الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

لا تشرق الشمس في كهف

من المحزن أن يكون فينا سذج يبتاعون من الزيت والماء بأضعاف سعره لأن من يبيعه عليهم على هيئة شيخٍ ينفث فيهما، ويتسابقون لسؤال مفسر الأحلام عما يرونه في المنام

كان متعلقاً بالجهاد في سبيل الله في بداية شبابه، ولم يكن يرغب في الدنيا، وتعلقه ارتكز على الآخرة، ولا أظنه كان متعلقاً بالجهاد نفسه أكثر من كونه متعلقاً بالشهادة التي ينال عن طريقها الحور العين، فمرحلة المراهقة حرجة، جل أماني المراهق فيها تتمحور حول الرومنسية.
كان مع أمه يشاهد التلفاز، وهو في آخر سنوات دراسته الثانوية، وقد خرج شاب في التلفاز يلقي وصيته الأخيرة، ونفذ عملية انتحارية بعدها فانتحر أو استشهد أو قُتل، كل المصطلحات هنا تتشابه، فتمنى أن يكون ذاك الشاب، والعجيب أنه اكتشف بعدها أن ذاك الشاب لم يكن أساساً من أهل السنة.
بدأت حياته بعدها بالتغير، حفظ القرآن، وأكمل دراسة الشريعة، وأصبح إماماً للمصلين، وواعظاً للمستمعين، ومحدثاً على المهتمين، فلا يقدم للإمامة غيره، ولا يسأل عن الدين إلا هو، وتفتح له الأبواب، ويقدم في صدر المجالس رغم صغر سنه حينها. كان تقديم الناس ومدحهم له يزعجانه، ويفرحانه في نفس الوقت، فخوفه من الرياء اختلط مع تعلقه بالسمعة.
قرر السفر لإكمال دراسته في الخارج، وتعلم فن اللغة، وأصبحت أكثر قراءاته في الكتب التي لا علاقة لها بالعربية، وتبدلت أفكاره، وأصبح ينظر إلى الدنيا بشكل مختلف، وبطريقة لم يعهدها من قبل، وكأنه كان في كهف مظلم طوال تلك السنين، وبعد أن بدأ بقراءات الكتب التي كان قد منع منها خرج من الكهف المظلم، وتجلت له الشمس بنورها العظيم.
كان يتخيل أحياناً لو أنه لم يتعلم اللغة، ولم يقرأ تلك الكتب، ولم يخالط الثقافات، ولم يطلع على الحضارات، ولم يواكب آخر ما توصل له العلماء من علومٍ، واختراعات، ماذا ستكون حاله؟ أعتقد أنه في أفضل الحالات سيظل جاهلاً، مستبداً برأيه متحاملاً على كل من يخالف طريقته المثلى، مؤمنٌ بنظرية المؤامرة، مناصرٌ لمن يقطعون الرقاب، ويرهبون الناس.
تمنى حينها لو يبتعث كل من في وطنه للدراسة في الخارج، ويفرض تعلم اللغة على جميع الناس، ويجبر الناس على قراءة الكتب التي تم تحذيرهم منها قبل الحكم المسبق عليها، ففي اعتقاده أن الفكر عندنا يحتاج إلى إعادة هيكلة، وإعادة تأهيل، وجلسات كهربائية مكثفة، وفي ظنه أننا لن نستيقظ جميعاً لو طبقنا هذا كله، ولكنه على أمل أن تستيقظ الأجيال القادمة.
هو على يقين بأن الإسلام بريء من كل هذه الأفكار التي أوجدوها، ومن كل هذه الأفعال الوحشية التي ألصقت به، فالمتهم في اعتقاده هم من روجوا لهذه الأفكار والأفعال لأغراض نابعة من النقص الذي اعتلى بعض العقول التي تنظر إلى الدنيا بنظرة مبنية على مصالح شخصية، وبعين قاصرة غير منطقية، وبقلوبٌ تعتريها الكراهية.
تذكرون ذاك الذي يقدم للإمامة، ولا يُسأل عن الدين إلا هو، وتفتح له الأبواب، ويقدم في صدر المجالس؛ سقط ملكه، وذهب سلطانه، وتخلى بإرادته عن عرشه.
من المحزن أن تكون المظاهر هي من تحكمنا، وأن يكون بائعوا الدين بالدنيا وباطلها هم من يتصدرون مجالسنا، وأن يتكلم في أمور الدنيا من لا يفقه إلا في أقوال الفقهاء رغم وجود المختصين كلٌ حسب تخصصه، وأن تكون العواطف هي التي تحكم، وتتحكم في قراراتنا.
ومن المحزن أيضا أن يكون فينا سذج يبتاعون من الزيت والماء بأضعاف سعره لأن من يبيعه عليهم على هيئة شيخٍ ينفث فيهما، ويتسابقون لسؤال مفسر الأحلام عما يرونه في المنام ظناً منهم أنه يعلم حقيقة ما تحمله لهم الأيام، أو ما يجب عليهم فعله بناءً على الأحلام.
 

مشاري الشلهوب        2017-08-25 12:18 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 11 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • ..قرر "رامي " السفر خلسة ..ونجح باقتدار وببراعة، وعندما وصل استقبله "أبو غضاره " بكل ترحيب وحفاوة ،كان ذلك على مشارف (الموصل)...!! احمد سليمان
  • ...وفي -الديرة- وفجأة2 ..مات حمد في حادث،ظل "رامي" عند أعمامه،حاولت الأم إعادته إلى هيوستن ولم تتمكن،وظل رامي فى -كنف - أعمامه سنين،بعد حين قرر السفر... احمد سليمان
  • قصة:تزوج حمد امريكية،وانجبا عادل ورامي،قرروا إجازة في الديرة،..وفجأة مرض عادل وقررت الأم البقاء معه ليتعالج،سافر حمد وابنه رامي ،لاحقا سيلتحق بهما الزوجة وعادل... احمد سليمان
  • حقيقة: سيلان الدماء باستمرار يورث انعدام الحس بالحياة، وانعدام (القانون ) يحفّز العنف، وهذا ما قام به (الغرب) قدسوا (القانون ) فاحترم الناس الحياة وعشقوها! احمد سليمان
  • س : هل ذكاء -دعاة الصحوة- فوق العادة وبالتالي أقنعوا (عقول)الشباب بالجهاد/الانتحار ..أم إن بعض الناس لا عقل لهم ..خلقه! احمد سليمان
  • قصّه:محل في الدمام/العدامة،لبيع -العجوات- والبخور وماء زمزم ،ويبيع (ماء مقروء عليه)،سألت البائع البنقالى:أي شيخ قرأ عليه -الشيخ أحمد... او الشيخ عبدالله،فقال:هذا مشروك لذا هو غالي!! احمد سليمان
  • السؤال: لماذا هذا الإقبال الكبير على شراء القوم -للوهم - هل هو نتيجة-جينات- او موروث متراكم عبر القرون،أم هروب من الواقع..حيث القطار قد رحل! احمد سليمان
  • كيميائيا - تفشى هذا العشق للدجل عند القوم..هل هذا يعني تراكم صدأ العقول لدرجة العيش في الوهم و الخيال البائس، رغم هذا التطور في العلوم الغير مسبوق! احمد سليمان
  • فيزيائيا ..(يعني علميا) ثبت انتشار(الغفالة) بين الناس العرب، بشكل وبائي والدليل(العلمي )عشق الموت،ملايين كتب تفسير الأحلام،آلاف الرقاة والدعاة بكل الموديلات ! احمد سليمان
  • (القانون لا يحمي المغفلين )..مقولة خادعة غير صحيحة أبدا ، طبعا في الشرق العربي،حيث لا وجود لشىء اسمه -قانون-في لندن وبرلين..نعم لذا هو متغلغل و-المغفلون-..قليلوا..! احمد سليمان
  • رائع ..رائع.. ما ذكره الأستاذ الكريم، هي قصّة واقعية مرّة ، حدثت للكثير من شبابنا، بعضهم وجد الحقيقة الساطعة وسار على درب الحياة ،ومنهم تناثر عقله وجسده..أشلاء, احمد سليمان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال