الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

اجلد طبيبا ولك الأجر

منذ بدء الخليقة، لم يعرف الإنسان أنبل وأرحم من مهنة الطب، إذ قال الشافعي «رحمه الله»، «لا أعلم علما بعد الحلال والحرام أنبل من الطب»، وقال الفيلسوف ابن رشد، «إن صناعة الطب صناعة فاعلة، عن مبادئ صادقة، يلتمس بها حفظ بدن الإنسان، وإبطال المرض».
وقد سمي الطبيب حكيما، لما يمتلك من قدرة وحكمة يستطيع بها تشخيص ومعالجة الأمور بدنية أو نفسية، كما اشتهر الطب قديما بارتباطه بالفلسفة، ابتداء من أبقراط «أبو الطب» ومرورا بكثير من الفلاسفة من بعده، حتى قيل: «كان الطب معدوما فأوجده أبقراط، وميتا فأحياه جالينوس، ومشتتا فجمعه الرازي، وناقصا فأكمله ابن سينا».
اختلف الرواة عن الوقت الحقيقي لظهور الطب، ولكن الظاهر -والله أعلم- أن الطب كان مع بدء الخليقة، كما قال جالينوس في تفسيره كتاب الإيمان لأبقراط.
في القرن الحالي، أصبحت مهنة الطب شاقة متعبة، وانفصلت عن الجانب الفلسفي في الحياة، أصبح الطب في المجتمعات المتأخرة لا يسمن ولا يغني من جوع، وأصبحت سنوات الكد والكدح التي ربما تتجاوز الثلاثين عاما من طلب العلم، لا تساوي قيمة العرق والحبر وسهر الليالي.
في كثير من الأحيان، يغيب النظام الإداري في المستشفيات نتيجة تقصير إداري، ويدفع الثمن المريض من صحته والطبيب من سمعته، وتقوم الصحافة الساعية وراء سبق صحفي بنشر أخبار منقوصة، استنادا إلى روايات غير مثبتة المصادر، مما يؤدي إلى فقدان الثقة بين الكادر الصحي والمجتمع، ويصبح الطبيب الحلقة الأضعف، وشماعة لتعليق الأخطاء الإدارية عليه، إن وجدت.
وما ينطبق على الأطباء، يشمل جميع الممارسين الصحيين، من طاقم تمريضي وفني وصيادلة وأخصائيين من كل التخصصات.
ولنعلم، أنه حين ننام هانئي الفؤاد بين أطفالنا وأحبابنا، فهناك مئات العاملين في المستشفيات والمدن الطبية يسهرون على خدمة الناس، ولنعلم أن إجازة العيد التي يتمتع بها الغالبية العظمى مرتين سنويا، لهي حلمٌ صعب المنال على الممارسين الصحيين، فالممرضة لا تستطيع ترك مريضتها، والمسعف لا يستطيع ركن سيارة الإسعاف لحين انتهاء العيد، إن ضايقتك سويعات العمل في رمضان، فلتعلم أن كثيرا من الممارسين الصحيين يقومون بمناوبات تستغرق 24 ساعة، وهم صائمون نهارا ومجهدون ليلا.
قد يخفى عن الناس أن كثيرا من الممارسين الصحيين -زيادة على عملهم المقرر- يقومون بالمناوبة الليلية من منازلهم، ويتم استدعاؤهم في أي وقت للحالات الطارئة، مثل القسطرة القلبية والمناظير العاجلة، وغيرها من التخصصات الشريفة، فضلا عن تعرضهم لخطر الإصابة بالأمراض المعدية، نتيجة عملهم في خدمة المرضى، ولا أرى منافسا للطبيب والممرض وجميع الممارسين الصحيين في شرف المهنة إلا «الجندي» الذي يذود عن الوطن بعرقه ودمه وروحه.
ما زلت أرى أن هناك تقصيرا كبيرا في نواحي زرع الثقة في الممارس الصحي السعودي، وذلك ناتج عن انعدام الإستراتيجيات الإعلامية، للوصول نحو ذلك الهدف، ومنها:
1 - تسليط الضوء على الإنجازات الطبية السعودية الحقيقية، مثل ما قامت به بعض البرامج ومنها برنامج الثامنة.
2 - تخصيص أوسمة سنوية للمبدعين وتكريمهم بما يليق بهم.
3 - حماية الممارسين الصحيين بقوانين صارمة وتطبيقها بعيدا عن «حب الخشوم» و»طلبناك».
4 - إعطاء الممارس الصحي حقوقه المادية والمعنوية التي يحرم منها في كثير من الأحيان.
ختاما، إخواننا الممارسون الصحيون هم بشر وليسوا ملائكة، يخطئون ويصيبون، يجتهدون من أجل الأجر، ومعظمهم يعمل الخير، ويبتغي الأجر، فاعلم -هداك الله- أن «جَلْدَ» طبيب أو (لَكْمَ) ممرضة لن يجلب لك العافية.

عوض العمري        2017-07-27 12:27 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • خريجوا طب الجامعات الخاصة... حرموا من رواتب سنة الامتيازوهم يقومون بنفس العمل الذي يقوم به زملائهم من خريجي الجامعات الحكومية. محمد احمد الشهري

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال