الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

عندما رأيت وجه الوطن في عيني أستاذي

قوي وشامخ وفارغ الطول، شعرت للوهلة الأولى أنه أحد مسؤولي وزارة التعليم يمر مفتشا على المدارس
بنظراته الجادة والصارمة، هكذا كان يبدو لي ذلك الرجل المهيب الذي دخل علينا نحن طلاب الثالث المتوسط ليقول لنا وهو يقفل الباب خلفه بصوت جهوري ووقور يلفه صمتنا ورهبتنا: «أنا عبداللطيف علاقي سوف أكون معكم هذا الفصل الدراسي في مادة التربية الوطنية».
ما زالت أذكر تماما أنه خلال ذلك الفصل الدراسي لم يذكر كلمة «وطنية» مرة واحدة، لم يقل لنا ما هو الوطن، وكأنه يقول لنا إن حب الوطن ليست أشياء تقال، وكأنه يقول لنا لا يمكن أن أعلمك كيف تحب امرأة رائعة وتصارع من أجلها في الحياة، إذا كنت حقا تحبها فسوف يكون حبك هو مدرستك المقدسة التي تقودك لنيل قلبها،
لا يمكن أن يكون الحب منهجا مدرسيا نذاكره، أن ننال درجة الرسوب فيه أو النجاح، لم يقل لنا يوما يجب عليكم أن تحبوا وطنكم، وكأنه يوقن أن حب الوطن ليس بالتوجيه في المدارس، بل هي الفطرة وعلاقة الإنسان بأرضه وتراب مسقط رأسه، وذاكرة رائحة المطر الأولى والضحكة الأولى، والركض في أزقته وشوارعه، والشجارات الأولى على أرصفته، وملاعب الحواري الترابية ذات الشباك الممزقة المتشبثة بصبر وثبات في قوائمه الحديدية الصدئة.
لم يقل لنا يوما وطنكم يحوي أضخم احتياط نفطي في العالم، ووطنكم يوفر لكم التعليم المجاني، والعلاج المجاني، وكل شعوب العالم يحسدونكم على هذه النعم، وكأنه يعلم أن حب الوطن هي أشياء لا تشترى، ولا ترتبط بشروط، ومواثيق وأزمنة، ومقابل مادي.
كان يقول لنا مثلما يقولها رسول حمزاتوف: «لا يكفي أن تكتب في الاستمارة مواطن «سعودي» بل يجب أن تكونه، لا يكفي أن تكتب «أنا أحب وطني» بل يجب أن يكون هذا الحب بالفعل وتملك الرجولة فلا تخونه»، لتغفر لي أستاذي عبداللطيف إذا صارحتك أن حديثك عن الأشياء الصغيرة كانت محل سخريتنا وضحكاتنا أنا ورفاق صفي الذي كنا بمجرد أن تخرج من الصف الدراسي نسارع إلى أندادنا طلاب الصف الثالث متوسط «ب» لنقول لهم ألم يقل لكم لنا عندما تعودون إلى المنزل لا ترموا بحقيبة كتبكم في صالة الجلوس، و«أشمغتكم» على أطراف الأبواب، وثيابكم على الأسرة، بل ضعوا كل شيء في مكانه، وأن الخطوة الأولى لأن تكون إنسانا ناجحا هي أن تبدأ بالتعاون مع أمك بأن تضع أشياءك الشخصية في أماكنها، وألا تنتظر من الخادمة وأمك وأختك أن يرتبوا فوضاك، ويجب علينا توفير الكثير من العناء بخطوات قليلة نعود أنفسنا عليها.
كنّا نضحك ونسخر لأننا لا نعي ما علاقة ذلك بمادة الوطنية، لم نكن نعلم حينها أنك تؤمن بأن الوطن أكبر من منظومة مادة تربية وطنية فرضها علينا بعض المنظرين في وزارة التعليم، وكأن الوطنية وحب الوطن تأتي
من مادة يلقنها لنا أحد المعلمين.
تخرجنا من المرحلة المتوسطة ولَم أَجد أحد زملائي الذين درست معهم الثالث متوسط معي في المرحلة الثانوية، تفرقنا في مدارس عدة، رافقت أبي بعد ذلك لدولة أخرى ومدن بعيدة، ومضت السنون تركض، حتى استيقظت يوما ما لأجد صورة متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي لرجل قوي شامخ فارع الطول، يتقدم معزيي وحاملي جثمان الشهيد البطل الرائد طارق عبداللطيف علاقي، توقفت كثيرا عند الصورة، هل هذا فعلا أستاذي عبداللطيف علاقي الذي درسني مادة التربية الوطنية في الصف الثالث متوسط؟ أرسلت الصورة لأبي بحكم أنه زميله ليؤكد لي بنعم هذا أستاذك.
عدت للصورة ولَم أشاهدها كما يشاهدها الجميع، كنت أراها لوحة وطنية بحجم السماء، أستاذي الذي لم يقل لنا كيف نحب الوطن، يحمل ابنه الذي مات مدافعا عن وطنه ضد الإرهاب في حي المسورة بالقطيف، أستاذي الذي على مدى فصل دراسي بأكمله لم يقل كلمة «وطنية» ولو لمرة واحدة يواري جثمان ابنه حبا للوطن، وحتى في هذه اللحظة لم يقل أنا إنسان «وطني»، لم يقل أنا أحب وطني، لم يتشدق في وسائل الإعلام عن الوطنية، بل وارى جثمان ابنه الشهيد بصمت وعاد شامخا لمنزله يحمل في عينيه وجه الوطن، وترفرف خلفه رايات لا تنكس، ومدارس لا يمحوها التاريخ، مخلفا خلفه أعظم تضحية من أجل الوطن، وهل هناك أعظم من أن تقدم طفلك الذي كبر أمام عينيك فداء للوطن؟
 

فهد عريشي        2017-06-26 11:50 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال