الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

لا قدسية للآراء

الواقع كفيل بأن يستبدل آراءك إلى آراء مغايرة، وربما شديدة التناقض. ولهذا لا يسمح بتقديس الآراء، خاصة إن كنت شخصا له أثر بشكل أو بآخر في هذا العالم

لا قدسية للآراء، فهي كائن متغير بتغير الزمان، متغير بتقدم العمر ومع مراحل النضج. فالآراء ما هي إلا اجتهاد توصل له الإنسان عن طريق البحث والتحليل والاستنتاج. أي أنها مجموعة أفكار غير مقدسة قابلة للتغير بتغير التفكير.
أما المبادئ فيمكن أن تكون مقدسة، لماذا؟ لأن المبادئ أصلها الثبات مهما تغير الزمان أو المكان، كالقواعد تماما. ترجع إلى حقائق عقلية ينبثق عنها نظام معين. وهو غير قابل للتغيير إلا إذا غير الإنسان عنصرا جذريا كالعقيدة مثلا. ولعل هذا الرأي هو الآخر ليس مقدسا فحتى القواعد لها شواذ أحيانا.
عندما أقرأ نصا كتبته قبل سنوات، أجد نفسي لا إراديا أجرده من بعض الكلمات أو الجمل. بل أحيانا أقوم بشطب النص كاملا، وأستبدله بآخر مناقض تماما، وبين رأي سالف ورأي حاضر تتضح الصورة لدي «لا قدسية لآرائي». فأنا لست ذات الشخص قبل خمس سنين، ثمة تجارب خضتها، أفكار تأثرت بها، دراسات أثبتت خطأها، وأخرى تبين أنها صائبة. فالواقع كفيل بأن يستبدل آراءك إلى آراء مغايرة وربما شديدة التناقض. ولهذا لا يسمح بتقديس الآراء، خاصة إن كنت شخصا له أثر بشكل أو بآخر في هذا العالم.
«الاعتراف بالحق فضيلة»، والتراجع أو العدول عن رأي بسبب عامل النضج فضيلة أيضاً. فعندما تثني على شخص ما علناً لأنه في ذلك الوقت وبحسب منظورك كان مثالا يحتذى به. والآن بقدرة قادر تبدل شخصه أو كما يقولون «أظهر وجهه الآخر»، عندها ستشعر بالخجل وستغير رأيك فيه، فتصبح في أعين الآخرين في عداد المتناقضين.. لكن هذا النوع من التناقض يعد تناقضا محمودا.
تصرح بكلمة سواء في مقالة أو غيرها حول قضية أو حدث ما، ويأتي اليوم الذي تنتقد فيه ذلك التصريح بتصريح عكسي لا يشبهه. إما بسبب تسرع في الحكم آنذاك أو نقص في المعطيات.. حينها يكون تناقضك شجاعة، لأنه انبعث من سبب منطقي (تصحيح موقف).
ما أعنيه أنه لا قدسية للآراء (الخاطئة أو المشبوهة)، فالصائب منها لا يحتمل القداسة لأنه صائب. وما عدا ذلك يعد تناقضا مذموما، كأن تكون قد تبنيت فكرةً أو رأياً معيناً أو قضيةً ما ضد التعصب مثلا، وتم تصعيدها على «تويتر»، وأخذت انتشاراً واسعاً بإعادة تغريدها، وأيدها وناصرها كثيرون وازداد عدد الأتباع؛ وأصبحت ممن يُشار إليهم في هذه الوسيلة «تويتر» بالبنان، وقضيت زمناً تدافع وتقاتل من أجلها؛ وبعدها غيرت وجهتك، وأصبحت أنت المتعصب الذي كنت تهاجمه. ووصل بك الأمر إلى اتهام أشخاص وتكفيرهم. هنا تسلك الآراء مجرى آخر، فتنحرف عن مسارها آخذةً شكل القداسة، بالنسبة لك، ويصبح تناقضك حينها مخزياً.
لا ضير في التناقض المحمود حتى وإن وضعك في مواقف محرجة.
عن نفسي سأظل أغير وأبدل كثيرا من آرائي الخاطئة، وسوف أنتقد مستقبلاً كثيرا من الآراء التي أتبناها اليوم وسأضحك منها، لأنه إن دل على شيء فيدل على أنني سلكت الطريق الأصح، وأنني أصبحت شخصا أفضل مما كان، وإلا لماذا النضج إذًا؟

