الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

بصراحة

أرسلت لي إحدى العزيزات رابطًا لحسابها على تطبيق صراحة، مع إشارة لطيفة تتصدر الرسالة قالت فيها «أعطيني رأيك الصريح فيني ولتكن رسالتك بنّاءة».
وفكرة هذا التطبيق الذي شاع استخدامه مؤخرا وحقق أرقاما فلكية في عدد مرات التحميل لمن لا يعرفه تتلخص
في إنشاء الشخص لحساب خاص يتلقى من خلاله رسائل مجهولة المرسل، تخبر صاحب الحساب برأي المرسل فيه. تم تطوير هذا الحساب أصلا للمجتمعات الوظيفية ويهدف لمنح الموظف تقييم من حوله بلا اسم منعًا لإيغار الصدور وحفظًا للعلاقات المهنية، لكنه انتشر بشكل كبير جدًا بين المستخدمين وتعدى الفئة المستهدفة لغيرها ممن يستخدمونه بشكل شخصي.
لن أتحدث هنا عما قيل مؤخرًا عن وصول هذا التطبيق لكل بيانات ومعلومات مستخدميه بمجرد تحميله على الجهاز، بل أريد أن أسلّط الضوء على ما يقوله إقبالنا على هذا التطبيق عنّا.
إذا كان أحدنا هو مركز هذا التطبيق فالبشر من حوله يتحلقون في دائرة، بعضهم فعليا قريب بحكم الروابط العائلية أو الزمالة أو الصداقة والآخر بعيد بنفس القياس! لماذا نمنح القريب والبعيد نفس الفرصة في الحكم علينا؟ ‏هل هانت علينا أنفسنا لدرجة الالتفات لكل رأي؟ وهل تداخلت علاقاتنا لدرجة منح البعيد مكان القريب؟ إذا منحنا
رأي شخص من دائرة بعيدة أهمية أكثر مما يجب فإننا بالمقابل قد نهمل رأيًا لقريب لا يجدر بنا إهماله فالقريب عادةً يخبرك بما لا تريد سماعه.
هل نعتقد فعلا أن الآخرين يقرؤوننا بوضوح أكثر من أنفسنا؟ أو يتملكنا الفضول لرؤية أنفسنا من منظور الآخرين؟ لماذا نحتاج لصراحة مقنعة؟ ولماذا نضطر لإيصال آرائنا في الآخرين لهم من خلال حساب مجهول؟ سواءً أكانت هذه الآراء مهنية أو شخصية؟ الرأي لن يخرج عن كونه ثناء أو ذماً؛ في كلتا الحالتين سيعرف الشخص أهمية ما يقوم به، وأننا نلاحظ حسناته كما نلاحظ تقصيره! هل سأل مستخدم هذا التطبيق نفسه «و‏لماذا أحتاج لرأي لا أعرف صاحبه؟» إذ لن يتحرج شخص يحترمك ويقدرك من إبداء رأيه فيك بطريقة لا تجرحك أو تحرجك أو تغرر بك! ولو حصل فالخلل هنا مشترك! ومع خوف غالبيتنا من المصارحة إلا أن من يستخدم هذا التطبيق يعرِّض نفسه لخربشات الغرباء، ‏ويتقبل وسمه بالملصقات؛ في صراحة أنت اللوحة وكل عابرٍ يَسِمُكَ بما أراد! هل تعتقد أن ما يقال هناك لا يضرك؟ كل عبارة يسمعها الإنسان تترك أثرها في نفسه حتى لو كان قائلها غريبًا عنه، وتابع إن شئت تجربةً نفسية نقلها أحدهم في اليوتيوب عن تعابير البشر عند سماعهم لكلمة ثناء من غريب!
 إذن ما الذي يخبرنا به هذا التطبيق عن أنفسنا؟ في رأيي أن هذا التطبيق راج بيننا لأننا نميل للأقنعة، نفشل في التفريق بين رأينا في شخص ما ورأينا فيما يقدّمه. كما أننا نشخصن الآراء، لا نقبل أن يقول لنا أحدهم رأيه فينا مهما كان صادقًا، ربما إيمانًا منّا بأننا فوق الانتقاد وأننا يجب أن نمتدح حتى على شرف المحاولة ومهما خالفت النتائج طموحاتنا.
لذلك أقول وبصراحة، ولنفسي أولا، لكي يحصل النمو المطلوب لأي شخص منا علينا أن نتقبل آراء من حولنا ونفصل الرأي عن صاحبه، علينا ألا ننشغل بالأشخاص، بل بالأفكار التي يقدمونها لنا. علينا كذلك أن نفرح بمن يهدي إلينا عيوبنا، فالمرء قيد التصحيح ما دام حيًا ومنتجًا! لنعمل على تجويد أنفسنا ومنجزاتنا لأن كل دور نقوم به مهم وجوهري مهما تصورناه صغيرًا في هذا العالم.

نادية الشهراني        2017-09-13 11:49 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال