الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

معهم معهم

يمارسون سلوك القطيع تخليدا لذكرى أمثالهم الشائعة «الموت مع الجماعة رحمة»، فتتعطل بذلك مَلَكَة التفكير وتسقط عقلية القطيع

عقلية القطيع أو كما يسمونها «نظرية سلوك القطيع»، تعرف بالميل السلوكي عند الأفراد لاتباع رأي الجماعة التي ينتمون إليها، دون تفكير أو تخطيط. مبدأ الطاعة العمياء دون بذل أي مجهود ولو بسيط في التفكير والتحليل، ومحاولة تبيان الأصح من الخطأ. إن رأيت البعض يجري بشكل فجائي ستجري معهم، وإن وجدت البعض يجيبون عن سؤال بإجابة خاطئة ستعتقد أنهم على صواب وستجيب مثلهم.
فسياسة القطيع هي عملية سوق مجموعة من الناس في اتجاه معين، دون وعي أو تفكير، وراء قائد القطيع دون معرفة الاتجاه أو سبب التوجه إليه. فمن المريح جدا المشي مع التيار وليس ضده. للأسف هذا جزء من تركيبة أذهانهم.
هذه النظرية باتت حاضرة وفي أعلى مستوياتها في حكايانا العربية، تتأرجح بين هذه الحكاية وتلك، فتتعطل بذلك مَلَكَة التفكير وتسقط عقلية القطيع. يمارسها معظمهم تخليدا لذكرى أمثالهم الشائعة «الموت مع الجماعة رحمة»، أمثال خالدة فرضت على الفكر العربي التبعية والتزام الإنسان بتصرفات الجماعة.
هذا المسمى في الأصل يطلق على تصرف الحيوانات في القطيع أو السرب من الطيور، خصوصا عندما تشعر بالخطر. إن سلوك الناس في الحروب وفي المظاهرات وعند الشعور بالخطر، هي أمثلة على سلوك القطيع.
أول من أطلق هذا المصطلح على هذا السلوك وصاغه كنظرية، هو عالم الأحياء «هاميلتون». وذكر فيها أن كل عضو في مجموعة ما يخدم نفسه بالدرجة الأولى، إذ يقلل الخطر عن نفسه بالدخول مع الجماعة والسلوك بسلوكهم، هكذا يظهر القطيع بمظهر الوحدة الواحدة. ولنا في السياسة والسياسيين أكبر مثال.
تظهر سياسة القطيع جلية في المواقف التي شهدناها ونشهدها في الآونة الأخيرة من ثورات وانقلابات وتجنيد وتمجيد. كلها في النهاية تصب في مصلحة قائد القطيع. كأن يخرج ووراءه مئات البشر يخرجون معه للثورة لا يدرون لماذا خرجوا، وتلك أوضح صورة لسلوك القطيع شهدتها العرب. وبمجرد أنك داخل منظومة القطيع، لا تفكر، لا تقل لا، لا تعدل مسارك، ولا تغرد خارج السرب، فالموت مع الجماعة رحمة.
فأقول: كي يرتقي الشخص بفرديته ويصيب بها عقليته، عليه أولا رفع نسبة أفكاره الأصلية وآرائه المستقلة، من خلال نقد وإعادة فرز الموروث منها أو المقتبس، والابتعاد في الوقت نفسه عن سلوك القطيع، وذلك يحتاج إلى إرادة قائد وعقل حكيم و«أنا» انتقائية غير تابعة. يقول الراحل مصطفى محمود، إن المجتمع الصالح ليس مجموعة أصفار، وإنما هو مجموعة أفراد.. وقدر صغير من الفردية ضروري ليفترق به الإنسان عن الدابة، وليفترق به المجتمع عن القطيع.

سارة العكاش        2017-07-28 12:08 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال