الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

توطين الوظائف وتحديات سوق العمل

لن يصلح واقع سوق العمل الوطني بجميع مؤسساته وبمختلف أحجامها إلا بفرض التوطين إلزاما لكافة قيادات الموارد البشرية والقيادات التنفيذية في مؤسسات القطاع الخاص، ومتابعتها من الجهات الرسمية

لعل من أكثر التحديات التي تواجهنا للنهوض بمسيرتنا التنموية هو كيفية الاستفادة من مواردنا البشرية المؤهلة والمعطلة، وما الآلية التي يمكننا من خلالها تمكين أبنائنا وبناتنا بقدراتهم المختلفة وطاقاتهم المتنوعة وبمؤهلاتهم المختلفة، من تلبية حاجات سوق العمل ومتطلباته من الموارد البشرية من جهة، ومن تمكينهم في استكمال مسيرة حياتهم الاجتماعية الأسرية، ومن الممارسة العملية الطبيعية لوجودهم الاجتماعي، ليكونوا القاعدة التي يقوم عليها سوق العمل الوطني، والنواة التي يرتكز عليها المجتمع الوطني في بناء الأسرة وتنشئة الأجيال القادمة القادرة على تحمل مؤونة الحياة، واستكمال مسيرة العطاء للوطن الذي يحتضنهم ويرعاهم، فعليهم تعقد الآمال، وبهم تبنى الطموحات في تحقيق ما نستهدفه من رؤى واستراتيجيات وطنية مقبلة نستطيع من خلالها الوصول إلى تنمية مستدامة ومتوازنة في جميع مقدراتنا ومواردنا الطبيعية.
وعلى الرغم من حجم الإنفاق الذي تم تسخيره كاستثمار وطني منذ عقود مضت على التعليم والتدريب والرعاية الصحية والاجتماعية بغية تأهيل مواردنا البشرية لتتحمل مسؤوليتها الوطنية، فإنه كان لا بد أن تثمر تلك الجهود عن بناء وإنتاج لسواعد بشرية، ولعقول وطنية تأهلت لتسهم في مسيرة البناء والنماء، والذي يكون حصاده العملي هو التوطين التدريجي للوظائف في كافة القطاعات العامة والخاصة، وذلك يشمل كافة مستويات التوظيف ودرجاته ومجالاته المختلفة، وبذلك يكتمل العِقد الوطني بحليته الوطنية في موارده البشرية قيادة وأداء، ونكون بذلك حققنا إنجازا فعليا في الاستثمار في طاقاتنا ومواردنا البشرية التي بها وعلى أكتافها ينهض الوطن وتُبنى لبناته، لكونهم يمثلون العمود الفقري الذي يقوم عليه الوطن بجميع مقدراته، فينمو الاقتصاد الوطني ويزدهر المجتمع بكافة مؤسساته وقطاعاته، وبما ينعكس على رخاء وطني ورفاه اجتماعي ومكانة دولية يستحقها الوطن والمواطنون من خلال رموزه وكفاءاته البشرية، ولكن على الرغم من تلك الجهود الثمينة والفترة الزمنية التي استمرت نحو أربعة عقود من عملية البناء والتأسيس لقاعدة بشرية وطنية تقود الركب الوطني نحو مستهدفاته وتطلعات مواطنيه، فإننا ما زلنا وحتى اليوم نتعثر في توطين طاقاتنا البشرية، ونعجز عن تمكينها في قطاعنا المنتج الذي يمثله القطاع الخاص بكافة مجالاته، وما زالت العمالة الوافدة تستأثر بجل الوظائف في القطاع الخاص، في حين تتزايد البطالة بين المواطنين يوما بعد يوم، ونفشل في التوطين الفعلي للوظائف رغم وجود الوظائف!
وبالإشارة إلى تقرير الهيئة العامة للإحصاء للربع الرابع من عام 2016 والربع الثاني من 2017 والخاص ببيانات وإحصاءات سوق العمل الوطني بقطاعيه الخاص والعام، نجد أن البيانات تؤكد أنه ليس هناك أي تقدم فيما يتصل بالتوطين وإحلال الموظفين المؤهلين في مواقع تليق بهم وبمؤهلاتهم، بل إن البطالة تزداد، والمؤهلون يتكدسون في مختلف التخصصات، من الأطباء إلى المهندسين وغيرهم من التخصصات الأخرى التي يحتاجها القطاع الخاص بمختلف مجالاته، في حين ما زالت العمالة غير المواطنة تستأثر بالمواقع والوظائف المهمة وغيرها، وذلك على الرغم مما تبادرنا به وزارة العمل من برامج ومبادرات بشكل مستمر، غير أنها لم تنجح فيها في الحد من المشكلة أو حتى معالجتها أو التعامل معها بما تستحقه من تصدٍّ واحتواء لكافة أطراف المشكلة، وبما يتواءم مع ما تفرضه الظروف التنموية والواجب الوطني، وذلك في إطار مسؤولية ما يتضمنه نظام العمل والعمال ولوائحه من ثغرات تخدم القطاع الخاص كصاحب عمل، ولا تخدم المواطنين كموظفين، مع ضعف وخلل في المتابعة الميدانية لمدى تنفيذ القطاعات المختلفة للتوطين كما هو مخطط له، سواء بالإحلال للوظائف أو بما يكفل استمرارية وضمان تأمين الموظف المواطن في عمله في ظل نظام رسمي يحميه، وضمن إطار قانوني يحفزه على العطاء والإتقان في الأداء بما يشتمل عليه من مواد وآلية تكافئ المجتهد والمتميز أجرا وترقية، وتواجه المقصر وتتصدى له بما يستحقه أجرا ومرتبة، وبذلك نرتقي بمواردنا البشرية ونسهم في تمكينها وتحسين عطائها، ونعزز من ولائها للمؤسسة الخاصة بداية وللوطن في مظلته الكبرى.
وبناء على ما تم نشره من بيانات حول سوق العمل فإن الإحصائيات تؤكد أن هناك انخفاضا في معدل المشاركة الاقتصادية للسعوديين من (42.2%) في الربع الرابع من عام 2016، إلى (40.3%) في الربع الثاني من عام 2017، وتبعا لذلك فإن معدل البطالة بين السعوديين ارتفع من (12.3%) في عام 2016 إلى (12.8%) عام 2017، وبناء عليه كذلك ارتفع معدل الإعالة الاقتصادية من 136 فردا (لكل 100 فرد يعمل) إلى 145 فردا، ومن جهة أخرى نجد أنه حتى عدد الباحثين عن عمل قد ارتفع من (917.563) فردا في عام 2016، إلى (1.075.933) عام 2017، وذلك نتيجة لزيادة غير محسوبة في عدد القادمين للعمل إلى جانب سوء تنفيذ عملية التوطين الفعلي والخلل في متابعته، فبعد أن كان بطالة «الجامعيين وأعلى» تصل إلى نسبة (16.4%) من نسبة العاطلين في عام 2016، أصبحت (24%) في عام 2017.
والاستفسار الكبير الذي نطرحه ما الخطط المستقبلية لوزارة العمل كجهة منظمة لسوق العمل للحد من هذا التنامي السلبي في إشكالات سوق العمل؟! وهل ما زال هناك مزيد من البرامج والمبادرات تنوي طرحها في ظل ضعف سابقتها وعدم جدواها الحقيقي؟!
لا بد أن ندرك أن إشكالات سوق العمل وتحدياته تحتاج إلى حلول جذرية تعالج أصل المشكلة التي تتمحور حول محاربة التوطين من القطاع الخاص بمختلف أشكاله، وعدم إدراكه لدوره كشريك في التنمية؟! لا بد من الوقوف على آلية التوظيف ومن يشرف عليها، ومستوى الأجور المدفوعة فعلا وليس كما تسجله السجلات الخاصة، والتي تدفع بالمواطنين إلى الهروب من استبداد القطاع الخاص وهضمه لمؤهلات المواطن ومستحقاته، وذلك بعد أن ألِف ذلك القطاع العمالة الوافدة بأجور متدنية؟ إلى متى يظل ميزان الموارد البشرية مختلا في القطاع الخاص ويرجح لصالح العمالة الوافدة التي مثلت (81.66%) من جملة المشتغلين فيه، مقابل (18.33%) من المواطنين في عام 2017؟!، وإلى متى يتخلى القطاع الخاص بجميع قطاعاته ومستوياته عن مسؤوليته الوطنية في تحمل عبء التوطين والتدريب والاحتضان لمواردنا البشرية؟! إلى متى يستمر التستر التجاري والاتكال على العمالة الوافدة في تسيير أعمالنا ومشاريعنا التجارية؟ إلى متى يستنزف اقتصادنا وخيراتنا لتصب بمردودها خارج الوطن؟! لن يصلح واقع سوق العمل الوطني بجميع مؤسساته وبمختلف أحجامها إلا بفرض التوطين إلزاما لكافة قيادات الموارد البشرية والقيادات التنفيذية في مؤسسات القطاع الخاص، ومتابعتها من الجهات الرسمية، وبذلك نقضي على الفساد الواضح في عرقلة توظيف المواطنين، وبما يتيح استفادتهم من الوظائف المتاحة فعليا والمحجوبة لصالح العمالة الوافدة لاعتبارات مختلفة، هذا بالإضافة إلى الأخذ في الاعتبار الحاجة إلى توليد مزيد من فرص العمل والوظائف الموجهة نحو تنويع القاعدة الاقتصادية، من خلال التحفيز لريادة الأعمال والاحتضان للمشاريع الصغيرة والمتوسطة «المنتجة» بكافة ما تحتاجه من مساندة ودعم يدفع بها لتكون توجها مطلوبا في سوق العمل الوطني ومعالجة شاملة لتحدياته.
 

عبلة مرشد        2017-10-17 11:29 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 4 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • ما يواجه وزارة العمل أطنان من قرارات سابقة خاطئة وأرتال من(توصيات مصلحية) وجهاز مترهل من حرس قديم أرسى قواعده فى كل المفاصل ينتهز كل ثغرة! احمد سليمان
  • في أسواق البطحاء بالرياض شارع الرس الممتد من شارع طارق بن زياد جنوبا الى شارع الرين شمالا هناك يتقابل سوق اصلاح وبيع الهواتف. مع اسواق الذهب اراهن ان السعودة بالثوب والشماغ والعقال وكلهم ابو يمن الشمالي والجنوبي حماد الهويدي. تخصص هندسه الكترونيه
  • فعلا مادمنا سعودنا محلات الهاتف صيانه وبيع وتسويق. ماهي الفائده من ترزز الوافد يماني او باكستاني او سوداني اوهندي داخل. المحل او في غرفه داخليه المفروض تسفيره على حساب كفيله او المتستر عليه  مع الغرامات والجزاء النظامي وعدم عودته الا بالعمل الذي تعاقد من اجله بعيدا عن المحلات والوظائف الخاصه بأبناء الوطن كفايه تسيب وفوضى عبدالله الرشيد. الربوه شارع الامير متعب. الرياض
  • اردنا ان نوطن قطاع الاتصالات .فعلنا لكن العاملين فيه من الأجانب لم نرحلهم ؟ رجعوا بالتحايل بوضع سعودي في الواجهه وقت التفتيش نكاد نخسر..رحلوا عمالة اي قطاع تتم سعودته..ابتسمي عليان السفياني الثقفي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال