الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

هل تكون التربية البدنية للبنات مشروعا عظيما

أتمنى ألا تقودنا حقيقة عدم وجود مدرسات سعوديات للتربية البدنية ضمن القوى الجاهزة للعمل، بسبب تقصيرنا في افتتاح الأقسام في الجامعات، إلى الإقبال على فتح باب الاستقدام على مصراعيه

وأخيرا أقرت وزارة التعليم تدريس التربية البدنية في مدارس التعليم العام، على الرغم من أن آليات تطبيق هذا القرار ما تزال غير واضحة، لكن فرحتنا الخجلى بهذا الخبر المتأخر لها ما يبررها، فنسبة لا يستهان بها من الأجيال الجديدة تعدى مؤشر كتلة الجسم فيها المعدل الطبيعي، مما اضطر كثيرا من الفتيات المراهقات الباحثات عن الرشاقة إلى الدخول في متاهات الإجراءات الجراحية المعقدة والخطيرة، أو الأنظمة الغذائية غير الصحية لخسارة الوزن الزائد. فضلا عما يسبق ذلك عادةً من تنمر الفتيات على بعضهن بعضا، بسبب الوزن الزائد في هذه السن الحرجة التي تتشكل فيها إلى حد كبير صورة الإنسان عن نفسه.
جزء من فرحتنا بهذا الخبر يعود إلى حقيقة أن المدارس هي المحاضن الطبيعية للثقافة السائدة في المجتمعات، وهي كذلك مصانع الثقافات الجديدة التي تخدم أهداف المستقبل وتستشرف احتياجاته، ولذلك فإقرار التربية البدنية في المدارس يعدّ خطوة مهمة في نشر ثقافة الرياضة في مجتمعنا على نطاق واسع.
ممارسة الرياضة عادة تنمو مع الإنسان، لذلك فاكتسابها صغيرا يسهل معه الالتزام بها في الكبر، وبالتالي تحقيق أقصى استفادة من هذا الجسد، ما دام الإنسان حيا بإذن الله.
الرياضة لا تساعد أعضاء الجسد من قلب ورئتين وعظام وعضلات فقط، بل تتعدى ذلك إلى مساعدة العقل على التركيز، والهرمونات على الانضباط، والحواس على التناغم.
ولعلنا في خضم الفرحة نحاول الإجابة عن أسئلة مهمة تتعلق بإقرار تدريس التربية البدنية، مثلا: ماذا ستدرس الطالبات؟، ومن سيدرِّس هذا المقرر؟، وكيف نوظِّف هذا التغيير الإيجابي في المدارس لمصلحة الانضباطية والتكافؤ؟.
قد يساعدنا النظر في تجارب الدول الأخرى على فهم ما الذي يجب أن يحويه المقرر.
من المهم أولا، ألا تَعُدّ المدارس مقرر التربية البدنية نتوءا في اليوم الدراسي، أو فراغا يمكن ملؤه بأي نشاط كان، بل يجب أن تتعامل معه كجزء أساسي من دوائر التعلم المتكامل الذي يربط المقررات المختلفة.
نجد مثلا، أن الطالب في المدارس البريطانية يدرس جزءا نظريا من مقرر التربية البدنية، يتم خلاله ربط التاريخ مع العلوم، ثم تدعيم ذلك بالتطبيق العملي.
على سبيل المثال، تتعرف طالبة الصف السادس على تاريخ لعبة كرة الريشة، وأهم رموزها، ورحلة تطور الكرة والمضرب، ثم يتم تدريسها الجزء النظري من أساسيات اللعبة من القوانين والأخطاء والعقوبات، ثم تتعرف على أهم العضلات المستهدفة بهذه الرياضة، والإصابات المحتملة وطرق تفاديها، ثم تشارك زميلاتها في التطبيق مع المعلمة المؤهلة داخل صالة مجهزة وملائمة ومعدة لهذا الغرض.
ومع أهمية الجزء النظري، إلا أنني أتمنى ألا ينتهي بنا الحال إلى تجاهل أهمية التطبيق والاكتفاء بالنظريات، كما هو الحال في بعض المدارس التي لا توجد فيها معامل حاسب آلي لتطبيق المهارات العملية لمقرر الحاسب الآلي، منذ إقراره قبل حوالي عقدين من الزمان!
يقوم على تدريس التربية البدنية في العالم خريجو وخريجات قسم التربية البدنية، وهم ليسوا دخلاء على التدريس، بل هم عادة يحملون درجة البكالوريوس في التخصص، إضافة إلى رخصة مزاولة مهنة التدريس. كما يشترط على معلمي التربية البدنية اجتياز برنامج الإسعافات الأولية، تحسبا لأي طارئ -لا سمح الله- وهم عادة من فريق التدخل الإسعافي للمدرسة، بعد هذا الوصف لخصائص معلمات التربية البدنية في العالم، أتمنى ألا تقودنا حقيقة عدم وجود مدرسات سعوديات للتربية البدنية ضمن القوى الجاهزة للعمل، بسبب تقصيرنا في افتتاح الأقسام في الجامعات، إلى الإقبال على فتح باب الاستقدام على مصراعيه، بل علينا الإسراع في إقرار برنامج دبلوم للتربية البدنية، مدته عام دراسي على أقل تقدير، يسمح فيه بتأهيل خريجات قسمي التغذية والاقتصاد المنزلي المحققات لاشتراطات الصحة واللياقة، للتخرج مدرساتٍ للتربية البدنية، مع العمل على افتتاح أقسام للبكالوريوس في الوقت ذاته، لسد الاحتياج.
أتمنى أن يساعد إقرار تدريس التربية البدنية في تعزيز التغيير الإيجابي لمصلحة الانضباطية والتكافؤ، خلال توحيد الزي الرياضي للطالبات، وعدم السماح بالتجاوزات فيه، فالأزياء الرياضية مكلفة للأسر، ولا نريد أن ينتهي الحال بالطالبات من الأسر ذات الدخل المحدود إلى التغيب عن المدرسة في يوم التربية البدنية، تحت ضغط المقارنة مع الأقران، وهذه مسؤولية قائدات المدارس وأستاذات المقرر بشكل مباشر.
على سبيل المثال، يرتدي طلاب المدارس في بريطانيا طقما رياضيا أسود اللون في الشتاء، وفي الصيف يتم استبدال الرداء الشتوي طويل الأكمام بالقميص الأبيض قصير الأكمام.
لا يتهاون النظام أبدا مع الزي، كما يمنع ارتداء الملابس أو الأحذية التي تحمل علامات تجارية واضحة، وضرورة التقيد باللون الأسود أو الأبيض في الحذاء الرياضي، منعا للتفاخر بين الطلاب والطالبات.
هذه الأمور الإجرائية تبدو بسيطة ولا تسترعي الانتباه، لكن عندما نضع أنفسنا في مكان الطلاب والطالبات سنتفهم أهميتها النفسية، وقدرة مثل هذه القوانين على تعزيز الثقة في المؤسسة التعليمية والإقبال عليها، والتربية على ضبط النفس وتقديم مصلحة المجموعة على رغبات الأفراد، وغرس مفاهيم الاندماج والتعاون مع المجموعة لتحقيق الأهداف، وهذا جزء من رسالة التربية البدنية، ومما يجب أن تقوم عليه ثقافة المدارس ككل.
أحترم رأي من يقولون، إن إقرار التربية البدنية في المدارس إنجاز في حد ذاته، ويباركون الخطوات الصغيرة في الاتجاه الصحيح، لكن هذا لا يكفي، فالمشاريع العظيمة تولد عظيمة وأي تحجيم لمشروع ما على أمل توسيعه لاحقا، يضر بالمشروع من حيث ندري أو لا ندري. طموحنا الذي لا حدود له إلا السماء -كما صرّح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله- يستدعي إقرارا صحيحا وتنفيذا مشرفا على مستوى المسؤولية، بدءا من الخطوة الأولى للإعداد، وانتهاء بالتنفيذ. 

نادية الشهراني        2017-07-15 12:14 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • ..وتزويدها 3 مكيفات وممارسة التمارين السويدية ،فهي عمليه جدا ومنشّطة للجسم والعقل، حتى يتم ايجاد صالات رياضية مدرسية مناسبة للآلعاب الجماعية. احمد سليمان
  • اقتراح:قد يضع معارضو الرياضة للفتيات عدم وجود(صالات رياضية فى المدارس)،والمستأجرة بالذات،والحل في اختيار اوسع الغرف او غرفتين مفتوحة وجعلها صالة... احمد سليمان
  • معالجة واقتراحات الاستاذة الكريم رائعة وعملية ومن السهل تطبيقها عمليا، وربما العقبة الرئيسيه هى اقوال (المقفله عقولهم/عقولهن ) من دعاة الصحوة عاشقى تورابور وقندهار! احمد سليمان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال