الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الهروب من الموت

تبلغ نسبة الوفيات في أفضل العنايات المركزة في العالم وأكثرها جودة حوالي 20%، وذلك لطبيعة الحالات ذات الخطورة العالية، وللأسف قد تصل النسبة إلى 40 - 60% في وحدات العنايات ذات الجودة المتهالكة، ثم تصبح الوحدة مقبرة للمرضى بدلا من أن تكون طوق نجاة، وكلما قلّت نسبة الوفيات في العنايات الحرجة، فهذا مؤشر جيّد على تحسّن وارتفاع في جودة الخدمات الطبية المقدمة في تلك الوحدات، مع اعتبار المقاييس الأخرى في الحسبان. ويعد قسم العناية الحرجة «المركزة» مربط الفرس، وبوابة الصمام للارتقاء بسمعة أي منشأة طبية، فلا يمكن لجرّاح متمكن أن يعمل في منشأة لا يجد الرعاية العالية لمريضه إن حصلت مضاعفات طبية، لا سمح الله، ولا يمكن لأي طبيب باطنة أو أطفال أو قلب أن يطمئن وينام مرتاح الضمير دون قسم «عناية حرجة» يسهر الأطباء فيه على إنقاذ المرضى وحمايتهم من المضاعفات الطبية الممكنة، ومن توابع الأمراض الفتاكة.
عالميا، تواجه المستشفيات نقصا حادا في توفير المتخصصين من الأطباء والتمريض والفنيين العاملين في قسم العناية الحرجة.
يشير أحد التقارير الصادرة هذا العام من منظمة الخدمة الصحية الوطنية في المملكة المتحدة NHS -والمنشورة في صحيفة الجارديان الشهيرة- إلى وجود عجز في الاستشاريين المتخصصين في 30% من 220 وحدة عناية حرجة على مستوى الدولة.
في الولايات المتحدة الأميركية، يبلغ العجز في أطباء العناية المركزة حوالي 60% تقريبا وتزداد النسبة لتصل إلى 80% في المناطق الطرفية والنائية «حسب إحصاءات الجمعية الأميركية للعناية المركزة». فضلا عن النقص الكبير أيضا في الكوادر التمريضية وأخصائيي العلاج التنفسي.
محليّا، يقدر النقص في استشاريي العناية الحرجة بحوالي 70% في المدن الرئيسية، ويتجاوز إلى حوالي 95% في المدن الطرفية والمناطق النائية.
ويبدر التساؤل البدهي: لماذا هذا العجز الكبير، وهذا العزوف من الأطقم الطبية للالتحاق في هذا التخصص الدقيق الذي من أهم أسبابه الضغوط النفسية والعملية الكبيرة لهذا التخصص، ومعايشة آلام الناس وعوائلهم بشكل يومي؟!
يتطلب من طبيب العناية المركزة العمل في مناوبات داخل المستشفى تمتد 24 ساعة، والتعامل طوال الوقت مع حالات شديدة الخطورة، واحتمال فقدان المريض في أي وقت. على طبيب العناية المركزة الاهتمام بمريضه وبعائلته القلقة، ومن أجل ذلك فعليه العمل حتى في إجازات نهاية الأسبوع والأعياد وغيرها.
بسبب هذا العمل الشاق، يكون العمر الافتراضي لطبيب العناية الحرجة أقل من غيره من الأطباء.
وطنيّا، نستطيع الاستفادة من التجارب العالمية لتحسين جودة الأداء وتطوير الخدمة بشكل يلائم التطور التقني والعلمي، ومن هذه المقترحات:
-1تطبيق ما يسمى «العناية المركزة عن بعد» Tele-ICU لإدارة العنايات المركزة في المناطق الطرفية وفي بعض المستشفيات بالمدن الرئيسية التي تخلو من وجود استشاريي العناية الحرجة
-2 ربط وحدات العناية المركزة مناطقيا بمركز موحد للإشراف «غرفة قيادة وتحكم»، بحيث يتحكم هذا المركز في إدارة شؤون المرضى الطبية، ونقل المرضى بين المنشآت وتوفير التخصصات الطبية النادرة
-3 يقوم مركز القيادة والتحكم الطبي بمراقبة معايير الجودة الطبية، ثم المقارنة بين الوحدات وحل الخلل
-4 التشارك المهني بين العنايات المركزة في المنطقة نفسها بتغطية العجز الطارئ في الأطباء أو الطاقم الفني أو التمريضي
 -5 إلزام المستشفيات باستحداث ما يسمى فريق التدخل السريعRapid ) Response Team (RRT، وقد أثبتت الأبحاث العالمية أن هذا الفريق يقلل من حالات توقف القلب المفاجئ لمدى المرضى المنومين في المستشفيات «code blue» إلى أكثر من 60%
 6 - تنمية وتطوير برامج التدريب لأطباء العناية الحرجة لملء الفراغ الكبير والاحتياج المهول لهذا التخصص النادر
 7 - التعليم الطبي المستمر للطاقم التمريضي والفني وأخصائيي الجهاز التنفسي، فهم العماد الأساسي لإنقاذ المرضى، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.
جعل الله الأجر والغفران لكل من أنقذ روحا من الموت، «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً».

عوض العمري        2017-08-02 10:51 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • مقالة معبرة وتحمل حلولا ايجابية وتطوير لاقسام العناية المركزة. مزبد من الابداع في مقالاتك دكنورة عوص ونفتخر بك كطببب وصحفي يملك حس ادبي رشيق عطية محمد عقيلان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال