الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

مفهوم الفنون الغائب عن الجامعات

أظن أن هناك فجوة فكرية معقدة بين مفهوم الفنون ومعناها ومقاصدها وبين إدارات الجامعات، تجعل من الصعب استيعاب الأخيرة لقيمة حاجة الإنسان والمجتمعات للفنون بعمومها

كلما تصفحت مواقع الجامعات السعودية وهياكل أقسامها وكلياتها التعليمية، لا أجد ما يشير أبدا إلى اهتمامها بتدريس الفنون بعمومها والفنون الموسيقية والغناء على وجه الخصوص، وإن حضر بعضها فلا يعدو كونه نشاطا اجتهاديا موسميا عابرا لتقديم حدث أو مناسبة ما في نهاية العام!
وحين تجد كلية من ضمن الأقسام تهتم بالفنون فغالبا ما تجدها غير صريحة، وتأتي مدمجة بتصاميم الأزياء والديكور والرسم! وهذا تحجيم لمعنى الفنون التي تأتي ملحقة بالتسمية والتخصص، يعكس ما يشبه الاستحياء من تبني الفنون الموسيقية وغير الموسيقية صراحة.
الغريب أن بعض الجامعات تدرس ضمن مناهجها تاريخ الفنون، لكنها تجتزئ على نحو ما ما تراه مناسبا لها -كما تشاء- من تفرعات المصطلح، وتقصره على خيارات محددة أمام الطلاب، وكأنها بذلك تهتم لشروط الالتحاق التي وضعت في زمن حمل أيديولوجيا -من المؤكد أنها أصبحت بائدة- لا تقيم وزنا لخيارات ومواهب وتطلعات المتقدمين للانضمام إلى تلك الكليات والأقسام المقولبة.! ليضيع بذلك مفهوم الفنون الجميلة السبعة الأكثر شيوعا في العالم، ما دفع العديد من الفنانين الموهوبين إلى البحث خارج النطاق الجامعي والأكاديمي، عن أماكن أكثر احتفاء يمكنها احتواء مواهبهم، حتى وإن لم تكن مؤهلة لاحتضانها، ولتضيع بالتالي الكثير من المواهب المبدعة التي كان يمكن لها أن تشكل علامة فارقة في مسيرة الفنون السعودية.
قوموا بجولة سريعة على مواقع الجامعات لتتعرفوا أكثر على فقر وضعف ما يسمى كليات وأقسام (التصاميم والفنون)!
لقد كرست معظم الجامعات عبر العالم الفنون بمفهومها الواسع للمعنى، ومنحته مساحة لا محدودة لإبرازه في أوساط مجتمعاتها، ومن خلال ذلك تمنح تفوقا في الذوق العام والأخلاقيات الإنسانية، وتصنع فرصا أكثر لنقل الصورة الجميلة للمكان والإنسان لكل العالم، وهو ما ينعكس على طبيعة مجتمعات تلك البلدان، ومن أجل ذلك اهتمت أمم كثيرة بهذه الناحية، فأنشأت جامعات ومعاهد متخصصة بالكامل في هذا المجال، لأنها أدركت منذ زمن بعيد أن الفن حالة ثورية لموهبة عميقة عند الإنسان ترتفع بها حين تتهيأ لها حواضن مرتبة، فالفن أو الفنون بحسب موسوعة الوكيبيديا «هي قدرة لاستنطاق الذات بحيث تتيح للإنسان التعبير عن نفسه أو محيطه بشكل بصري أو صوتي أو حركي، ومن الممكن أن يستخدمها الإنسان لترجمة الأحاسيس والصراعات التي تنتابه في ذاته الجوهرية، وليس بالضرورة تعبيرا عن حاجته لمتطلبات في حياته، رغم أن بعض العلماء يعتبرون الفن ضرورة حياتية للإنسان كالماء والطعام...
وحاليا تستخدم كلمة فن لتدل على أعمال إبداعية تخضع للحاسة العامة كفن الرقص، الموسيقى، الغناء، الكتابة أو التأليف والتلحين، وهو تعبير عن الموهبة الإبداعية». وتحجيم هذا المفهوم الإنساني جناية على مستقبل البشرية وتاريخها الممتد عبر قرون طويلة، وليس من المنطق النظر إلى الفنون من زاوية ضيقة تقدم اعتبارات وحسابات خاصة لزمن ما بعينه.
 أظن أن هناك فجوة فكرية معقدة بين مفهوم الفنون ومعناها ومقاصدها وبين إدارات الجامعات، تجعل من الصعب استيعاب الأخيرة لقيمة حاجة الإنسان والمجتمعات للفنون بعمومها.
وأتساءل حقا لماذا لا تقوم الجامعات السعودية بتبني الفنون بكل أنواعها ضمن رسالتها التنويرية في المجتمع؟ ولماذا لم تبادر حتى الآن ولو جامعة واحدة بكسر تابوهات الماضي المرتبكة التي تصنف كل شيء حسب رؤيتها الأحادية، وتقاتل لإشاعته كمعنى وحيد للفنون؟
 

صالح الديواني        2017-10-25 10:36 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • من هو أبو وجهين؟؟معظم مدراء واساتذه جامعاتنا ،درسوا وزاروا وأقاموا فى الغرب و-شنّفوا- آذانهم واسماعهم بموسيقى بيتهوفن وباخ وتراقصوا على أنغامها...لكن اذا حطوا رحالهم..أكفهرّت وجوههم واصطنعوا الصرامه! احمد سليمان
  • اين البحوث العلمية اولا، الا نلحظ أننا لانلقي البحوث العلمية اي اهتمام، جامعاتنا وللأسف قضت عقودا في الندوات الدينية والتاريخية ، والآن نريد ان تتحول إلى الفنون 🙉👎جامعات بإدارات مفلسة ، تركي
  • بالفعل مفروض يفلونها بالجامعات سامري وعرضه ودحه ورديه ، ويطعمونها شوي بدوسكي ، ويقلبونها رسم وفنون بدءا من جدران الجامعة الخارجية والداخلية ، وان يتم تخصيص كلية بمسمى ، كلية الشيلات ، يحصل الخريج على بكلوريس شيلات .. وبشرط ما يكون التدريس من باب التلقين ، ان يتم اختيار طريقة بعيدة عن التلقين ، بمعنى الدارس له الحرية ان ينتج شيله على لحن أجنبي متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال