الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

مناقشة وتقييم النظام الجديد للجامعات

نأمل في مشروع التحديث لنظام الجامعات تمكين المرأة المؤهلة من تقلد المناصب القيادية أسوة بشريكها الرجل، بما يسهم في صياغة القرارات والسياسات والاستراتيجيات

‏في مبادرة تفاعلية وإيجابية هامة من وزارة التعليم تم إطلاق مشروع نظام الجامعات الجديد، والذي تم طرحه مرفقا باستفتاء موجه لمن يعنيهم الأمر من الأكاديميين والمهتمين بالشأن التعليمي والجامعي بصفة خاصة، وذلك حول مدى جودته وتغطيته لكافة متطلبات التحديث للنظام، سواء في هيكله المؤسسي والإداري، أو ما يتعلق منه بالكادر البشري والمرتبط بأعضاء هيئة التدريس الذين يمثلون القاعدة الأساسية التي تستند عليها الجامعات في جميع منظومتها التعليمية والإدارية، وقد تزامنت المبادرة مع كثير من النقاش والأخبار والتحليلات حول واقع الجامعات في الوطن وما يحتويه نظامها الأكاديمي من أنظمة وإجراءات إدارية وأكاديمية تحتاج إلى مراقبة ورصد لواقعها الميداني، للوقوف على حجم الإنجازات التي تحققت فعليا على أرض الواقع الوطني، وما مدى مساهمتها في مسيرة التنمية الوطنية وتلبيتها لتطلعات المواطنين وحاجات المجتمع الذي تنتمي إليه لكونها تمثل المنصة التربوية والتعليمية التي تتحمل مسؤولية كفاءة الموارد البشرية في كافة قطاعات الدولة ومؤسساتها العامة والخاصة، والذي يتبلور في جودة مخرجاتها وتمكنهم من تحمل مسؤولياتهم الوطنية، هذا بالإضافة إلى أهمية رصد حجم الإخفاقات التي سجلها الواقع الميداني الوطني في ميدانه التطبيقي لمخرجات الجامعات، والتي كانت نتيجة لضعف وخلل في كثير من الآليات والإجراءات الإدارية والأكاديمية المفترض انتهاجها في مجمل منظومة الجامعات الوطنية؛ وعليه فإننا نأمل أن يكون الاستفتاء فعليا ويستهدف بشفافية ووضوح أهمية التحديث المؤسسي، والارتقاء الحقيقي بمستوى الجامعات وكفاءتها المرجوة بما يؤكد المصداقية واستشعار المسؤولية باستدراكها السلبيات والتجاوزات التي لحقت بتعليمنا الجامعي، حيث إنه لا يمكننا في مقال منفرد تفنيد ومناقشة كافة مضمون المشروع الذي تضمن تسعا وستين مادة في محتواه تفصيلا، إلا أننا ومن واقع اهتمامنا بالشأن التعليمي عامة والأكاديمي خاصة، ومن منطلق مسؤوليتنا الوطنية يمكننا حصر وتحديد أهم الإيجابيات التي تضمنها المشروع في نظامه الجديد، بالإضافة إلى أهم الجوانب التي تحتاج إعادة نظر ومراجعة من المسؤولين؛ ويمكن تحديد أهم الإيجابيات في:
‏ تأسيس مجلس لشؤون الجامعات وما يتبعه من أمانة عامة وأمين عام، بما يمثله المجلس والأمانة من وضع أساسيات السياسة التعليمية للجامعات واستراتيجياتها المطلوبة وفق رؤية الدولة وتطلعاتها وما يتضمن ذلك من تفصيلات، تمثل فيها الأمانة العامة الضابط المتابع لتنفيذ كافة السياسات والاستراتيجيات في مختلف الجامعات والتنسيق بينها.
‏ تأسيس مجلس الأمناء يعتبر استحداثا متميزا في البناء الهيكلي في إدارة الجامعات واعتباره المرجعية الأعلى في الجامعات، وترتكز أهميته في كونه يرتبط مباشرة بمجلس شؤون الجامعات وسياستها العليا، فيكون المجلس الجهة الرسمية «المفترض» المراقبة للواقع الميداني للجامعة وإدارتها، وهو مسؤول عن حفظ الأمانة التي أسندت إليه بعيدا عن المجاملة والتغطية لأخطاء الجامعة، أو مساندتها فيما لا يخدم المصلحة الوطنية العامة والتعليم الجامعي ومستهدفاته.
‏ تصنيف الجامعات بين تعليمية وبحثية وتطبيقية؛ لعله يعتبر من أحد أهم التحديثات في النظام الجامعي، وذلك مع احتفاظ كل جامعة بمسؤولياتها متكاملة من حيث التعليم والبحث العلمي والمسؤولية نحو المجتمع، بينما يكون التركيز والتوجه نحو ما تم تصنيف الجامعة فيه والذي يقتضي بطبيعة الحال الدعم لكل جامعة بناء على تصنيفها، وبذلك التصنيف والدعم سيكون الإنجاز والتميز والمنافسة الشريفة بين الجامعات بتصنيفاتها المتباينة.
‏ إشراك القطاع الخاص وذوي الخبرة في بعض المجالس العليا الواردة في النظام المستحدث، وفي ذلك إيجابية كبيرة لاستشعار المسؤولية الاجتماعية وتحملها نحو المجتمع ومقدراته من خلال المقاربة والتنسيق بين متطلبات المجتمع وحاجاته، وبين الجهود الأكاديمية المختلفة إداريا ومنهجيا، بما يثمر عن تعاون مشترك وفائدة متبادلة بين الطرفين تنعكس إيجابا على المجتمع بمختلف مؤسساته وكوادره البشرية.
‏ إتاحة الاستثمار والتشجيع عليه مع القطاع الخاص أو بصفة مستقلة، وذلك يعتبر استكمالا لمنهج التعاون مع القطاع الخاص وشرائح المجتمع المختلفة لتسهم بدورها في عملية البناء والاستثمار في مواردنا البشرية وتمكينها، ومما لا شك فيه أن توفير الدعم المادي والتمويل للجامعات من خلال الاستثمار سينعكس إيجابا على نشاطاتها وجهودها وبيئتها التعليمية، غير أن ذلك يحتاج إلى مراقبة وضبط شديدين، وتوجيه مدروس حتى لا يطغى الجانب التجاري على مسؤولية الجامعة كمنصة تعليمية عليا، وأن يكون ذلك خاضعا للمتابعة والمساءلة والحوكمة من الجهات المعنية.
‏ وضع معايير للجامعات الأهلية، وذلك هو الأساس والقاعدة التي يمكن من خلالها ضبط جودة مخرجات الجامعات الأهلية لتكون رافدا وداعما لمخرجاتنا الوطنية من الجامعات لتتحمل مسؤوليتها الوطنية في عملية البناء والتنمية، وذلك يحتاج إلى متابعة ومصداقية ومساءلة في كافة المعايير ومدى الالتزام بتنفيذها ومستوى جودتها.
‏أما الجوانب التي تحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر فهي:
‏ ضرورة أن يضم مجلس شؤون الجامعات كافة القطاعات المهمة في الدولة وليست المذكورة فقط في اللائحة، حيث تم إغفال مشاركة عدد من مسؤولي الوزارات المهمة في المجلس، كوزارة الصحة، والصناعة والتجارة، والزراعة، بل ومسؤولي المؤسسات الكبرى في القطاع الخاص والذين يشكلون في مجموعهم القاعدة التي تبنى عليها سياسات التعليم واستراتيجياته بما يتطلب مشاركتهم في وضع وصياغة السياسات، لأن تلك القطاعات جميعها هي من سيحتوي مخرجات الجامعات بكافة تخصصاتها وهي جديرة بأن تأخذ رؤاهم في الاعتبار لتحقيق الاتجاه الصحيح نحو جودة المخرجات ونفعها، وبما يخدم التوجه نحو تنويع القاعدة الاقتصادية في البلاد بما يتفق وموارد الدولة ومقدراتها.
‏ أهمية منح مجلس الأمناء المساحة الإدارية والقدرة التنفيذية لأداء مهامه، وإن وجود مدير الجامعة ضمنه سيقلل من مصداقيته وشفافيته، ويحتاج المجلس كذلك إلى مزيد من المهتمين ليس بالتعليم فقط، وإنما المهتمون بكافة جوانب التنمية وسوق العمل للمساهمة في رسم السياسات والاستراتيجيات في الاتجاه الصحيح لكل جامعة بما يخدم المجتمع وسوق العمل الوطني في كل منطقة ومحافظة.
‏ هناك تفاصيل لم تتضح في آلية التعاقد والتعيين لأعضاء هيئة التدريس، والتي تم حصرها بين مجلس الأمناء والأقسام من خلال رؤساء الأقسام ومجالسهم، وذلك على الرغم من تعقد هذا الملف وأهميته وكثرة الفساد فيه، والذي تم إلحاقه بتصريح يحدد الآلية وأنها ستكون بعقود سنوية متجددة تحت مظلة التأمينات الاجتماعية، وذلك أسوة بالجامعات العالمية، وعلى الرغم من أهمية الاستفادة من تلك الآليات المتبعة دوليا، خاصة من دول سابقة ومتقدمة في مجال التعليم، غير أن ذلك يتطلب الالتزام بكافة معايير العملية من الإجراءات والمصداقية والجودة والمساءلة والحوكمة.
‏ لا بد أن يخضع تعيين القيادات الإدارية، سواء على مستوى الكليات (العمداء ووكلاؤهم) أو الأقسام لعملية الترشيح والانتخاب من قبل أعضاء هيئة التدريس في الكليات والأقسام المختلفة (سريا)، وأن تكون هناك معايير متعددة ومتباينة، وأن تكون القرارات الصادرة تمثل فعليا النصاب المطلوب وحياده التام ومصداقيته، وبذلك يمكن الحد من الفساد وعدم الأمانة في استخدام صلاحيات العمداء ورؤساء الأقسام في الشؤون العلمية والتعليمية والإدارية والمالية، والذين كثيرا ما يجانبون الصواب في قراراتهم لأحقاد ومنافسة غير شريفة ومصالح مختلفة بين الأعضاء بما لا يخدم العملية التعليمية وجودتها، كما يجب أن تكون هناك آلية ميسرة لعضو هيئة التدريس للتظلم والشكوى لمجلس الأمناء في الجامعة مباشرة.
‏وفي الحقيقة أن مربط الفرس في التحديث والتغيير لنظام الجامعات هو؛ الجودة والشفافية والنزاهة في اختيار الأعضاء في جميع المجالس من القادرين والمؤهلين والمخلصين والثابت نشاطهم العلمي والمعرفي ميدانيا وليس ورقيا، وقد أثبتت التجربة أن الدرجات العلمية ليست مقياسا دائما في كثير من الأمور والقرارات الأكاديمية والمناصب، كما نأمل في مشروع التحديث لنظام الجامعات تمكين المرأة المواطنة المؤهلة من تقلد المناصب القيادية أسوة بشريكها الرجل، بما يسهم في صياغة القرارات والسياسات والاستراتيجيات في كافة المجالس من مجلس شؤون الجامعات وحتى رئاسة الأقسام، وبذلك نكون قد أجرينا نقلة نوعية حقيقية في ضبط التعليم الجامعي وجودة مخرجاته، وفي الاستفادة من مقدراتنا البشرية المؤهلة وتمكينها.
 

عبلة مرشد        2017-09-19 11:56 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال