الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

صندوق النفقة صون للأسرة

قضايا المجتمع تسير جنبا إلى جنب مع القضايا السياسية والاقتصادية، وأنه إذا كانت الحكومة تسعى إلى تطوير الاقتصاد واستحداث مصادر دخل إضافية غير تقليدية، فإن قضايا المجتمع وهموم المواطن تجدان نفس الاهتمام

خطوة جديدة تخطوها المملكة في سبيل دعم شرائح المجتمع الأكثر ضعفا، ومساندة المرأة، وتأمين الحياة الكريمة لها ولأبنائها، بإقرار صندوق النفقة الذي يتولى الصرف على المطلقات وأطفالهن. وهي خطوة تشير إلى حقيقة واضحة، هي توجه القيادة إلى توفير الدعم لكافة شرائح النساء، ومساعدتهن للتغلب على المشكلات والصعاب التي يواجهنها، فبعد أن تم إنصاف المرأة ومنحها حق التمثيل في مجلس الشورى والمجالس البلدية، وأعفيت من شرط الحصول على موافقة ولي الأمر، ها هي مسيرة الدعم تشمل المطلقات اللائي امتنع أزواجهن عن الإنفاق عليهن وعلى أبنائهن، مما يؤكد إنصاف المرأة، بغض النظر عن مستواها التعليمي أو توجهها العملي.
وتكتسب تلك الخطوة أهمية بالغة، فقد شاهدنا في المحاكم كيف أن بعض الأزواج يحاولون استغلال قضية النفقة كورقة ضغط، للي أذرع المطلقات، وإرغامهن على تقديم تنازلات مؤلمة، من بينها التنازل عن حق الحضانة، الذي هو حق أصيل للأمهات، لاسيما في السنوات الأولى من عمر الأطفال. كما يلجأ البعض إلى التسويف والامتناع عن تسديد النفقة، رغم صدور أحكام قضائية بذلك، مما يدفع المطلقات للجوء إلى المحاكم، وحتى الوصول إلى حل لتلك المشكلة يضطررن إلى الانتظار لشهور طويلة وربما سنوات، حتى ترق قلوب أزواجهن السابقين ويقبلوا بتسديد النفقة، وفي خلال فترة الانتظار الطويلة تكابد النساء صعوبات طويلة، مما يدفع البعض منهن، خاصة من لا يملك ذووها القدرة على مد يد العون لها إلى العمل في مهن شاقة لساعات طويلة، وربما يضطررن إلى طرق أبواب الجمعيات الخيرية أو حتى التسول، للحصول على ما يوفر الحد الأدنى من متطلبات أبنائهن. كما أن كثيرا من الأطفال دفعوا إلى التوقف عن الدراسة، والانخراط في مهن هامشية لتوفير لقمة العيش.
صندوق النفقة هو إشارة واضحة، تؤكد أن كافة شرائح المجتمع، لاسيما الأكثر فقرا واحتياجا في مقدمة أولويات حكومتنا، سعيا وراء الاستقرار الأسري لجميع أبناء المجتمع، ووقوفا إلى جانب الفئات الأكثر ضعفا، وتوفيرا للحماية الاجتماعية للأسر، وصونا لعرض المطلقات وكرامتهن، وحماية لأبنائهن، وقبل كل هذا وذاك وقوفا إلى جانب الضعيف، ونصرة له من القوي، حتى تؤخذ منه الحقوق القانونية التي أقرها الشرع الحنيف. كما أن القرار احتوى على إشارة في غاية الأهمية هي أنه يختص بإنصاف من صدر له حكم قضائي لم ينفذ لغير عذر الإعسار، مما يشير بوضوح إلى أن أبناء وزوجة المعسرين من الأزواج الذين ربما لا يملكون القدرة على تسديد قيمة النفقة سوف يتسلمون مستحقاتهم من الصندوق، وفي نفس الوقت لن يكون المعسرون ملزمين بتسديد قيمتها، وهذه ناحية إنسانية بالغة الأهمية. كما ضمن القرار المرونة الكافية لوزير العدل وأعضاء الصندوق، عندما منحهم الحق في صرف النفقة لمن يرون أنه محتاج لها، إضافة إلى إمكانية قبول التبرعات والمنح والهبات والوصايا، بما لا يخالف الأنظمة والتعليمات، وهو ما يعني توفر ميزانيات كافية للصندوق، لخدمة أكبر عدد ممكن من الحالات الإنسانية التي تستحق الدعم، وعدم الاعتماد فقط في ذلك الصدد على الدعم الحكومي. كذلك فإن وجود ثلاثة أعضاء من ممثلي القطاع الخاص في مجلس إدارة الصندوق يضمن عدم البيروقراطية والروتين، وسرعة مد يد العون للفئات المحتاجة.
من الأهداف الإضافية التي يحققها القرار تقليل نسبة الطلاق المرتفعة في المجتمع، فإذا كان بعض الآباء يعتقدون في السابق أن بإمكانهم تطليق زوجاتهم، وهجر أبنائهم، دون أن تترتب عليهم أي نتائج أو آثار، فإن هؤلاء سيكونون مضطرين إلى التفكير ألف مرة قبل الإقدام على مثل تلك الخطوة، لأنه لن يعود بإمكانهم ممارسة التسويف والمماطلة والهروب من تحمل المسؤوليات التي كانوا يمارسونها في السابق، فقد بات هناك من يتولى مهمة ملاحقتهم وإرغامهم على تسديد نفقات أزواجهم وأبنائهم.
كذلك يحمل القرار جانبا إيجابيا آخر، هو تخفيف الضغط الواقع على المحاكم والجهات الأمنية الأخرى، حيث كانت المطلقات يلجأن إلى القضاء للحصول على حكم بالنفقة من أزواجهن، وبعد صدور الحكم والصك الشرعي تجد المطلقة نفسها مضطرة إلى العودة مرات عديدة إلى المحكمة لإرغام الزوج على تنفيذ القرار وتسديد النفقة، ومع تعمد البعض المماطلة والغياب عن جلسات المحاكمات، ربما يصل الأمر إلى طلب ضبطه وإحضاره بالقوة الجبرية، وكل هذه الإجراءات تسبب إشغالا غير مبرر للقضاة، مما يتسبب في تأخير وتيرة العمل، وتكدس القضايا أمام منصات المحاكم.
نظرة بسيطة لأرقام المستفيدين من الصندوق، تؤكد الحاجة الملحة لهذا الصندوق، فقد أوضحت إحصاءات رسمية أن عدد المستفيدين يتجاوز 208 آلاف مطلقة وطفل، حيث بلغ عدد قضايا التهرب من تسديد النفقة في المحاكم خلال السنوات الأربع الماضية 52 ألف قضية، إضافة إلى وجود حوالي 156 ألف طفل مستفيد، على اعتبار ثلاثة أطفال كمتوسط للأسرة الواحدة. وهذه الأعداد الكبيرة كانت تواجه خطر الجوع والتشرد، بسبب تهرب بعض الآباء، لذلك فإن القرار يعتبر كذلك من أكبر الأدوات لمحاربة الفاقد التربوي بسبب تسرب الأطفال من المدارس، بحثا عن فرص عمل هامشية.
بقي القول إنه إضافة إلى ما تقدم من أهمية ومزايا القرار، ودعمه للمرأة والطفل، وتحقيق التوازن الاجتماعي والاستقرار الأسري، فإنه يشير أيضا إلى حقيقة واضحة، مفادها أن قضايا المجتمع تسير جنبا إلى جنب مع القضايا السياسية والاقتصادية، وأنه إذا كانت الحكومة تسعى بصورة حثيثة إلى تطوير الاقتصاد واستحداث مصادر دخل إضافية غير تقليدية إلى جانب النفط، واستحداث فرص عمل جديدة، وهذا مسعى حميد بكل تأكيد، فإن قضايا المجتمع وهموم المواطن تجدان نفس الاهتمام، في مؤشر جديد على أن خطة التحول الوطني تعنى بالإنسان السعودي في المقام الأول، على اعتبار أنه أكثر مصادر الثروة أهمية، وأجدرها بالعناية والاهتمام.
 

هادي اليامي        2017-08-15 1:20 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال