الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

دقيقة صمت لصناعة التسامح

إذا أردتم جيلا متسامحا متصالحا مع واقعه ومع الآخرين، وحقهم في السلام ومشاركة الكوكب، راجعوا التفاصيل الصغيرة الصادمة التي تتسرب من منخل واقعنا الذي يتابعه العالم كل يوم

في الوقت الذي تسعى دولتنا بجدية إلى قطع السبيل على التشدد، ونشر ثقافة الاعتدال والتسامح كجزء من منظومة قيمية لمواطن سعودي عالمي، يحسن التواصل مع المجتمع داخل وخارج الوطن، فوجئ الجميع برفض بعثة منتخبنا الوطني الوقوف دقيقة صمتا على ضحايا اعتداء لندن خلال مباراة المنتخب الأخيرة مع المنتخب الأسترالي.
شعرتُ بالغضب والحزن معا، وأنا أشاهد لاعبي منتخبنا يتفادون الوقوف ويتحركون بلا مبالاة على أرض الملعب! وقفت أتأمل تلك القامات المبعثرة لأبناء وطني في مواجهة المنتخب الأسترالي الذي وقف أفراده صفا واحدا كالقلعة العصية على الاقتحام.
ولكي نرش الملح على الجرح، اعتذرت إدارة المنتخب للاتحاد الدولي، وعللت هذا الرفض بعدم وجود جذور لهذه الوقفة الصامتة في ثقافتنا!
وكالعادة، جرى تبرير هذا الشتات في نقاشاتنا الداخلية بالمبررات الدينية، وطفقتُ أبحث عن مرجع يربط دقيقة الصمت أو الحداد بالدين، ولم أجد لها أصلا دينيا، فهي مما ينطبق عليه إذن التوجيه النبوي «أنتم أعلم بأمور دنياكم»!
حقيقةً، لم اقتنع برفض دقيقة الصمت لأنها ليست من ثقافتنا! فالثقافة أولا كائن حي قابل للنمو والزيادة واستيعاب مزيد من الممارسات الاجتماعية التي لا تتعارض مع الدين أو العرف.
لو نظرنا إليها من منظور ديني، فالحقيقة أن ديننا ابتلي بأناس لا يجدون غضاضة في وصمه بكل ما يتعارض مع التسامح واللطف والإحساس بالآخرين، وهذا نقص في فهمهم وتشويه للرسالة التي بعث بها محمد -صلى الله عليه وسلم- رحمةً للعالمين.
ولو نظرنا إلى التصرف من منظور اجتماعي، سنجد أن الدولة تدفع مبالغ طائلة وترعى المبادرات وتدعو إلى التسامح والحوار، لكن النتائج على أرض الواقع أو المخرجات -كما يحلو للباحثين تسميتها- صادمة أو غير مرضية على أقل تقدير!
ما الرسالة التي نبعثها إلى المجتمع الدولي عندما نرفض ممارسة ثقافية إنسانية ليست ذات جذور دينية، وتهدف إلى التعاطف مع خسارة بشر مسالمين لأرواحهم في مواجهة عنيفة لم يختاروا المشاركة فيها؟
الشيء الآخر الذي يجعل هضم هذا الرفض الثقافي عسيرا عليّ، هو مرونة مجتمعنا مع كثير من الممارسات الثقافية، بل وتبنيه بعضها! فلماذا تحديدا نغصّ بالممارسات اللطيفة أو الداعية إلى التسامح؟
ما يصعب عليّ فهمه كذلك، هو حديثنا الدائم للشباب ودعوتهم إلى ضرورة فهم ثقافة الآخر ووضع أنفسنا مكانه، وحرصنا على عقد الدورات لمن يستعد للابتعاث على سبيل المثال، كي نجهزه لثقافة الآخر! لكن بعض ممثلينا الرسميين يخفقون في الاختبارات العملية في تطبيق ما تدعو إليه الجهات القيادية في الدولة، لدرجة تجعل المتابع يعاني انفصاما بين الواقع والمأمول!
لا أضيف جديدا عندما أقول، إن الدعوة إلى التسامح فضيلة، وفي موروثنا الديني ما يغني عن الاستشهاد بالوقائع الحالية في التاريخ القريب.
قصة نبينا -صلى الله عليه و سلم- مع قريش وعبارته الخالدة «اذهبوا فأنتم الطلقاء» مثلا، وقصة يوسف -عليه السلام- المعروفة مع إخوته، لكن ترديد هذه القصص على مسامع الناشئة لن يصنع جيلا متسامحا ما لم يرَ شواهده أمامه.
على سبيل المثال، يحدث الأثر البالغ ويُصنَع جيلٌ متسامحٌ عندما يطلب رئيس الوزراء الكندي الشاب جاستن ترودو من البابا شخصيا زيارة كندا، والاعتذار لسكانها الأصليين عن انتزاع أطفالهم من أحضانهم والزجّ بهم في مدارس داخلية، لتجريدهم من ثقافتهم ولغتهم، في بادرة من الحكومة الكندية لترسيخ مبدأ التسامح في المجتمع الكندي.
خلاصة القول، لا يوجد ما هو أخطر على أي مجتمع من تناقض الأقوال مع الأفعال، والشواهد أثبتت ذلك، فإذا أردتم جيلا متسامحا متصالحا مع واقعه ومع وجود الآخرين معه، وحقهم في السلام ومشاركة الكوكب، راجعوا كل التفاصيل الصغيرة الصادمة التي تتسرب من منخل واقعنا الذي يتابعه العالم كل يوم.
 

نادية الشهراني        2017-06-14 10:58 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال