الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أرى خلل الرماد وميض جمر

الوطنُ والقيادةُ في نظري كخيمة الراعي تَسَعُ الجميع، ويستظل بظلها جميعُ الرعية، مما يُحتِّم على الجميع المحافظة عليها، فالحذر الحذر من الاستعداء الظالم، وتشكيك الناس في ولائهم لوطنهم

الجماعة أصل من أصول الاعتقاد، وفي منصوص اعتقاد أهل السنة والجماعة قولهم: (ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا)، والأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة وآثار السلف كثيرة ومعلومة.
ولقد أتى على الناس في بلادنا قبل الملك عبدالعزيز حين من الدهر، كان فيها واقع البلاد والعباد مخيفا، لما فيه من التفرق والفتن والقتل والخوف والجوع، يصف ذلك الواقع المؤرخ ابن بشر رحمه الله فيقول: (انحل نظامُ الجماعةِ، والسمع والطاعة، وتطايرت شرورُ الفتنِ في تلكَ الأَوْطَان، وتعذَّرت الأسفارُ بين البلدان، وعاثت فيه العساكر المصرية، فقتلوا صناديدَ الرجال، وصادروا أهلها، فأخذوا ما بأيديهم من الأموال، وقطعوا الحدائق الظليلات، وهدموا القصورَ العاليات، وصارَ أهلُ نجدٍ بينهم أذلَ من العبيد، وتفرَّقتْ علماؤُهم ما بين طريدٍ وشريدٍ، وثارت في غالب البلدان الفتن، والقتل والمحن، وظهر المنكر، وعدم الأمر بالمعروف، وصار الرجل في جوف بيته وجلاً مخوفاً، وتذكروا ما بين أسلافهم من الضغائن الخبيثة القديمة، وتطالبوا بالدماء، فكل منهم يطلب أولاد أولاد غريمه، فتقاتلوا على سنن ما أنزل الله بها من سلطان...إلخ ما ذكره ابن بشر رحمه الله في تأريخه، فأنعم الله علينا بالملك عبدالعزيز رحمه الله، والذي قاد ورجاله مسيرة التوحيد والبناء، فجمع الله به القلوب والبلاد، وعمَّ الأمن والاستقرار، فأصبح الجميع تحت قيادته بنعمة الله إخوانا متحابين، وواصل أبناؤه وأحفاده مسيرة التنمية والبناء، فأصبح وطننا المملكة العربية السعودية من الدول المتقدمة في جميع المجالات، وبالشكر تدوم النعم كما قال تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، وبكفر النعم يحصل الخوف والجوع كما قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَت آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون).
فحريٌ بكلِ مواطن، أن يُسْهِم في حِفْظِ هذه النعمة التي وهبنا الله إياها، ولو بشطر كلمة، ولا يكون سبباً في إحلالِ قومه دارَ البوار، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار)، وأن يحفظ هذا المنجز الأمني الذي تعب من أجله الأخيار رحمهم الله، لكونه أمانةً يجب أن نحافظ عليه، لتستلمه الأجيال القادمة.
وكلُ جمرٍ تحت الرماد، يجب أن يُسْكَب عليه الماء لإطفائه، ولا يجوز إذكاؤه، فإن النار بالعودين تُذكى، وإن الشر مبدؤه كلام.
ومن الجمر الذي تحت الرماد: مسلك الإثارة، والتحريش، والاستعداء، والانتماءات الحزبية، وإذكاء العصبيات والنعرات، والاستهانة بالولاية، وملء القلوب عداوةً وبغضاء، فهذا كله داءٌ يجب استئصاله، وهو من سنن الجاهلية، وأبغضُ الناس إلى الله - كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري - مُبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية.
والوطنُ والقيادةُ في نظري كخيمة الراعي تَسَعُ الجميع، ويستظل بظلها جميعُ الرعية، مما يُحتِّم على الجميع المحافظة عليها، فالحذر الحذر من الاستعداء الظالم، وتشكيك الناس في ولائهم لوطنهم وقيادتهم بالظن والهوى، فإن هذا المسلك هو أحد الأسس التي تقوم عليها الفتن، فالخطأ لا يسكت عنه، وإنما يعالج بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، واستنهاض الهمم، وبيان تناقض المتخاذلين، وسوء جنايتهم بالسكوت عن الحق، فضلا عن التكلم بالباطل، لابد من البيان بعلم وعدل، ولكن من الخطأ الفاحش أن يُعالج بالاستعداء والسب والشتم والمزايدة على وطنية المواطنين بالظن والهوى، ولا ينبغي أن يتولى المعالجات من يتكلم بجهلٍ وظلمٍ وشماتة، ويرمي الفتيل هنا وهناك، لأن ذلك يؤدي إلى انقسام الوحدة الوطنية، وهو ما يتعارض مع النظام الأساسي للحكم، فقد نصت المادة الثانية عشرة على ما يلي: تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام.
ومعلوم أن القلوب إذا تنافر ودها، تكون كالزجاج كسرها لا يُشعب، ولو حُيِّد أصحاب المواقف السيئة ممن يتكلم بالباطل، أو يخرس عن الحق، وأُبعِدوا عن أماكن التأثير، ليَحل أهل العلم والعقل والاتزان مكانهم، لكان لذلك ثمرة طيبة ولو على الأمد البعيد، ولا حاجة حينئذٍ للسب والتهم ورديء الكلام، لأن السب والاتهام يخلق الأعداء، ويُكثِر الخصوم، ويضرب أبناء الوطن بعضهم ببعض، ويستعدي الناس على وطنهم وقادتهم، وهذا المسلك لا خير فيه، بل هذا عين ما يُريده الأعداء، وإنما المصلحة في نظري هي في تحبيب الراعي إلى الرعية، والرعية إلى الراعي، والتذكير بأهمية الدفاع عن ديننا ووطننا، بأسلوب حسن، واستنهاض همم السلبيين ممن سكت عن الحق، أو تكلم بالباطل ليصطف مع وطنه، وتذكيرهم بأنه لا قيمة لهم بدون وطنهم وقيادتهم، ومن مصلحة الجميع الحفاظ على أمن الوطن واستقراره، ولا يُعان الشيطان على أحدٍ من أبناء الوطن، بل يُرَد من أخطأ إلى الجادة ما أمكن ذلك، فإن رجع إلى الحق فالحمد لله ويكفي، وإن استمر على ضلاله، فالتعزير الشرعي جزاؤه، وليس الصخب والضجيج، وليعلم كل مواطن أن حفظ أسوار بيوتنا التي فيها أبناؤنا وأسرنا، لا يتم إلا بحفظ سُور وطننا الكبير، المملكة العربية السعودية، فمن اخترق سور وطننا – لا قدر الله - فسيخترق سُور بيوتنا، ولكن إن شاء الله لن يتم لهم ذلك، وفي أبناء هذا الوطن عرق ينبض، والمأمول من كل من زلت به القدم أن يرجع إلى الحق، ويصلح، ويبين، والتوبة تجب ما قبلها، قال تعالى: (إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم).
 

أحمد الرضيمان        2017-07-28 12:07 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 28 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • وأنا شخصيا لا أرى إثارة أمور لها ظروفها وانتهت ولم نشهدها وماتوا جميعا من أصاب منهم ومن أخطأ رحمهم الله ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ماكسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) أحمد الرضيمان
  • أنعم وأكرم ب ( غامد ) من أصول العرب ، وأنصار الاسلام قديما وحديثا ، واعلم حفظك الله أن غالب من يقرأ في كتب السابقين يقطع الكلام من سياقه ولا يعرف واقع المسألة فيتوصل الى نتائج خاطئة أحمد الرضيمان
  • أما ماأشرت إليه حفظك الله من أقواله التي ليست هي موضوع المقال ، فيمكن مناقشتها إذا تحدثنا عن الموضوع نفسه ، وهذا يتطلب التأكد من المعلومة ، وواقع المسألة وظروفها ....الخ .يتبع أحمد الرضيمان
  • مرحبا بأستاذنا الفاضل غرم الله أنا استشهدت بابن بشر في ما نقله من آثار انحلال الجماعة من القتل والخوف والجوع ، وهذا حق يعرفه ليس ابن بشر فقط ، بل حتى كبار السن سمعوا عن آبائهم ذلك أحمد الرضيمان
  • الخلاصة : ((( تراثنا فيه الغث والسمين ، ونحن اليوم في أمس الحاجة لتحقيقه ، وتنقيته ، مما لحق به من : (هوى / اسرائيليات / نصرانيات / مجوسيات / ..الخ.))) ! غرم الله قليل الغامدي
  • هل علم أم لم يعلم ابن بشر- يرحمه الله أن/ طفيل الأزدي أخ لأم المؤمنين عائشة وعبدالرحمن بن أبي بكرالصديق لأمهما أم رومان خلف عليها أبو بكر بعد عبد الله الزهراني..فهل أسلم طفيل عام ١٢١٢هج؟ غرم الله قليل الغامدي
  • أنتم شيوخنا، ونحبكم في الله - طالما أحببتمونا في الله ، وأحببتم دولتنا وولي أمرنا.. فلماذا البعض منكم- كابن بشر- يكفرون أجدادنا بقولهم أن الباحة لم تدخل الإسلام قبل ١٢١٢هج؟ اعتذروا.. غرم الله قليل الغامدي
  • انت استشهدت بابن بشر ودافعت عنه ، ،كتابه ، وكتابه "المجد في تاريخ نجد" في مكتبتك ، وهو كفر أجداد الغمّد والزهارين - فلماذا لا تعتذر بالنيابة عنه وخاصة - جانب "التكفير" ؟ غرم الله قليل الغامدي
  • صحابة من غامد :(سفيان بن عوف/ أبو الأعرج الظبياني - حامل راية غامد في القادسية ورئيس وفد غامد في سنة الوفود / جندب بن عبد الله ) .. لماذا نسيهم ابن بشر ؟ غرم الله قليل الغامدي
  • هل كان يعرف أن الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي من الباحة ؟ غرم الله قليل الغامدي
  • هل كان يعرف أن الصحابي راوية الإسلام / عبد الرحمن بن صخر الدوسي من الباحة ؟ أم أنه كان يعرف ذلك ؟ أليس بمؤرخ ؟ غرم الله قليل الغامدي
  • ابن بشر لم يدخل في الإسلام أجدادنا الذين عاشوا قبل ١٢١٢ هج. لماذا يكفر الناس بالجملة ؟ غرم الله قليل الغامدي
  • شكرا لك أخي المتابع تسعدني متابعتك وملحوظاتك ، وأفرح بدعواتك الطيبة ، حفظك الله وأسعدك في الدنيا والآخرة أحمد الرضيمان
  • وإنما كررت التحذير من ( الاتهام بالظن والهوى ) لأن ماليس بالظن والهوى وإنما هو باليقين والهدى فهذا اتهام بحق ، والمحذور في نظري هو التجني بالظنون والاوهام أحمد الرضيمان
  • وكنت ياأستاذ غرم الله حثثت الجميع في هذا المقال ومقالات سابقة أن يصطف الحميع مع وطنهم ، الذي أنكره هو ما كررته في هذا المقال من التشكيك في الناس ( بالظن والهوى ) لاحظ ( بالظن والهوى). أحمد الرضيمان
  • مرحبا وأهلا بالأستاذ الفاضل غرم الله الغامدي : تقول لماذا لم يناصر الصحويون سياسة وطننا ، وأقول : هذا السؤال يُوجَّه لهم ، لأني لست متحدثا عنهم ولا عن غيرهم ، أنا أجيب عن ماقلته أنا فقط أحمد الرضيمان
  • قال أحد البحثثين المحققين ( متن الكتاب المحقق لا يحذف منه ، ولا يضاف إليه ، والتصحيحات والنقدات إنما تكون في الحاشية) محمد بن عبدالله (القونوي) المصدر السابق ٢٠١٤/٩/١١ الشرق. غرم الله
  • للفائدة .. اقرأوا : ابن بشر وابن غنام - إعادة نظر لمحمد البريدي http://www.alsharq.net.sa/2014/09/11/1217076/comment-page-1 غرم الله
  • لم يعد مستساغا ولا مقبولا أن نقرأ في أي كتاب تاريخ أن أهل الباحة دخلوا في الإسلام عام ١٢١٢ ، ولا أهل حريملاء خصوصا ونحن نعلم أن هذا غير صحيح / محمد البريدي - المصدر السابق .. غرم الله
  • المملكة تكاد تكون البلد الوحيد الذي دستوره الوحيين - وهذا شرف لكل مواطن وأولنا الوعاظ .. هل غرد بعض الوعظيين التويتريين نصرة لبلدنا الحبيب ؟ الجواب لفضيلتكم .. غرم الله
  • طالما أن المملكة تقيم شرع الله وتحب الخير لبلدان الإسلام - فلماذا "صمت" بعض وعاظنا في هذا الظرف الذي نحن أحوج ما نكون للوحدة الوطنية الصادقة ؟ الصمت لا يعني دائما الموافقة .. غرم الله
  • لماذا يا شيخنا الفاضل لم يناصر بعض شيوخنا الذين ركبوا موجة الصحوةوالصحويين سياسةوطننا الحبيب/المملكة العربية السعودية في خلافنا مع قطر ؟ هل نحصل على إجابة مباشرة ؟ لقد سكتوا. غرم الله
  • رحم الله المؤرخ الفاضل عثمان بن بشر .. فقد كان تاريخه يمثل المرحلة التي كتب تاريخه فيها .. وكان يمثل الاتجاه السائد .. غرم الله
  • ويشارك / ابن بشر النظرة المؤرخ الاخر / ابن غنام - صاحب سفر (تاريخ نجد) .. كم أتمنى أن يقوم أحد المحققين الكبار بتحقيق الكتابين وتخريجهما ، وتصويب ما قد يكون فيهما من أخطاء - إن وجدت.. غرم الله
  • .. وقال نفس الكلام عن حائل التي لم تكن بعد على المذهب الحنبلي .. غرم الله

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال