الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

وقولوا للناس حسنا

ما بال بعض الكتاب والإعلاميين والدعاة إذا رأى من أخيه المسلم خطأً كبيرا أو صغيرا، سلقه بلسان حاد، وشتمه، وصار يبحث عن عيوبه، فإن وجد صوابا كتمه

يقول الله تعالى (وقولوا للناس حسنا)، ولفظ الناس عام يشمل كل الناس مسلمهم وكافرهم، فالواجب اختيار القول الحسن، حتى وإن كان المقام مقام جدال في آراء متضادة، بل حتى لو كان الجدال مع اليهود والنصارى فضلا عن الجدال مع أهل الإسلام، يقول الله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) ليس بالحسن فقط، وإنما بالتي هي أحسن، قال ابن سعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: (ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب، إذا كانت من غير بصيرة من المجادِل، أو بغير قاعدة مرضية، وألا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد عن الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل لذلك، وألا يكون القصد منها مجرد المجادَلَة والمغالَبَة وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، إلا من ظَلَم من أهل الكتاب، بأن ظهر من قصده وحاله، أنه لا إرادة له في الحق، وإنما يجادِل على وجه المشاغبة والمغالبة، فهذا لا فائدة في جداله، لأن المقصود منها ضائع)، وجديرٌ بالكاتب والإعلامي والداعي إلى الله ألا يفقد السيطرة على نفسه عند الردود على المخطئين، سواء كان خطؤهم كبيرا أو صغيرا، ولا ينزلق إلى السب الشخصي والشتم واتهامهم في محبتهم لدينهم ووطنهم، وليحذر من رمي الفتيل هنا وهناك، فهذا السب والشتم كلٌ يستطيعه لاسيما من فقد الحجة، لكن ذلك لا ينصر دينا، ولا يُعز وطنا، وليست هذه مهمة من تصدَّى لنفع الناس، وإنما مهمته بيان الحق، ودمغ الباطل كما قال تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)، ومن كان هدفه من الرد إقامة الحجة، وبيان المحجة، ورد الناس إلى جادة الصواب، ليكونوا مع دينهم ووطنهم وقيادتهم، فإنه يتلطف بهم، كما قال تعالى: (وليتلطف)، ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فإن قبلوا فهذا هو المطلوب، ومن عاند وآذى البلاد والعباد، فأمره للقضاء الشرعي، فهو الذي يحكم عليه، ويُعزِّره بالعقوبة الشرعية، وهذا لا يُفقده الأخوة في الدين، ولا يُسوِّغ إعانة الشيطان عليه، ومن كانت ردوده ظالمةً ومتهورة، لسلاطةِ لسانٍ بُلي بها، أو لأحقادٍ ينفثها، أو لدنيا يصيبها، فمن الخير له أن يدع الكتابة والإعلام والإرشاد، وينصرف لعلاج نفسه، لئلا تزل قدمٌ بعد ثبوتها.
 إن المنهج الحق - فيما أعلم - هو عدم تسويغ الخطأ مهما كان قائله، ووجوب الرد عليه ممن يستطيع ذلك، وبيان الحق بدليله، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فهذا الأسلوب أجدر أن يعيد المخطئين إلى جادة الصواب، إذ ليس الهدف من الردود التنفير، وإكثار الخصوم، وإنما المتعين كسب الأعداء ليكونوا أولياء فهذا واجب شرعي، وتقتضيه مصلحة وطننا، ودليل ذلك قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم)، فإذا كان الذي بيننا وبينه عداوة إذا عاملناه بالتي هي أحسن يكون وليا حميما، فكيف إذا كان مسلما بيننا وبينه زمالة أو قرابة أو مواطنة ونحوها؟
وانظر إلى الأنبياء كيف كانت ردودهم على من لم يكتف برد دعوتهم للتوحيد، وإنما تطاول على شخصياتهم بالسب والشتم، تجد فيها دروسا تربوية، ذكرها الله في كتابه ليسير عليها أتباعهم ممن تصدَّى لنفع الناس، فهذا أول الرسل نوح عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد بكل لطف ونصح، فأجابوه بالطعن بشخصه وعدم الالتفات لما يقول، فقالوا له (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) فبمَ أجابهم على هذا الاستفزاز؟ أجابهم بقوله: (يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون )، وهكذا نبي الله هود دعا قومه إلى التوحيد بكل لين وسماحة، فكان جوابهم هو الطعن بشخصه، إذ قالوا (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِين)، فلم يقل بل أنتم السفهاء الفجرة، وإنما قال بكل رحمة وأدب (يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين).
فإذا كان هذا هو أسلوب الأنبياء مع الكفار، فما بال بعض الكتاب والإعلاميين والدعاة إذا رأى من أخيه المسلم خطأً كبيرا أو صغيرا، سلقه بلسان حاد، وشتمه، وصار يبحث عن عيوبه، فإن وجد صوابا كتمه، وإن رأى خطأً أو ما يظنه خطأً طار فرحا به، لا ليصحِّحه، وإنما ليُجهِز على قائله، نعوذ بالله من الصلف واللسانة، والحقد والشماتة، والعجيب أنهم يَدْعُون في مقالاتهم ومؤتمراتهم إلى عدم الكراهية، اللهم إلا إن كانوا يقصدون عدم الكراهية للكفار فقط، أما المسلمون فلا يشملهم ذلك.
والمقصود: أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزِع من شيء إلا شانه.
وقد جاء في كتب السير: أن هارون الرشيد كان يطوف بالبيت، فعرض له رجُلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين إني أُرِيد أَن أُكَلِّمَكَ بِكلام فيه غِلَظٌ، فَاحْتَمِلْهُ لِي. فقال: لا، ولا نِعْمَةُ عَيْنٍ، ولا كَرَامَةٌ، قد بَعَثَ اللَّهُ مَنْ هو خيرٌ منك إِلَى مَنْ هو شَرٌّ منِّي. فَأَمَرَهُ أَن يقول له: قَوْلًا لَيِّنًا.

أحمد الرضيمان        2017-10-05 11:27 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 22 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • والكلام ليس خاصا ببعض الكتاب ، لعلك تعيد القراءة وتقرأ ما حذفته أنت ووضعت النقاط بدله لتتضح المعلومة ، وأنا مع الرفق مع كل أحد ، لكن المسلم أولى أن يُرفَق به مع أهمية تصحيح خطئه أحمد الرضيمان
  • الأخوة الفضلاء :د ناصر ، عمر المختار، سعودي، غرم الله ، صالح ، شكرا لتلطفكم بالقراءة والتعليق ، ويا أخ صالح نتحدث عن وقائع وليست ظنونا ، حفظك الله وحفظ الجميع أحمد الرضيمان
  • (والعجيب أنهم ]الكتاب[ يَدْعُون في مقالاتهم و.. إلى عدم الكراهية، اللهم إلا إن كانوا يقصدون عدم الكراهية للكفار فقط، أما المسلمون فلا يشملهم ذلك) إحسان النية في الآخر نوع من الرفق!! saleh
  • سؤال للدكتور الشيخ الرضيمان : لماذا غالب وعاظ ما كان يُعرف بالصحوة مقطبين ، معصبين ، مكشرين ، معبسين - عدا الحائلي منهم ؟ هههه .. علمني ولن أخبر أحد - هههه ! غرم الله
  • ..ولو الأمر بيدي لأعطيت كل موظف في الجهات الخدمية كالبلديات والكهرباء ، والماء ، والاتصالات دورة مكثفة في (حسن التعامل / التعامل بالحسنى) ! غرم الله
  • لو لي من الأمر شيء لأعطيت كل من يعمل ميدانيا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "دورة" لمدة ٤ سنوات في "التعامل بالحسنى" ! غرم الله
  • (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) .. غرم الله
  • لن يندم من يسترشد بالتوجيه الرباني "وقولوا للناس حسنا" ولن يجني الا الخير .. وفي السنة "لا تغضب" لكي لا تنسى "القول الحسن" .. اللهم اجعلنا ممن يقول للناس حسنا .. غرم الله
  • سلام يا شيخنا الفاضل..نعم للقول الحسن.. لو كان أفراد هيئة الأمر والنهي "الميدانيين"قالوا للناس حسنا لما قل تواجدهم في الميدان.. ولما خسرنا سعود وناصر القوس بالرياض ، والغامدي ببلجرشي. غرم الله
  • ليت بعض الكتاب والدعاة يقرؤون هذا المقال شكرا لك سعودي جنوبي
  • اسمع كلامك أصدقك أشوف أفعالك اتعجب وأنا لا أقصدك انت بالذات ولكن ٩٩٪‏ من الدعاة لذلك اعذرنا لصعوبة بلع هذا المقال او تقبله بسهولة نحتاج وقتا طويلا حتى نقتنع . عمر المختار
  • مقال رائع سعادة الدكتور، ما أحوجنا إلى المقاربات الحكيمة في وقت يحسّن فيه البعض تفتيت الصف وتمزيق الشمل. نفع الله بعلمكم. د. ناصر إسماعيل
  • وأشكرك أخي متعب وفقك الله ، وكذلك أشكرك أخي المتابع ويسرني متابعتك ، واللهَ أسأل أن يهدينا جميعا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال ويُجنِّبَنا مساوئها. أحمد الرضيمان
  • مرحبا أخي متعب ،المقال عام لم أستحضر بذهني أحدا وأنا أكتب المقال ، ولامانع من نقد الخطأ بل يجب ذلك ، بيَّنتُ ذلك ولكن بالحكمة واللفظ الحسن ، دون الحاجة للسب والشخصنة. أحمد الرضيمان
  • ‏جزاك الله خيرا دكتور، مقال مهم وقيم، والكلام الحسن مطلوب مهما كانت درجة الإختلاف، ‏وبالاستطاعة أن نوصل نقدنا ورأينا للطرف الآخر دون جرح أولفظ بذيء. متابع
  • وفي الختام فيه كلام يقرقش بقليبي ، ولكن اُسلوب وصياغة المقال تجعلني أستخير ، وطبعاً التمس لك العذر وأقدر حين تسلك صياغة معينه،وطابت أوقاتك بالمسرات متعب الزبيلي
  • عدم الكراهية معيار للشخص من خلال منظور الآخرين ، فحين تكون متسامحاً مع شخص مثلا غير مسلم ويعيش في وطننا،هو ينظر لك بإعجاب ويقدر لك عدم فرضك او الاستعلاء متعب الزبيلي
  • وقبل الختام مقالك درر وتسلم يراعك،وشخصيا كثيراً أواجه حين أناقش بعضا ممن لهم محبة بقلبي،ويقول لي يا بن الحلال اكبر منك بيوم اعرف منك بسنة، أشفق عليه والتزم الصمت متعب الزبيلي
  • او بالأصح قد يتم اتهامه بانه مثير للفتنة وداعي للفرقة ، خاصة حين يكون النقد يتمحور حول نقاط معينة وبعيدا عن الشخصنة او بهتان طرف المُنتقد،يعني نقد على أصول متعب الزبيلي
  • ودعني انظر للمقال بأنك عنيت به بشكل عام وبعيداً عن كونك حول جانب محدد ، الا انه يراودني سوْال ، وهو هل حين يتم نقد مسؤول مشهود له بالخطأ،بذلك يكون الناقد مخطئا متعب الزبيلي
  • في حيرة من امري،اذ لم أستطع فهم المغزى بشكل عام للمقال،استطعت التلميح وبشكل متمكن حول ربما حدث وقع ومضى،وبحنكة جعلت القارئ في حيرة مما تعنيه بالضبط متعب الزبيلي
  • جداً أستفيد مما تكتب ، واتفق تماما مع ان يكون الجدال بحكمة ولين وان لا نتجاوز الحدود وان لا نقول قولاً من شأنه اثارة الآخرين ، وبالوقت نفسه وأكون معك صريحا أجدني متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال