الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الكتابة الأخيرة

ستقود المرأة منذ اليوم، فعن ماذا سيكتب أنصارها غداً؟ ربما سيشرحون لها أن اللون الأحمر يعني قف، سيشرحون مطولاً دون أن يستوعبوا أن الأحمر يدفعها إلى الغضب

تعريفي للكتابة أنها فعل مبني على القلق، حيث يحيط بها القلق من الجهات الأربع، فالتحضير للموضوع قلق، واختيار العنوان قلق، والانشغال بنحت الموضوع قلق، ثم تأتي مرحلة قلق انتظار رد فعل القُراء، فإن لم يرد منهم أحد فمرحباً بقلق البحث عن العلة، هذا بغض النظر عن قلق المشي على الحبلين والنط بين المعاني ثم التلاعب بالأوزان، فالجُمل في الأخير لابد أن تكون موزونة قدر المستطاع، ولوزنها لابد من تمطيطها من ناحية وتقليصها من أخرى، لابد من قصها ومن ثم تفصيلها على المقاس، إنها قلقٌ على قلق، فيها تتشابك العاطفة بالعقل فتغلب هذه تارة وذلك تارةً أخرى، وهكذا يبدأ صراعٌ على الحرف لا ينتهي.
إن الكتابة عملية مُرهقة لكنها محببة للنفس، فهي تسرق الكاتب من الحياة إلا أنه لا يكترث، إنها أشبه بعلاقة غرام عمادها الوجع إلا أن هذا الوجع يؤجج الولع أكثر فأكثر، إن الحرف هو ذلك الصديق التخيلي الذي يساعدني بلا ملل في عملية البحث عن المعنى، عن الغاية والهدف، يساعدني كي أفهم وأستوعب، إلا أن أعظم أدواره تتجلى في أنه أفضل من يُمضي بي هذا اليوم الذي لم يمض منذ شهور، فاليوم بات نسخة عن الأمس، كل الأحداث فيه قد حدثت من قبل، لقد كتبت مقالاً اليوم ثم اكتشفت أنني كنت قد كتبته بالأمس، والسبب ليس أنني بدأت في تكرار ما أقول كرجل مُسِن يشعر بالملل، إنما العلة أن لا جديد يُكتب عنه.
كل الأشياء في المجتمعات طافحة بالمعاني، كل ما يحدث هنا يُعبر عن ذاته بذاته فلا يحتاج إذًا للمزيد، أو ربما لا يحتاج أساساً للتعبير عنه، فسواء فهمنا أم لم نفهم فإن ما يحدث، يحدث وكأنه قدر، ولا يمكن تغيير القدر بمحاولات الفهم، أو ربما الوضع في المجتمع بات مستقراً، فلا جنون جديد يُكتب عنه، فآلة نسخ فتاوى التكفير تعطلت، والصحوة التي ملأت دنيا المجتمع بالوسوسة ماتت، والكتابة عن الميت حرام، لقد استقر الوضع أخيراً وعاد الهدوء، والهدوء يعني الرتابة والملل، ستقود المرأة منذ اليوم وكل يوم، فعن ماذا سيكتب أنصارها غداً؟ ربما سيشرحون لها أن اللون الأحمر يعني قف، سيشرحون هذا الأمر مطولاً دون أن يستوعبوا أن اللون الأحمر بالنسبة للمرأة يدفعها إلى الغضب، فما الحاجة حينها للكتابة لها إن كانت ستغضب في كل الأحوال، كل ما تغير هذه المرة أنها باتت تمتلك أداة قتل مؤمنة تأمينا شاملا.
واضح مما سبق أنني لم أحدد بالضبط ماذا أكتب في كتابتي الأخيرة، فالكتابة بالنسبة لي تعتبر بديلاً عن الانتحار، فكيف تُحدد بالضبط طريقة الانتحار الأخير؟ لا أدري، ربما الأفضل في هذه الحالة أن يأخذ القلم مجراه ليكون الكاتب مجرد تابع له، المشكلة هنا أن الانتحار حرام أما الكتابة فعليها رقيبٌ شديد، وهكذا يكون الموت موجهاً ملتزماً بالضوابط والثوابت والتوجهات، وقد قررت ألا أموت بهذه الطريقة بعد الآن، هذا كل ما في الأمر.
 

أمين طلال        2017-09-28 10:27 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 18 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • اقتباس"ربما الأفضل،في هذه الحالة،أن يأخذ القلم مجراه،ليكون الكاتب مجردتابعا له..)انتهى الاقتباس..هنا لاأتفق مع أخي الكاتب ولا أختلف..أترك الحكم للقاريء!ألهذا يقررالكاتب أن هذا آخر مقال؟ غرم الله قليل الغامدي
  • يوم أن أراد أحدهم البحث عن سبب لتركه الكتابة ، وصف الكتابة بالإنتحار وأعلن جهارا نهارا أن قيادة حواء للسيارة هو السبب # 1 . نودعك - سيدي (*) سلام من لو رحل // والباب يوسع جمل (*) غرم الله قليل الغامدي
  • لا أدري لماذا تذكرت قول الشاعر : (*) إذا ذهب "الحصان" بأم عمروٍ // فلا رجعت ولا رجع الحصان (*) [بتصرف] .. وفق الله ولي الأمر وهيئة كبار العلماء بأن أتاحوا لحواءاتنا قيادة سياراتهن .. غرم الله قليل الغامدي
  • كأن الكاتب يقول:لايجب أن تقود سعدى سيارتهابنفسها ! أو كأنه يقول:هزلت ! أو كأنه يقول:المجتمع غيرجاهز-وربما بعدقرنين يجهز أوكأنه يقول:إذاأردتموني أكتب لكم فلاتمكنوا أمهاتكم من السياقة. غرم الله قليل الغامدي
  • عنوان المقالة "الكتابة الأخيرة" يذكرنا بقصص الكاتب الأمريكي إدغار ألان بو Edgar Allan Poe وغيره (العشاء الأخير) ! غرم الله قليل الغامدي
  • يصل الموقف السلبي من المرأة عندالبعض إلى درجةقدتساوي "الحلفان بالطلاق"أن لايكتب أحدهم بعد اليوم..وكأن:صويلح وعصويد ومطشر وأنا سنبكي بكاءً مرا لخسارتنا كاتبا لا يقيم لحواء وزناً! غرم الله قليل الغامدي
  • يريدون حواء أن تسوق بدون اشارات المرور - ويتمنون لو لم يكن أمام حواء (علامة الوقوف - stop sign) لعل الله يأخذ وداعته .. غريب ! غرم الله قليل الغامدي
  • لسان حال البعض يقول ( سأنسحب من الحياة طالما "حتى" حواء أخذت حقها الطبيعي .. فأصبحت تسوق سيارتها بدون وجود السائق الأجنبي .. ) ! غرم الله قليل الغامدي
  • هل يريد الوالد أمين أن يقول"سأعتزل الكتابة منذاليوم" لأنه لايريد أن يختم حياته تحت عجلات"انثى"لديها تأميناً شاملاً على مركبتها ومركبة غيرها..له- له يا عم أمين!لماذاكل هذا الحمل على حواء؟ غرم الله قليل الغامدي
  • يقرر سيدي الكاتب من عندياته-رضي من رضي-وأبى من أبى-أن المرأة :اقتباس (باتت تمتلك أداة قتل مؤمنة تأمينا شاملا)انتهى الاقتباس..يستكثرون على الأنثى أن تأمن على سيارتها مثل الذكر! غرم الله قليل الغامدي
  • يتعجب الكاتب -حسب نظريته الخاصة به-والتي لايشاطره فيها الا هو من أن اللون الأحمر يغضب المرأةوليس الرجل..فلماذايضعوا "إشارة حمراء"أمام حواء_وكأنه يقول:دعوها تسوق بدون إشارات حمراء. غرم الله قليل الغامدي
  • اقتباس (ستقود المرأة منذ اليوم وكل يوم، فعن ماذا سيكتب "أنصارها" غداً ) ؟ ألجظوا مفردة "أنصارها".. يريد - هداه الله-التبرؤ من أن يكون نصيرا لجدته وأمه وخالته وعمته وأخته وإبنته،وحتى حماته. غرم الله قليل الغامدي
  • يحب الكاتب الفعل الكتابي لأنها تسرقه من الحياة - تصوروا يعلن أنه المسروق وليس السارق .. لأنه يحب أن يُسرق .. ويجد في ذلك متعة .. متعة القلق والإنسراق ، والتشريق والتغريب في آن. غرم الله قليل الغامدي
  • كيف يصنف الحرف ب"الصديق"إن كانت الكتابة"غير محببة للنفس" ؟ وإذا كانت الكتابة قلق يسبقها قلق ، ويتبعها قلق - بل هي قلق يأتي حتى من الجهات الفرعية ؟ هنا يصبح درب الكاتب "astray" .. غرم الله قليل الغامدي
  • إذا كانت الكتابة غير محببة للنفس فلماذا تكتب ؟ هل ليقال فلان كاتب ؟ أم أملا في الحصول على عائد تلوين الصفحات البيضاء بحبر القلق عند أحسن الاحتمالات ؟! غرم الله قليل الغامدي
  • لماذا تكتب إذاً إذا كانت "الكتابة" بديلا عن الإنتحار ؟ هل الانتحار فضيلة لتعبر عنه بالبديل ؟ منطق يحتوي على كل شيء عدا المنطق "زاته" كما يقول أهلنا في دار فور وحلايب ! غرم الله قليل الغامدي
  • مسكينة حواء - حتى على الموت لا تخلو من الحسد ! إن كتب عنها زوجها فجر في الخصومة ، وإن كتب عنها أخوها الأكبر مهد لأخذ إرثها من أبيها ، وإن كتب عنها ابنها أظهر تضجره وخجله منها . غرم الله قليل الغامدي
  • تشتت أفكار وتهيؤات مبعثرة ، ينقصها الترتيب ، ولا أزيد ! غرم الله قليل الغامدي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.