سارة العكاش        2017-10-27 12:17 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 9 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • لو سألت مكسيكيا او فلنديا، فرنسيا، نيباليا، سنغافوريا،ماليزيا..الخ(ماهو الحق ؟)..لن تجد جوابا موحدا ولا حتى قريبا من بعضهم..وهذا دليل على -نسبيه - الاشياء.. احمد سليمان
  • رأي ؛ إذا الأفكار والمبادئ أيضاً أصبحت مقدسة ! عندها تتحول الى دين . المبادئ يُفتَرَض أن تكون ثابتة ، مثلا إذا كانت من منطلق خدمة التعليم ـ مثلاً. والأفكار أيضاً يُفترَض أن تكون ثابتة في مرحلة زمنية مُعينة وهي منبعثة من منطلق مبدئي.الأفكار هي المعرضة لامتحان الزمن، من ناحية الخطأ أو الصواب، وخطأ الأفكار في مرحلة زمنية معينة لا يعني بالضرورة خيانة للمبدأ. خيانة المبدأ تكون عند الإنتقال من مبدأ الى آخر، وذلك يسمى إنتهازية ، نفاق مثلاً . وشكراً يونس
  • ما يميّز ألمانيا هو خلو دستورهم من عبارات(الصفح ،الكلمة الجميلة، العفو،المقدرة، تجميع، تخزين،الحسنات ..الخ)...قوانينهم تتعامل سواسية مع كل الأديان والمذاهب والنحل، وغير المنحولين! احمد سليمان
  • مصيبة القوم ان-باب- التراجع عن الخطأ فى حق الاخرين، سهل وميسور تبدأ فى حب الخشوم وتختم ب(الاعتراف بالحق فضيله-يسمون الخطأ فضيله-!) بينما في الدول الراقيه-الغربيه طبعا- القوانين هى الفصل.. احمد سليمان
  • القوم يتغنون ان (الصدق) فضيله،والاب والمدرس ورب العمل والعمده، والدعاه،و محطات التلفزيون تمارس (الكذب) ليل نهار..فكيف يصنّف (الصدق) فضيله وهو ينتهك26ساعه!! احمد سليمان
  • وأنطلاقا من مبدأ النسبية ،فالحق، والفضيلة، والقدسيه والثوابث ماهى الا أمور نسبية،فالحق مثلا له الف معنى حسب تنوع البشر ودياناتهم وآرائهم.. من فلندا الى الاسكيمو.... احمد سليمان
  • العلم هو الأمر الراسخ والدائم لأن به دينامية الحركة والتطوير ولأن فضائله تعم كل البشر بمختلف معتقداتهم ودياناتهم ومشاربهم والوانهم، ولن تجد في غيره مثيلا. احمد سليمان
  • (كل الأمور على سطح الارض نسبية)..قول بليغ لاأدري من ذكره، وهو يعنى ان لاشىء قابل للثبات والتغيير وارد،مادام على سطح الكرة الأرضيه،والا لما خرجت الآراء والعقائد والديانات وتداولها البشر واستنكروها ورحبوا بها. احمد سليمان
  • الكاتبه: المبادئ أصلها الثبات مهما تغير الزمان أو المكان،.. الثبات يعني بقاء المصطلح حيا في الموروث مثل احترام كبير السن أو العدل جيلا إثر جيل.العدل مبدأ عرفناه وستتعلمه الأجيال. فهْم الناس للعدل (اجتماعيا) يؤثر في صياغية نظم يعرِّفها الناس بأنها عادله ومقبوله للعيش في ظلها.المبادئ حية و تتجدد. saleh

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال