الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

المملكة تعيد الملف اليمني للواجهة

الوضع الميداني يؤكد تفوق الحكومة الشرعية، وإمكانية رفعها لسقف المطالب، بعد النجاحات العديدة التي يحققها الجيش الوطني، بدعم مباشر من التحالف العربي لاستعادة الشرعية

أعادت التحركات السياسية التي تقوم بها الحكومة السعودية خلال الفترة الحالية، لحلحلة الأزمة اليمنية، تركيز الضوء على الأوضاع السيئة التي يعيشها الشعب اليمني، جراء تعنت ميليشيات الحوثيين الانقلابية، وحليفها المخلوع، علي صالح، ورفضهم التجاوب مع كافة المبادرات والمحاولات التي يبذلها المجتمع الدولي والدول الإقليمية لإنهاء الصراع، واستعادة الشرعية. وهو ما أسفر عن تزايد حدة القتال وسقوط مزيد من الضحايا، إما بسبب الفقر والمرض، أو بنيران التمرد.
الحراك السعودي تجلى في استقبال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، خلال الفترة الماضية للمبعوث الدولي إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذي جدد في اللقاء تمسكه بالمرجعيات الثلاث، مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، والقرار الأممي 2216، كما أكد تمسكه كذلك بالمبادرة التي قدمها، مع توفير قدر من المرونة المطلوبة للتعديل، بموافقة الطرفين. ومع أن المبادرة حظيت بموافقة الحكومة الشرعية، رغم تحفظاتها على بعض بنودها، إلا أن الانقلابيين أعربوا عن رفضهم التام لها، ولم يترددوا في الإساءة إلى ولد الشيخ وكيل الاتهامات له، حتى إنهم لم يتورعوا عن إطلاق الرصاص على موكبه ومحاولة اغتياله عند زيارته الأخيرة لصنعاء. كذلك نال الملف اليمني حيزا كبيرا في الاتصالات الهاتفية التي جمعت ولي العهد مع وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، خلال الفترة الأخيرة.
الأجواء السياسية السائدة تؤكد أن المجتمع الدولي يدرك خطورة استمرار الأزمة في اليمن، وما قد يتبع ذلك من تداعيات أمنية سالبة، لن تقتصر بالتأكيد على اليمن أو دول المنطقة، بل ستصل إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وتشكل تهديدا للعالم أجمع. كذلك يعلم الجميع أنه مع تراجع تنظيم داعش وانكسار شوكته في العراق، والهزيمة المتوقعة له في سورية، فإنه ليس من المستبعد أن يدخل الإرهابيون اليمن، في سياق بحثهم عن ملاذات آمنة بديلة، وحينها سيجد المجتمع الدولي أنه يعيد إنتاج الأزمة من جديد، وأن سيناريو الحرب على الإرهاب في أفغانستان سيتم تكراره مرة أخرى، ولكن هذه المرة في اليمن. لذلك بدأت واشنطن تشديد ضغوطها على طهران، حليف الانقلابيين، لوقف تدخلاتها السالبة، والكف عن دعم المتمردين، وعدم تهريب السلاح إليهم، والتركيز على إيجاد حلول سياسية تعيد الأمن والاستقرار إلى اليمن، لارتباط ذلك الشديد بضمان حركة التجارة العالمية.
من المهدّدات الأمنية كذلك احتمال انفراط عقد الأمن، وعدم قدرة السلطات على ضبطه، واندلاع حرب أهلية، في المناطق التي تقع تحت سيطرة الانقلابيين، وذلك بسبب تردي الأوضاع الإنسانية، وتزايد معدلات الفقر بصورة غير مسبوقة، مما جعل شبح المجاعة يحوم بقوة. إضافة إلى ارتفاع نسبة الإصابة بمرض الكوليرا الذي يتفشى بسرعة مذهلة، وحصد حتى الآن أرواح عشرات السكان، في غياب أي رغبة أو تعاون من طرفي الانقلاب لمحاصرته، أو حتى السماح للمنظمات الدولية للقيام بهذا الدور، ويكفي ما أعلنته بعض تلك المنظمات أن اللقاحات التي أحضرتها لمساعدة المدنيين وعلاجهم فسدت بسبب بقائها لفترة طويلة، بعد أن رفض الحوثيون السماح بإدخالها، وهذه التصرفات يمكن اعتبارها جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، لتسببها في موت آلاف المدنيين.
إذا أراد ولد الشيخ لمبادرته النجاح، وأن يتمكن من تحقيق اختراق حقيقي في الموقف، فإن هناك جملة من المطلوبات التي ينبغي توفرها، في مقدمتها تغيير أسلوب التفاوض مع طرفي الانقلاب، والتخلي عن اللين والمهادنة، والتعامل الحازم مع أي محاولة تسويف ومماطلة، لأن سياسة الحوار من أجل الحوار، دون الرغبة في التوصل إلى حلول، لم تعد مقبولة في ظل الظروف الحالية. وكذلك على الدول الكبرى أن تمارس مزيدا من الضغوط على المتمردين، لإرغامهم على التعاطي الإيجابي مع الجهود الدولية، والتلويح بالتدخل الدولي في إطار البند السابع، كما ينص على ذلك القرار 2216، إذا استمر الانقلابيون في الحوار بنفس طريقتهم السابقة. كما يتوجب على الولايات المتحدة وروسيا، على وجه التحديد، كف أيدي إيران عن التدخل وعرقلة مساعي حل الأزمة.
الوضع الميداني يؤكد تفوق الحكومة الشرعية، وإمكانية رفعها لسقف المطالب، بعد النجاحات العديدة التي يحققها الجيش الوطني، بدعم مباشر من التحالف العربي لاستعادة الشرعية، والهزائم الأخيرة التي لحقت بالمتمردين في كافة الجبهات، وينبغي استغلال ذلك لممارسة مزيد من الضغوط عليهم، لأنهم اعتادوا عدم التجاوب مع المبادرات إلا تحت الضغط. أما مبادرة المخلوع صالح الأخيرة، وما أطلق عليها «سلام الشجعان»، فلا تعدو أن تكون مجرد مناورة من رجل يزعم قدرته على «الرقص مع الثعابين»، وفق تعبيره، لذلك لا ينبغي التعويل عليها، لأنها محاولة لكسب بعض الوقت، والتقاط الأنفاس، وتجميع المقاتلين الذين لاذوا بالفرار، تحت ضربات الشرعية الساحقة، وهو أسلوب اعتاد صالح اللجوء إليه كلما حاصرته قوات المقاومة الشعبية، ولاحقته ضربات الجيش الوطني.
إن كان من سؤال يتبادر إلى الأذهان، فهو عن السبب في تراجع دور الجامعة العربية في هذا الملف، وهي مما يحز في النفس ويصيبها بالأسف، وربما يعود السبب في ذلك إلى وقوف بعض دولها إلى جانب المحور الإيراني، تنفيذا لأجندة خاصة، أبعد ما تكون عن حفظ الأمن القومي العربي، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون سببا في هذا الغياب التام. وهذا الوضع يعيد المطالبة بتغيير آلية اتخاذ القرارات في الجامعة، وعدم اشتراط إجماع الدول، فالتجارب السابقة تؤكد غياب الإجماع عن أي قضية عربية، مهما بلغت درجة أهميتها.
ختاما، فإنه رغم الاهتمام العربي الواسع بالقضية اليمنية، إلا أنه على اليمنيين إدراك أن دورهم أكبر وأعظم، وأن العبء الرئيسي يقع عليهم، وأن الأمر يخصهم في المقام الأول، دون سواهم، لذلك فإنه من الأهمية تجاوز الخلافات الصغيرة، والابتعاد عن القضايا الانصرافية، وعدم الالتفات إلى دعوات الانفصال، فالظرف الحالي لا يسمح بذلك، ومن الأولى والأوجب رص الصفوف، والتركيز على التصدي للعدو المشترك، الذي يعمل بالإنابة عن جهات خارجية ليعصف باليمن كدولة، ويكمل مؤامرة تفكيكها، وبعد الانتهاء من هذه المهمة، ودحر العملاء، يمكن لليمنيين أن يجلسوا على طاولة واحدة، بدون تدخل من أحد، وأن يطرحوا خلافاتهم ويناقشوها، وحتما سيجدون لها حلولا مشتركة، على غرار تجربة الحوار الوطني السابقة، التي وجدت الإشادة والتقدير من كافة المراقبين.

هادي اليامي        2017-07-25 12:54 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال