الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

بيعة الصفا ترسم ملامح دولة المستقبل

من توقعوا حدوث نهضة اقتصادية كبيرة عقب البيعة لم ينطلقوا من فراغ، فبعد ساعات قلائل من الحدث الكبير ارتفعت أسهم البورصة السعودية بمعدل قارب 5 %، وهذا لم يحدث بمحض مصادفة، بل كان نتيجة قراءات اقتصادية واقعية لطبيعة المرحلة المقبلة

مرة تلو أخرى تقدم المملكة العربية السعودية نموذجا للآخرين في تجربة الحكم الفريد، وفي تركيز قيادتها الرشيدة على مصالح مواطنيها، وتقديمها على أي مصالح أخرى، وتؤكد على ما انفردت به من قدرة كبيرة على انتقال السلطة بسلاسة متناهية، دون صراعات أو تجاذبات، وانتقال الحكم للأجيال الجديدة.
ما حدث ليلة السابع والعشرين من رمضان المنقضي هو حدث استثنائي فريد لا يتكرر كثيرا في سيرة التاريخ، فقادة هذه البلاد وعلماؤها الأجلاء ومشايخها ووجهاؤها توافدوا إلى قصر الصفا، تلبية لدعوة مليكهم سلمان الحزم والعزم، وقدموا بيعة الولاء والإخلاص لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتعاهدوا على السمع والطاعة في ما يرضي الله، على المنشط والمكره. ما لفت انتباه الكثيرين أن الأمير محمد بن نايف كان هو أول المتقدمين بالبيعة للأمير الشاب الذي بدوره ما تردد في تقبيل يد سلفه وتقديره وتبجيله، وهو ذات ما فعله مع أعمامه وأبناء عمومته، ممن يكبرونه سنا، هذا الحدث الكبير شاهده عشرات الملايين على الهواء مباشرة، وتراوحت مشاعرهم بين ذهول وتقدير كبيرين، المذهولون كانوا يستغربون من هذا الجو الحميم الذي ساد في المكان، والتوافق الكبير الذي عمّ الجميع، وأجواء الألفة والمودة الحقيقية غير المصطنعة، وقبول ولي العهد السابق لأمر الملك سلمان بكل أريحية وطيب نفس.
أما من يعرفون طبيعة الحكم في المملكة، وما تأسست عليه هذه البلاد المباركة لم يدهشوا بسبب ذلك، ولم يصبهم بأي تعجب أو استغراب.
لم تقتصر القرارات الجديدة على اختيار ولي جديد للعهد، بل شملت تعيين مجموعة من الأمراء الشباب في وظائف قيادية، وتهيئتهم لتسلم راية القيادة في بلادهم، وإتاحة الفرصة أمامهم كي ينهلوا من معين سابقيهم، ويرتووا من سيل خبراتهم الكبيرة. وهذا كله يؤكد صواب رؤية الملك بضرورة تجديد دماء القيادة، وتمكين الأجيال الشابة من مواقع اتخاذ القرار، لصقل مواهبهم وإضفاء مساهماتهم على دفة القيادة.
لا يمكن بحال من الأحوال تجاهل رمزية المكان والزمان في ما اتفق على تسميتها بـ«بيعة الصفا»، وهي رمزية تحمل الكثير من الدلالات البالغة، فالحدث تم ليلة السابع والعشرين من رمضان التي يترقب فيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ليلة القدر، وتخشع قلوبهم لذكر الله، وتصفو بطلب رحمته وغفرانه، كما أن البيعة تمت في قصر الصفا المجاور للمسجد الحرام، وهذه دلالة أخرى لمن يتدبر وينظر للأمور من نواحٍ عديدة.
مبايعة الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء هي خطوة مهمة استوجبتها الأحداث الاقتصادية التي يمر بها العالم أجمع، والتغيرات التي تم التوافق على ضرورة إجرائها في المملكة، وفق «رؤية المملكة 2030» التي بهرت جميع من اطلع عليها، وانتزعت إعجابهم، وأشادت بها دول العالم وتسابقت على عرض المشاركة في تحقيقها وتطبيقها على أرض الواقع، بعد أن أسهمت في دعم الاقتصاد السعودي، وضمان استقراره عقب الانهيار الكبير في أسعار النفط العالمية، وخلصت بوضوح إلى أهمية استنباط مصادر جديدة للدخل، وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، ورفد الاقتصاد الوطني بقنوات جديدة للدخل، تستصحب عناصر الاقتصاد الحديث، واقتصاد المعرفة الذي يقوم على عناصر غير تقليدية، وتفعيل وتطوير الجوانب الاقتصادية، واللحاق بركب الدول المتطورة التي سبقتنا إلى هذا المجال.
كما تركز الرؤية بشكل رئيسي على توطين التقنية الحديثة في المملكة، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتقديم التسهيلات أمامها، وإغراء الشركات الكبرى على فتح فروع لها بالمملكة، لا سيما العاملة في مجال الصناعات العسكرية، وهذه خطوة استراتيجية في غاية الأهمية، لأنها -إضافة إلى أنها تسهم في ضمان حصول قواتنا المسلحة على احتياجاتها العسكرية، دون التأثر بتقلبات السياسة العالمية واختلاف الأجندات- فإنها تؤدي بشكل مباشر إلى إيجاد عشرات الآلاف من الفرص الوظيفية المتميزة. كما تركز الرؤية بشكل واضح على المساهمة في رأسمال كثير من الشركات الكبرى، والمساهمة في ملكيتها. إضافة إلى ما حملته من رؤى إيجابية أكدت ضرورة تمكين الشباب السعودي ورفع قدراته، وتزويده بما يمكنه من المنافسة الفعلية في سوق العمل، تحقيقا للأمن المجتمعي، وزيادة المساهمة النسائية إلى حوالي 30% من جملة الناتج الإجمالي المحلي للدولة.
من توقعوا حدوث نهضة اقتصادية كبيرة عقب البيعة لم ينطلقوا من فراغ، ولم تكن توقعاتهم نتاجا لعاطفة أو لمعطيات غير حقيقية، فبعد ساعات قلائل من الحدث الكبير ارتفعت أسهم البورصة السعودية بمعدل قارب 5%، وهذا كما ذكرت لم يحدث بمحض مصادفة، بل كان نتيجة قراءات اقتصادية واقعية لطبيعة المرحلة المقبلة، التي ينتظر أن تشهد تغيرات كبيرة. وهذا كله يؤكد أن السنوات القادمة سوف تشهد تطورات اقتصادية هائلة، تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني، وتنعكس على واقع المواطن السعودي، رفاهية وخيرا ونماء. أما الأمير محمد بن نايف، فيكفي أنه جنرال الحرب على الإرهاب، الذي استطاع أن يكسر شوكة الإرهابيين والمتطرفين ودعاة الرجعية، وأرغمهم على العودة إلى جحورهم والشقوق التي انطلقوا منها، وكعادته دوما فقد حاز تقدير الجميع بمسارعته إلى بيعة ولي العهد الجديد، كما نال إعجابهم من قبل وهو يحقق النجاحات، الواحد تلو الآخر، ويسدد الضربات الساحقة التي قصمت ظهر المتشددين والتكفيريين، ويتابع ضرباته الاستباقية المذهلة التي حققت ما عجزت عنه كثير من دول العالم، من بينها دول كبرى، ما زالت تعاني وطأة الإرهاب. ويحفظ العالم كله للأمير المحبوب أنه ركز في استراتيجيته للقضاء على طيور الظلام على الدمج بين الحكمة والإنسانية بالحزم والحسم الضروريين، ولم يتعجل في الاقتصاص ممن تورطوا في أعمال محظورة، بل أتاح لهم الفرصة عبر مراكز المناصحة للعودة من جديد إلى حضن المجتمع، أفرادا صالحين ينعمون بكافة الحقوق والامتيازات التي توفرت لنظرائهم، طالما لم يعودوا إلى ما ولغوا فيه. وستظل تلك الأعمال باقية في ذاكرة الشعب السعودي، يسطرها بمداد من ذهب، ويقدمها لأجياله اللاحقة فصولا خالدة في تاريخه.

هادي اليامي        2017-06-27 11:17 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال