوظيفة العامة أو الخاصة وبما لا ينص عليه بند الوظيفة ومستحقاتها نظاما فساد، والاستيلاء على المال العام والابتزاز مقابل الخدمات المستحقة فساد، واستغلال الممتلكات العامة والاستثمارات الحكومية لحسابات خاصة بالمسؤولين فساد، والواسطة والمحاباة بخدمات لفئات وشرائح معينة على حساب الغير الأكثر أحقية أو كفاءة فساد، وإساءة استخدام السلطة الرسمية واستغلال النفوذ لأغراض ذاتية أو قبلية فساد، وعدم المحافظة على أوقات الدوام الرسمي والالتزام بها وبنظامها وعدم الإخلاص في العمل فساد، والتهاون في تطبيق الأنظمة والتشريعات أو التمييز في تطبيقها على البعض دون الآخر فساد، وبيع السلع بأسعار مبالغ فيها لتحقيق أرباح فاحشة دون مراقبة وعقاب من الجهات المسؤولة فساد، وغير ذلك من أوجه الفساد التي نجدها حولنا وبيننا في الكثير من تعاملاتنا اليومية والرسمية بصفة مستمرة.  وللقضاء على الفساد ومحاصرته والحد منه لا بد لنا من التعاون والتعاضد المجتمعي للتضييق على كل من يقوم بالفساد وفضحه، ويتحقق ذلك بتوعية أفراد المجتمع كافة لهذه الظاهرة الخطيرة وتداعياتها السلبية وتأثيرها على المجتمع وتقدمه وتنميته، فمن خلال منابر الدعاة والأئمة والجامعات والمدارس ووسائل التواصل الاجتماعي الشائعة، والإعلام بقنواته المسموعة والمرئية والمكتوبة، يمكننا محاربة هذا الداء المتفشي للحد منه حتى القضاء عليه، ولنا في القصص الدينية والأحداث التاريخية للأقوام السابقة والحاضرة عِبر كثيرة وما حصل لهم بسبب الفساد. وإن وضع السياسات والإجراءات المضادة للفساد من سن الأنظمة والتشريعات والقوانين الصارمة والشفافة، والوضوح في تطبيقها دون تمييز بفرض الجزاءات الصارمة في حق المخالفين، ومكافأة المتميزين في أداء أعمالهم ومسؤولياتهم ومن يسهم كذلك في التبليغ عن الفساد، وإتاحة فرص الإبداع والتطوير لدى الموظفين ومكافأتهم ليكون حافزا لغيرهم من الموظفين، وبالمقابل الإعلان عن حالات الفساد بشتى أنواعه التي تم اكتشافها والإجراءات التي تم اتخاذها حيال ذلك وتعميمها على الدوائر الحكومية والخاصة ليكونوا عبرة لغيرهم، هذا بالإضافة إلى الاهتمام بتطوير آلية تقويم الأداء الوظيفي والترقية والدخل بما يواءم الجهد وجودة الأداء مع الأخذ في الاعتبار أهمية تحسين الظروف المعيشية والخدمات المستحقة للأفراد، بما ينعكس على تعزيز العطاء والولاء والمواطنة الحقة، وصدق الحق في قوله تعالى «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ» (البقرة، الآية: 251).
 

عبلة مرشد        2017-06-06 10:43 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال