الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

ناصر

لما يقرب من اليومين، ظل وسم (اختار مدينة تعيش بها للأبد) متماسكاً وبطيف واسع من الخيارات. وحين تقرؤها ستشعر حتماً أن في السكنى واختيار المكان في بعض الأحيان ما لا يمكن استيعابه وهضمه. وبالنسبة لي فقد أجبت «هي نفسي دون ضغوط الحياة وإملاءاتها القاسية فلا توجد على الأرض مدينة أفضل من نفس متصالحة، ولكن «وكم لكن هذه مخيفة». ضحكت كثيراً عند رد جميل على اختياري وهو يقول «لازم يتفلسف» نعم، لم يعد يربطني بالأماكن سوى بعض الحنين ولوعة النوستالجيا. لم تعد الدنيا في عيني كرة أرضية بل باتت مسطحة. توارى إغراء الفتنة وانقرضت رحلة الاكتشاف. طفت المدن من طوكيو إلى سياتل. وقفت على الأطلسي والهادي من الجانبين. بكل الاختصار: لم يعد هناك ما يبهج، ولهذا سأزداد إصراراً على أن النفس المتصالحة مع ذاتها هي المدينة الفاضلة. الأماكن والمدن مجرد اختراع تكميلي.
سأرسم الصورة من تقاسيم وجه مختلف. لأربعين سنة مكتملة، عمل ناصر موظفاً بسيطاً جداً في إحدى دوائر مدينة جدة. ومنذ ولادة النقل الجماعي واظب على السفر إلى قريته في «عالية بيش» ظهر كل يوم أخير من الدوام. يركب عائداً إلى جدة منتصف مساء نهاية إجازة الأسبوع ليصل إلى باب المكتب صباحا وعند الثامنة. عرفت هذا النبيل البسيط عن طريق مديره بالعمل وعرفت معلومة ترحاله من الطرفين. وحين زرته مساء الجمعة في قريته كان يؤكد لي: فعلت هذا الترحال على الأقل في آخر عشرين سنة، ولا أتذكر أنني غبت عن قريتي إجازة أسبوع واحدة. يا إلهي... فحين تحسبها بالتقريب ستكتشف أنه نام بحافلة النقل الجماعي لما يقرب من ألف ليلة من حياته، ومثلها سحابة ألفي نهار أخرى في رحلة الذهاب. تقاعد ناصر وبالطبع فلم يتزوج. وحين تقرأ تقاسيم وجهه الشريف، ستشعر حتماً أنه ذات شخصية «اللامنتمي» في الكتاب الشهير لكولن ولسون. هو ذات إدوارد سعيد في المقدمة الحزينة لكتابه «خارج المكان». وحتما سيأخذك الخيال: ماذا لو أن ناصر كان معنا في هذا الوسم؟ وهل سيختار القرية أو المدينة؟ والجواب لا هذه ولا تلك: إنه الباص الذي قضى على مقاعده في المجموع ما لا يقل عن ثلاث سنوات مكتملة من عمره. نام فيه ألف ليلة واستلقى على مقاعده ألف نهار. ماذا لو كتب ناصر قصص آلاف الوجوه التي كانت حوله في المقعد المجاور لألفي رحلة في مشوار العمر. هو الوجه الثابت وكلهم، وبالآلاف هم المؤقتون الزائلون. لكنه اللامنتمي وهم الثابتون في ظهر ذات الورقة من نفس الرواية. أربعون عاماً وهو يبحث عن المكان. تائه بين وظيفة الغربة وغربة القرية. أدعو له بنفس متصالحة لأنها الملاذ الأخير الذي يسكنه هذا النبيل. أبسط وأنقى وأتقى من عرفت في الحياة من الوجوه المؤقتة.

علي سعد الموسى        2017-10-03 1:10 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 4 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • بالمناسبة امضيت في ابها البهيه اسبوعا في اخر ذي القغده وانا بين عام واخر احن وأزور تحفة الجمال والاستجمام مطر ضباب خضره هواء عليل الجبل الاخضر شارع الفن والرسم وسط المدينه الخ عبدالله الرشيدالرياض.
  • تعال ي سفياني بحفرالباطن مافيها الا شبك واحد فقط ، بس يغطي ثلاث ملايين متر مكعب ، مكعب وابتسم متعب الزبيلي
  • هناك خلل باسم غرونفسيه ، وهذا من أشد العلل حين يصاب بها المرء فمن هنا مشكلة عويصه متعب الزبيلي
  • تحية للأخ ناصر....اما مدينتي التي اريد ان اعيش فيها فهي مدينة لا تحيط بها الشبوك ؟.....ابتسم عليان السفياني الثقفي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال