الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

يوم درست بلا كتب بلا مناهج

تظل بدايات الأسابيع الأولى من سنتي الخامسة الابتدائية واحدة من أجمل إطلالات أعوامي الدراسية الطويلة. السبب بسيط جداً: تأخرت وزارة المعارف يومذاك في توزيع الكتب المدرسية لما يقرب الشهرين، وكنا نذهب للمدرسة كل تلك الفترة بلا مناهج. ساهم في اكتمال البهجة المدرسية لذلك العام أن وصلت إلى مدارس قرانا بشائر وطلائع المعلمين من الشقيقة مصر، بكل ما عرف عن الإنسان المصري من الدفء والرحمة بعد سنوات خلت مع طبائع معلمي دول الشام، الذين كانوا يبثون الرعب في مدارسنا ويتناوبون المنافسة على القسوة الموحشة. من هو الذي لا ينسى في مدارس محافظتنا أسماء «رمزي وبرهان» سامحهما الله وغفر لهما وأطال في عمريهما إن لازالا معنا على قيد الحياة.
نعود إلى العنوان، كانت المدرسة رائعة مبهجة بلا كتب وخريطة مناهج. كان أساتذتنا المصريون يتسابقون إلى خيالات الإبداع لملء الفراغ. كان المتولي زكي سعيد يقرأ علينا كل يوم بضعة أبيات من قصيدة «أبا الزهراء قد جاوزت قدري» ثم يشرحها ويطلب منا المشاركة في بناء الإعراب وسبك القواعد. لم يكن في حياتنا ولا ردهات مدرستنا متطرف صحوي لينهره عن اختيار قصيدة اشتهرت بتداولها في مجالس المتصوفة. كان محمود عبدالرحمن يتلو علينا ما شاء لحنجرته الخرافية، وظل لأيام طويلة يأخذنا إلى خيالات قصة أصحاب الكهف. كنا نتفاعل معه. بروحانية استثنائية وكأنهم كانوا نياماً في كهف وادي «المقطر» بجوار ذات المدرسة. كان يعقوب مغرماً بجدول الضرب، وفي غياب كتاب الحساب الشهير، كان يجري بيننا المسابقة في ضرب الأعداد حتى وصلنا للعدد الرباعي في بضعة أيام. هذا ما لا يستطيعه طلاب الرياضيات اليوم في الجامعة. في غياب الكتب والمناهج كان المعلمون يأخذون كل الفصول إلى فسحة طويلة في أول دوري كرة قدم عرفته في حياتي.
اليوم يتحدث معالي الوزير عن ساعة نشاط لفصل خلدون المكتظ بخمسة وأربعين طالبا يلعبون الكرة في ملعب للسلة.
والخلاصة أن تلك الأسابيع كانت منهجاً مفتوحاً لإبداع المعلم وخيال الطالب. قضيت شخصياً من عمري ثلاثين سنة متصلة على مقاعد الدراسة وها أنذا أكتب لكم ذكريات مجرد أسابيع منها لأنها لازالت تحتل الأجمل في الذاكرة. انتهت تلك الأسابيع بالصدمة الفاجعة عندما زارتنا سيارة نقل حمراء رمت بكيسين من الكتب عند باب المدرسة، كان مدير المدرسة يوزعها علينا وكنا نقبض عليها مثلما تقبض على رؤوس الثعابين. ودعنا ذلك اليوم مستقبلين مرحلة جديدة وكأن لساني يقول لها: لا إكراه في التعليم.

علي سعد الموسى        2017-09-18 1:01 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 5 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • أني اجرب الفنيلة وأساسا ما أحب اطلع دايم مذاكره،وش عرفني بالحارة بيوت للإيجار ، كان المدرس رعب من جد ، واحد بحارتنا توه متعلم سواقه شاف المدرس وقامت تنتع السيارة متعب الزبيلي
  • ومن بكرة بالصف انتظر متى يجي المعلم،جاء وقال ولا متعب ، وقفت وبقيت أدقها عبريه،قال بدّي أسئل شو في حارتكن بيت للإيجار وانت يابني هربت،قلت قسم استاد متعب الزبيلي
  • 2000 من زود السرعة بالعفرته ضبطت السرعة ودخلت البيت،وعلى طول واطلع كتاب الجغرافياء(ويحد المملكة من الجنوب وووو) والوالدة وباقي الاسرة مستغربين،قلت العلم نور متعب الزبيلي
  • كنت في أحد الأيام للتو شاري فنيلة رقم 9 النصر،والسروال سروال السنة،واطقطق بالحارة،والتفت الا إستاد....يمشي وافرك وهو ينادي ولا متعب بدياك واتجه البيت امشي متعب الزبيلي
  • يا رجل المدرس شديد والأب أشد (لم اقل يبه في حياتي) ولكن كنت أشاهد البعض يقوله ابنه ضربني المعلم (يلتفت نحوه ويتناوله مخمس) وكاد انك مخطئ ،وين مانروح طق في طق متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال