الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

مفاهيم سعودية جديدة

تغير المفاهيم يحدث لكل المجتمعات، حتى لو كان ارتداداً كالاتجاه إلى الطائفية، ولكن هناك مفاهيم تتقدم بالشعوب وفق حاجاتهم وظروفهم وتتغير وفقاً لذلك، ومجتمعنا يملك قابليات جيدة على التطور

التغيير يحدث لكل المجتمعات، وليس هناك مجتمع يصطفيه التغيير مهما عاش في أوهام الثبات، والرابحون هم من يتفاعلون مع حتمية التغيير بمرونة لحماية مكتسباتهم وأخلاقياتهم، وهي القاعدة العنيدة على فهم التيارات الدوغمائية.
فرنسا من أكثر المجتمعات انفتاحاً وحزماً مع مظاهر التدين في العالم، وقد كانت في أوربا قائداً للكهنوت الديني المتشدد والمنغلق، أما أميركا فهي اليوم أفضل تديناً وأكثر تفهماً للمظاهر الدينية مقارنة بفرنسا، وذلك لأن أميركا
لم تكن تعاني من تغول تجار الدين مقارنة بفرنسا.
القدرة على أخذ الدروس من المجتمعات يساعد على فهم إلى أين نمضي، وخاصة ونحن مجتمع حيوي لديه اتصال قوي بالعالم الخارجي، وهو ما ألقى بأثره مع غيره من عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية على تغير مفاهيمه وتطورها.
مجتمعنا جزء أساسي من ثقافة المجتمع الدولي، ولا يمكن لثقافتنا أن تستمر في النمو إلا من خلال إحداث حالة تناغم بين النموذج الدولي وبين ثوابتنا لكي نصبح أكثر تعددية وقابلية على التطور، ولكن من خلال محاور ثابتة، مثل المواطنة والانشغال بالتنمية الشاملة، فالثوابت إذا صارت مفرطة التجانس وإذا كان التمسك بها عنيدا صلباً على حساب الاستقرار ومستوى المعيشة أو على حساب التنمية الشاملة، فإن تلك الثوابت نفسها سوف تسقط بالكامل لنصبح تحت رحمة الآخرين، وليس هناك بدعة في قوانين التاريخ.
أكثر المفاهيم المتجددة بين السعوديين هو مفهوم (المواطنة) عبر صعود الوطنية ورسوخ مبدأ الدولة، والذي كان إلى حد ما تحت رحمة التيارات الحركية التي تخشى من خسارة نفوذها الاجتماعي لصالح الدولة، فالدولة ومن خلال تنظيماتها وتشريعاتها وقواها الأمنية وقاعدتها الاقتصادية هي التي تحمي الناس من الصراعات الإيديولوجية سواء كانت إسلاموية أو علمانوية وغيرهما من صراعات، وهي التي تحافظ على المجتمع من العدوان الخارجي.
لقد صحّح أو قضى مفهوم المواطنة المتجدد على المفاهيم الأممية، والتي ترى السعودية مسؤولة عن العالم الخارجي، فرأينا مصطلحات مثل السعودية للسعوديين والمواطن أولاً وغيرها، ورغم أن هناك من ركب موجة المواطنة بمنطلقات عنصرية تخريبية إلا أن ذلك لا يلغي نبالة المنطلق واعتباره خيارا وجوديا مشروعا، أدرك من خلاله الناس أن الغلة محدودة وأن كل دولة مسؤولة عن مواطنيها وأن ثروات الوطن للمواطنين وليس للدولة والشعب حق على أحد إلا بالتعاون على الخير ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
لقد كانت أسباب رسوخ المواطنة أمام المد الأممي الإيديولوجي لدى السعوديين خياراً وجودياً أيضاً، فإرادة البقاء تعلو عند الإحساس بالخطر، وكانت هناك عوامل عديدة منها الالتزام بالمشروعية وكذلك الولاء والإخلاص، وكل ذلك وغيره أدى إلى الاقتناع بجدوى مبدأ المواطنة.
أحد أقدم المفاهيم التي ما زالت تتطور بين كثير من السعوديين إعادة وعي مفهوم (القبيلة) باعتباره انتماء ثانويا محدودا لا يتقدم على الانتماء للدولة، وفي نفس الوقت لا تلغي الدولة انتماء الفرد بالنسب للجماعة بصفتها عائلة كبيرة، وتمثل جزءا لا أساسيا من الجماعة الرسمية، غير أن الدولة هي التي تقود المواطن إلى الارتقاء بنفسه وبالجماعة لأنها تملك زمام القوة والوعي.
مفهوم آخر تجدد بين السعوديين هو (الاحتساب)، فبعد أن كان مبدأ الاحتساب رهناً بجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو حتى بجماعة محددة، فقد صرنا نرى فهماً خالصاً عملياً وحقيقياً للاحتساب كما جاء في الإسلام، باعتباره مبدأ إسلاميا أصيلا يمثل منطلقاً يعمل به كافة الناس وتطبقه كافة مؤسسات الدولة، فالداخلية وأمن الدولة والقضاء والأحوال المدنية والمؤسسات الخيرية كلها تمارس الاحتساب من خلال تشريعاتها وأعمالها، وهو ما يفعله أيضا كافة الناس عبر تعاونهم على المعروف والنهي عن المنكر، والذي يشمل حتى مساعدة الفقراء والمرضى ودعم المحتاجين للعمل وغيرها من أعمال احتسابية.
المفهوم الذي تجدد مؤخراً بصورة لافتة هو مبدأ (الفردانية)، والذي يشير إلى حرية السلوك الفردي، فمن خلال فعاليات هيئة الترفيه برز خطاب جديد يؤكد على ضرورة احترام قرارات الآخرين، فمن حق الأول أن يبحث عن الترفيه، ومن حق الثاني أن يعتزله في المنزل، ولكن ليس من حق أحدهما أن يفرض على الآخر سلوكه الشخصي، فوجود جهاز هيئة الترفيه بدوره يصنع ثقافة جديدة تعزز الانتماء بطرق غير مباشرة من خلال نشر ثقافة السعادة التي تخفف من التطرف، وتعالج الفراغ الذي قد يدفع المراهقين إلى الانحراف. وقد وصل هذا المبدأ إلى ذروته مع قرار حق المرأة بقيادة السيارة، فمن لا يريد ليس عليه أن يفرض تخليه عن حق شخصي على الآخرين.
كل هذه المفاهيم لها مستويات، فحتى الوطنية قد تتحول إلى (وطنجية) تمارس بهدف التخوين على غير حق، أما الفردانية فقد تصل إلى مستوى انحراف الفرد عن قيم وثوابت المجتمع، ولذلك فكل المفاهيم تتوازن وتتطور من خلال طبيعة وعي المجتمع.
المجتمعات تصنع أخلاقها ومفاهيمها من خلال وعيها ونقاشها في كل الظروف، فحتى الأخذ بالنص الديني يعتمد على وعي الناس وعلى قدرتهم في التمييز، وإذا تقدم وعي الناس وزاد انتشار المعرفة والعلم وانشغل الناس بالتنمية والتطور، فسوف يجد المجتمع نفسه أكثر توافقاً على قضاياه.
تغير المفاهيم يحدث لكل المجتمعات، حتى لو كان ارتداداً كالاتجاه إلى الطائفية، ولكن هناك مفاهيم تتقدم بالشعوب وفق حاجاتهم وظروفهم وتتغير وفقاً لذلك، ومجتمعنا يملك قابليات جيدة على التطور وفق سماته الموروثة مهما كانت الأفكار الأولى الراسخة، فهو مجتمع اعتاد بسبب قساوة الطبيعة على إرادة البقاء، كما أنه مجتمع براجماتي بالسليقة، وهذه الطبيعة البراجماتية هي أحد الأسباب التي تفسر نجاحه من خلال استمراره في التلاحم مع الدولة وغيرها من سمات كالعقلية الاستثمارية التي دفعته لأن يجعل دولته من أثرى دول العالم من خلال مورد النفط فقط، وهو ما عجزت عنه شعوب تملك موارد طاقة أكبر، وهي نفس العقلية التي دفعته اليوم أيضاً إلى تنويع مصادر الدخل، وهو بالضرورة يملك القابلية على العمل والإنتاج مهما كانت التحديات، وكل ذلك من خلال كيان الدولة الراهن، والذي انعكس من ثقافة الشعب، ومثل سر وحدته ونجاحه المستمر.
 

ماجد الحمدان        2017-09-28 10:28 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال