الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

تجارة القتل

بينما كنت أشاهد التلفاز مساء أحد الأيام إذ شدني مشهد عجيب لمجموعة من الرجال يلقون «أشمغتهم» في عنان السماء وظننتهم لوهلة يقومون بتقليد طلاب الجامعات في الغرب حين يلقون قبعاتهم في الهواء محلقة كسرب من النسور، معلنين بذلك تخرجهم من ساحات العلم والاجتهاد إلى ساحات العمل الجاد، إلا أنني سرعان ما تنبهت للمكتوب أسفل الشاشة «حملة عتق رقبة فلان ابن فلان»! وتوالت المشاهد والمواقف تترا، فمرة تصل رسالة على برنامج واتساب لتعلن العد التنازلي للقصاص من أحد المحكومين، ومناشدة ذوي القلوب الرحيمة دفع ما تبقى من عوض لأهل الدم، وهو غالبا ما يكون مبلغا بالملايين وعددا من السيارات الفارهة، وقد يصاحب العرض عقار سكني، وإن ما يدعم مثل هذه الحملات ما يصاحبها من تزكية وتشجيع بعض المشايخ ونخب المجتمع على المشاركة في دفع هذه المبالغ والتعويضات ابتغاء كسب الأجر.
تُرى هل تداعى إلى ذهن هؤلاء بأنهم مثلما يشجعون على عتق الرقاب وابتغاء الأجر والثواب، أنهم يقومون بشكل غير مباشر بالمساعدة في انتشار القتل لأتفه الأسباب، فأصبح هؤلاء القتلة يجوبون الشوارع بسياراتهم بيننا وهم يحملون مختلف الأسلحة، بدءا بالأسلحة البيضاء بمختلف أنواعها من خناجر وسواطير وانتهاء بالأسلحة النارية، ولعل الكثير منا شاهد ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي لمشاهد اقتتال بعض الشبان بالأسلحة، أو ذلك الذي أردى عاملا بسلاح ناري، والكثير من المشاهد المماثلة التي يندى لها الجبين وتأسف لها النفوس، والسبب المهم، إن لم يكن الأهم في تهاون هؤلاء القتلة، أنهم علموا أن ثمة «أشمغة» تتطاير لتخلصهم من سيف العدالة أو السيف الأملح كما يحلو للكثيرين تسميته.
إن المتاجرة بالديات قد وصلت في زماننا هذا حدا غير مسبوق، ولم نسمع به أو نقرأ عنه في سلفنا الذي مضى، وإنني لأخشى أننا دون وعي منا قد نعجل بزمان الهرج الذي حدثنا عنه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، حيث لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول لماذا قتل، ومن هنا فإنني أناشد صاحب السمو الملكي وزير الداخلية بأن يتم وضع سقف أعلى لدية القتيل، وأن يجتمع عدد من فضيلة العلماء والمشايخ ليتدارسوا مشروعية الأمر، والعمل عليه حفظا للنفوس وحقنا للدماء، ومن عفا لوجه الله لهو أعظم عند الله من عشرات الملايين والسيارات الفارهة.
إضاءة: قد نزرع الورد ونقطفه وننسى أن نقص أشواكه التي قد تدمي أيدينا.

ربيع زيادي        2017-07-07 12:28 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 12 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • ..وقد يقول قائل(أن الشخص الغربى يشاهد ما نشاهد من مناظر الدم فلماذا نظرته للحياه مقدسه؟)عندهم الفرد منتج يكتشف ،يطبب ،يطور، يتعلّم باستمرار ليحسّن حياته والمجتمع..لذا يقدس الحياه! احمد سليمان
  • يقال ان كثرة رؤية الدم ،والفهم الخاطىء لمعنى الزهد في الحياه،ومجازر حوادث السيارات وكثرتها،ومناظر سفك الدماء من قبل داعش واخواتها،كل هذا أحدث الاستهانة بالحياة. احمد سليمان
  • القتل أصبح لعبة ومفاخرة وعنترية عند بعض الشباب هداهم الله دون تفكير في العواقب ولا في عظم هذا الذنب والجرم سلطان
  • نحن نعرف أن بعض الوسطاء هدفهم - إن شاء الله - خيري بالنسبة لأي من الطرفين ، ولكن ما يتداول بين الناس ، من أن بعض الوسطاء يستفيدون ماديا لأمر مزعج ! غرم الله قليل
  • تجارة القتل / تجارة الدم / تجارة البشر / تجارة الحياة والموت / تجارة عتق الرقاب .. كلها تعابير تنتقص من إنسانيتنا كبشر ! غرم الله قليل
  • العنوان في حد ذاته مفز ع - ويا الله نطلبك السلامة ! غرم الله قليل
  • يفضل إجراء دراسات أمنية لمعرفة ما إذا كانت الملايين المدفوعة كدية تصل فعلا لذوي الدم-يقال ولست القائل،أن المبالغ المدفوعة لا تكون دية خالصة..لأن الأتعاب تخصم.. وقد تخصم/تسترد بعد القبض. غرم الله قليل
  • بمجرد معرفة السيرة الذاتية الذين يسعون لاستبدال حكم القصاص بملايين الريالات يقف الحليم في حيرة ، فهم يتتبعون قضايا الدم كتتبع مكافحة الجراد لأسراب الجراد - لماذا ؟ لست أدري .. غرم الله قليل
  • اللوم يقع على الوعاظ أولا .. غرم الله قليل
  • هناك تسريبات تطلع بعد قبول الدية (أرجو أن لا تكون صحيحة)أن من توسطوا اختلفوا مع ذوي الدم حول النسبة والتناسب،ولأنني ضعيف في الحساب فلا أدري كم نسبة الأجر/الثواب/السعي - لا أعلم .. غرم الله قليل
  • ما يؤذي الناس هو أن أغلب من يشفع في قبول الدية بدلا من القصاص هم شيووووووووووووخ ! وعاااااآآاااااظ ! دعااااااآآآاااااااة ! غرم الله قليل
  • من يتوسط لدى والد القتيل ليعفو عن القاتل لأنه ابن الشيخ فلان ، أو ابن التاجر علان ، مستغلا وجاهته ومركزه الإجتماعي ، لا أظنه قرأ ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الأباب ) الاية .. غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال