الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

تجربة النمور الآسيوية نموذجا

تجربة «النمور الآسيوية» لا زالت تستحق دراستها تفصيلا، للاستفادة منها سواء في منحاها الإيجابي وما حققته من مكاسب وطنية ودولية، أو منحاها السلبي وما لحق بها من أزمات اقتصادية واجتماعية

تضافرت العديد من العوامل الداخلية الهامة لإنجاح تجربة النمور الآسيوية (كوريا، هونج كونج، تايوان، سنغافورة) ثم (ماليزيا، وإندونيسيا، تايلند) في مشروعها التنموي الذي انتشلها من الفقر والجوع والجهل إلى مصاف الدول النامية المتقدمة اقتصادياً وتنموياً، وذلك بعد جهود وسياسات شملت كافة القطاعات الوطنية والهيكل المؤسسي لتلك الدول بجميع ما تكتنفه من موارد بشرية ومادية، وما تتطلبه من أنظمة وتشريعات وقوانين، عملت على تنفيذ تلك السياسات وترجمتها لواقع تنموي وإنجاز اقتصادي تشهد به جميع الدول المتقدمة قبل النامية، والذي أهّلها بدوره لتكون نموذجاً يُحتذى به في كثير من السياسات السكانية والتنموية والاقتصادية المختلفة التي كانت بمثابة البنية التحتية لهذا التحول التنموي والقفزة الاقتصادية والحضارية، والتي ما كانت لتكون لولا التخطيط الاستراتيجي المتكامل بما يتوافق مع ظروف وواقع تلك الدول بمواردها المادية والبشرية، إلى جانب العزيمة الجادة في ظل ظروف ضاغطة وتطلع نحو مستقبل زاهر وحاضر بنّاء.
 لقد حرصت تلك الدول قبل البدء في مشروعها التنموي على أن تضع قاعدة وطنية وبُنية تحتية آمنة ترتكز عليها لتضمن تنفيذ ذلك التخطيط الاستراتيجي لتحقق أهدافها التنموية المقصودة، والذي بدأ بمكافحة الفساد من خلال فرض تدابير تنظيمية صارمة فيما يتعلق بالجانب التشريعي والقانوني والمساواة، أما في الجانب الاقتصادي فحرصت على تجنب الديون قدر الإمكان بما يخدم توجهاتها ولا يعيق مسيرتها التنموية، فعملت على بناء احتياطيات كبيرة من رأس المال والمدخرات، ما ساعدها على الصمود إلى حدٍ ما في وجه الأزمات المالية التي تعرضت لها، وكان التأثر بها حتمياً ومفروضاً لتداعياتها المصاحبة، ولكن ما لبثت أن استعادت مكانتها وقوتها بمجرد انتعاش الأسواق الأخرى.
 لقد كانت الظروف المتشابهة التي واجهت تلك الدول (الأربع) بدايةً من حيث ارتفاع معدل النمو السكاني ووفرة الأيدي العاملة والافتقار إلى الموارد الطبيعية وما ترتب عليه من انتشار الفقر والبطالة وانخفاض مستوى المعيشة والركود الاقتصادي، بمثابة القاعدة التي انطلقت منها تلك السياسات الطموحة لاستيعاب كافة تلك الظروف، والخروج بالمعجزة الاقتصادية والتنموية التي تجسدت في واقع تنموي واقتصادي لا زالت تعيشه تلك الدول، وذلك بعد أن جندت وسخرت جميع مؤسسات الدولة بقطاعاتها العامة والخاصة لخدمة المشروع التنموي المستهدف؛ وعلى الرغم مما واجهها من أزمات اقتصادية داخلية مختلفة إلا أنها استطاعت أن تجتاز وتنجز بعد أن أسست ووفرت البنية التحتية لخططها الاستراتيجية الملائمة لمواردها البشرية والطبيعية، ودعمتها بسياسات وإجراءات مناسبة ومحكومة بأنظمة وتشريعات تحميها؛ فقد اهتمت تلك الدول بالصناعات التصديرية (على الرغم من افتقارها للمواد الخام والتي تقوم باستيرادها) التي تحتاج إلى كثافة في الأيدي العاملة القادرة على العمل لديها لوفرتها من جهة، وللحد من البطالة من جهة أخرى، وعلى الرغم من انخفاض الأجور وتدنيها، غير أن الدولة ساندت ذلك بتوفير الغذاء الضروري بأسعار رخيصة، كما نفذت سياسات مالية ونقدية صارمة لتحاشي الوقوع في التضخم والمحافظة على الأجر الحقيقي، وبالتالي فإن تكاليف المنتجات التحويلية «كثيفة العمالة» كانت منخفضة جداً بما جعلها منافسة في السوق العالمي، وذلك على الرغم من أن تلك الدول كانت تستورد الغذاء والمادة الخام والطاقة!.
 وفي ضوء تلك الندرة الشديدة في الموارد الطبيعية اعتمدت تلك الدول على استراتيجيات إنمائية محددة، فحواها الاعتماد على مجموعة معينة من الصناعات التصديرية البسيطة بدايةً، وأن تقوم باستيراد المواد الأولية لها من الخارج بينما يتم تصنيعها في الداخل، معتمدة في ذلك على الوفرة النسبية في الأيدي العاملة المواطنة. وعلى الرغم من خلل ميزان المدفوعات لارتفاع الواردات في بداية مسيرتها التنموية، إلا أنها تمكنت في ظل سياساتها الاقتصادية من تصحيح مسار الميزان التجاري لصالح الصادرات الوطنية منذ السبعينات من القرن العشرين، ولقد كان للسياسات الاقتصادية المتكاملة التي انتهجتها الدول تأثيرها الإيجابي في خلق بيئة اقتصادية محلية مناسبة للدفع نحو النمو والتقدم، ومن تلك السياسات:
-قامت الدول ببناء شبكة البنية التحتية على درجة عالية من التقدم والكفاءة.
-الاهتمام الكبير الذي أولته تلك الدول للاستثمار في البشر، وذلك من خلال زيادة في مخصصات الإنفاق العام على التعليم والصحة والإسكان والبحث العلمي والتقدم التكنولوجي، والذي انعكس على نمو إنتاجية العمل من جهة وقدرة على استيعاب التكنولوجيا المستوردة للدخول في مرحلة التطوير التكنولوجي بناء على ذلك.
- وضع وتنفيذ مجموعة من السياسات النقدية والمالية التي كبحت التضخم، وكان لها أثرها الإيجابي في النمو الاقتصادي ونمو الصادرات والسيطرة على الأجور.
- العناية الخاصة بقطاع الصادرات نظراً لمكانته الارتكازية في تجارب هذه الدول، فحرصت هذه الدول على استقرار أسعار الصرف وعلى إعفاء المواد الوسيطة والسلع الإنتاجية المستوردة اللازمة للصناعات التصديرية من الرسوم الجمركية، ووفرت التسهيلات المصرفية لتشجيع الصادرات.
- عمدت هذه الدول على انتهاج سياسات واعية لتشجيع وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها؛ وتهيئة المناخ المناسب لها لكي تحقق معدلات مرتفعة للربح لتغريها بالمشاركة في المشروع التنموي، والذي أسهم بدوره في استيعاب الأيدي العاملة الوطنية من جهة، ونقل التكنولوجيا والاستفادة منها وتطويرها وطنياً من جهة أخرى.
 ومما هو معروف أن تلك الدول تعرضت لأزمتين اقتصاديتين كبيرتين في العامين 1997، و2008، نتيجة لعدد من التحديات وبعض من الأخطاء الاقتصادية الجسيمة، والتي منها في (1997) أنها تركت للقطاع الخاص حرية القروض الخارجية دون رقابة، فكان سبباً في الانهيار الاقتصادي وحالة الفوضى التي امتدت آثارها لتشمل سائر القطاعات التنموية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة؛ ولكن على الرغم من ذلك فإن تلك الدول لا زالت تتمتع بمكانة هامة في وزنها الدولي وفي حجم منجزاتها التنموية في كثير من القطاعات، بل وإن بعضها يحتل الصدارة في دليل التنمية البشرية الدولي، إذ تشير بيانات دليل التنمية البشرية الصادر من الأمم المتحدة للعام 2016 إلى أن «سنغافورة» احتلت المرتبة الـ«5» من الدليل، وأنها بذلك تشارك الدانمرك في تلك المرتبة، بينما احتلت هونج كونج المرتبة «12» وكوريا «18»، وصدق المثل القائل: من جد وجد ومن زرع حصد.
 في الحقيقة إن تجربة تلك الدول «النمور الآسيوية» لا زالت تستحق التعمق فيها ودراستها تفصيلاً للاستفادة منها سواء في منحاها الإيجابي وما حققته من مكاسب وطنية ودولية، أو منحاها السلبي وما لحق بها من أزمات اقتصادية واجتماعية كانت نتيجة لسياسات جانبها الصواب في بعض تفاصيلها، وحيث إنه لا يمكن استنساخ التجارب التنموية للدول حتى وإن كانت ناجحة 100%، للاختلاف المؤكد بين الدول في مقدراتها، سواء في ظروفها الاجتماعية وما تحمله من مضمون أو في مواردها الطبيعية المختلفة نوعا وقيمة، ولكن تلك التجارب التنموية جديرة بالتبصر والتمعن فيها وصدق جل جلاله في قوله «فاعتبروا يا أُولي الأبصار».
 

عبلة مرشد        2017-08-01 10:14 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • ماذا يعيق بلدنا أن تكون نمرا اقتصاديا ؟ الأسباب:1 وجود عقلية صدئة في المجتمع تعرقل أى خطوة إلى الأمام بالتوقف ومراجعة نصوص موروث بال. 2فساد يشنّف القلوب والعقول.3عدم وجود بوصله. احمد سليمان
  • ناجحة 100% غير دقيق . ماليزيا سبب ارتفاع الدخل هو اكتشاف النفط ، صناعة سيارات بروتون الماليزية منذ 1983 وهي اساسا بقايا ميستوبيشي لانسر اشترتها ماليزيا من اليابان تواجه صعوبات عبدالله

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال