الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

شعب الله المختار

سأتحدث اليوم عن فئة معينة من المجتمع ظنت في نفسها كما ظنت بنو إسرائيل في أنفسهم بأنهم شعب الله المختار، وأن ما سواهم لا قيمة ولا وزن له في الحياة، وهم يناقضون أنفسهم بشكل عجيب، فتجدهم يتحدثون عن مساوئ التعصب والتحزب القبلي والفكري، ولكن يتعرى هذا التعصب داخل فكرهم المستتر، وتظهره بعض المواقف أو النقاشات، وهذا الفكر المقيت لا ينحصر في طبقة معينة من الغوغاء، بل يتعداه إلى بعض (أقول بعض وليس الكل) من طبقة المثقفين وحملة الدرجات العلمية أو بعض الطبقات المخملية ممن يظنون أن الشهادات والدرجات العلمية أو الحياة الأرستقراطية تمنحهم العلم والمعرفة والقدرة على إطلاق الأحكام والتصنيفات على فئات المجتمع، ويبقون سجناء لأفكارهم المظلمة وهم في الحقيقة لم يعرفوا طعم الحرية، تلك الحرية الداخلية التي تجعل المرء يتعايش في سلام مع مجتمعه وكافة طبقات المجتمع التي تخالفه في الفكر والنسب والدين إلى آخر التصنيفات التي لا تنتهي، تلك الحرية التي يصفها المفكر والمؤلف الفرنسي صاحب الرواية الشهيرة (البؤساء) فيكتور هوغو فيقول «إن الحرية تبدأ حيث ينتهي الجهل».
وحين أرى تلك التصنيفات والحروب الفكرية التي ابتلي بها مجتمعنا وامتلأت بها شاشاتنا وبرامجنا الحوارية، وشغلته عن الاجتماع على كلمة واحدة تحت راية الوطن، وأصبحت عبارات مثل قبيلي –حضري - جنوبي – شمالي – شرقي – حجازي – نجدي - ديني -ليبرالي -علماني إلخ... التصنيفات التي لا حصر لها، والتي أصبحت معيارا أساسيا لدى الكثير منا، وأول ما يود معرفته عن الشخص الذي أمامه ليتحدد بناء عليها مقدار المحبة أو الكراهية المسبقة والثقة أو التخوين.
وهذه التصنيفات لم يسلم منها أحد، والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد شاهد الكثير منا حلقة من برنامج الإعلامي علي العلياني في شهر رمضان الماضي حين استضاف نجم اليوتيوب بدر صالح، والذي تحدث بها عن معاناته مع التعصب ومعايرته بجنسيته اليمنية، وكذلك شاهدنا ما حصل للشيخ صالح المغامسي حين أفتى بإسلام من يقول الشهادة سواء كان سنيا أم شيعيا، وبالرغم من أنه أوضح لاحقا مقصده وتفصيله بشأن ذلك وأورد الأدلة من الكتاب والسنة إلا أنه لم يسلم من هذا التعصب الأعمى وكم الهجوم الذي واجهه، والذي أفضى بالبعض إلى التشكيك في إيمانه وعلمه بالرغم من أنه أحد تلامذة الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله.
وأختم بما حدث لأمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل حين أمر سموه بسعودة حلقات تحفيظ القرآن، فهاجمه هؤلاء المتعصبون وأعطوا لأنفسهم الحق بالتأويل واستقراء ما في الصدور، واتهموه والعياذ بالله بكره حلقات التحفيظ والكثير الكثير مما أترفع عن ذكره في هذا المقال ويترفع عنه ابن الفيصل، وها هو سمو الأمير لا يفتأ يرعى الحفلات السنوية لتحفيظ القرآن في مكة وجدة ومختلف المدن، بل وينوب عن خادم الحرمين الشريفين حفظه الله قبل عامين مضيا في تكريم الفائزين بمسابقة الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ الدولية للقرآن الكريم.
إننا بحاجة للتمعن في كيفية محاربة هذا الفكر واجتثاثه من جذوره، فهو من أهم مسببات تعطيل التنمية في الوطن، بدءا من إعلامنا وصحفنا ورجال العلم والدين والفكر، وانتهاء بمزايين الإبل وثورة ما يسمى بالشيلات الغنائية، والتي لم تسهم إلا في استمراء هذا الفكر والسلوك، وأن نعي جيدا أن بلدا مثل الولايات المتحدة لم يسطع نجمها وتتزعم العالم إلا حين بدأت بمحاربة هذا الفكر والذي مازال موجودا بها، ولكنها قطعت شوطا طويلا في محاربته، وأنها لم ترتق سلم القوة والنجاح إلا بأبنائها المهاجرين من مختلف الطبقات مثل البرت اينشتاين الألماني مخترع القنبلة الذرية ونظرية النسبية، التي فتحت الآفاق في ميكانيكا الكم وعلوم الفضاء، ومثل حاكم ولاية كاليفورنيا الممثل أرنولد شوارتزنيغر الألماني الأصل، ولاعب التنس أندريه أغاسي ذي الأصول الأرمينية، والعديد العديد من الأمثلة.
وأختم بما قاله شاعر دمشق الجريحة نزار قباني «خلاصة القضية توجز في عبارة ** لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية».

ربيع زيادي        2017-08-03 11:27 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • فعلا الهجوم على المغامسي كان جارحا وبدر صالح مسكين يعايروه بالتسفير من البلد متى نستفيق ياناس أحمد

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال