الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الأمن الفكري في الجامعات

غالبية دعاة الغَيرة والتهييج تحت ذريعة إنكار المنكر وفق الطريقة السبئية، هم أكثر الناس وقوعا في المنكرات، ولكنهم يرون القذاة في عيون الناس، ولا يرون الجذع في عيون أنفسهم

الأمن كالهواء، فهل يستغني أحدٌ عن الهواء؟ وهو كالنَفَس فهل يستغني أحدٌ عن النَفَس؟ بالطبع لا أحد يستطيع أن يستغني عن الهواء والنَفَس، وكذلك الأمن سواء بسواء، لا يستغني عنه أحد، وإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك - فإن المحافظة عليه مسؤولية الجميع، كلٌ حسب قدرته، وتُشكَر وزارة التعليم ووزيرها الفاضل، أن وضعت في جامعات المملكة إدارات ووحدات تُعنَى بترسيخ الأمن الفكري، والإجابة عن الشبهات التي قد تعرض للطلاب والطالبات، لاسيما أن وسائل التواصل الاجتماعي ونحوها تضخ كثيرا من الشُبَه، فكان لابد من جهةٍ تُعنَى بتفنيد هذه الشبهات، بعلم وعدل وإخلاص، وبُعْدٍ عن الصخب والضجيج والفلاشات، وكنت سمعت بعض الناس، ممن له مكانة، يقول: إن الأمن مصطلح بوليسي، وليس من مهمة الجامعات، فآلمني ذلك، وقلت له: قولك هذا فيه نظر، بل ليس عليه أثارةٌ من علم فيما أعلم، وذلك لما يلي:
 أولا: الأمن مصطلح شرعي، وليس كما تقول، وتلوتُ عليه الآيات الكريمة في ذلك، ومنها قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، وقوله تعالى: (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا)، وقوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا)، وقوله تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وقوله تعالى: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم)، والآيات في ذلك كثيرة، ومن الأحاديث على سبيل المثال قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ... الحديث)، وبهذا يتبين أن الأمن مصطلح شرعي، وهو من ضرورات الدين والدنيا.
وثانيا: إذا لم يتحدث أساتذة الجامعات عن الأمن ومكانته وسبل المحافظة عليه، وترسيخه في نفوس الطلاب، وخطورة الأفكار والأحزاب والتيارات التي تؤثر سلبا على الأمن والإيمان، فمن يتحدث؟!
صحيح أن هناك أعمالا خاصة برجال الأمن، لا يقوم بها غيرهم، ولكن التحصين الفكري والعقدي، وكشف الشبهات الضالة، وبيان مكانة الأمن، هي من مهمة أساتذة الجامعات، فقُرْبُهُم من طلابهم، والإجابة عن تساؤلاتهم، بعلم وعدل، ونظرةٍ واقعية ليس فيها تسويغٍ لأي خطأ أو منكرٍ أو تقصيرٍ، وليس فيها ادعاء للمثالية، سببٌ لإصلاح الأفكار، وإذا صلحت الأفكار صلح السلوك.
هذا ما قلتُه آنذاك، وأضيف الآن فأقول: من المهم أن يُتوَصّل مع الشباب (الطلاب) إلى أن الخطأ أو المنكر، لا يُقَر، بل يجب بذل الجهد في الوقاية منه قبل حصوله، ومعالجته بعد حصوله، وفق المنهج النبوي، وليس وفق منهج دعاة الفتن، الذين يفرحون بالأخطاء ليتخذوها سُلَّماً للإثارة والشر والتهييج، ومما ينبغي أن يفهمه الشباب وغيرهم أن الأخطاء والمنكرات، لا يسلم منها مجتمع، حتى المجتمع النبوي، وُجد فيه من سرق ومن زنى ومن شرب الخمر...، والخطأ يعالج بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالصخب والضجيج وإثارة الناس، ومع الأسف فإن غالبية دعاة الغَيرة والتهييج تحت ذريعة إنكار المنكر وفق الطريقة السبئية، هم أكثر الناس وقوعا في المنكرات، ولكنهم يرون القذاة في عيون الناس، ولا يرون الجذع في عيون أنفسهم، وبعضهم يعلمون ذلك لكن لهم مآرب أخرى، ومعلوم أن من أصول المعتزلة الخمسة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقصدون به: الخروج على الحكام، ولكل قومٍ وارث، فلا ينبغي التهويل والمبالغة، فالمجتمع ليس مجتمعاً ملائكياً، فالملائكة هم الذين لا يعصون الله ما أمرهم، أما البشر فمن طبيعتهم الخطأ كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)، وليس هذا ترخيصا لفعل الذنوب، كلا، فالذنوب تزيل النعم، ولكن لئلا تَسُود النظرة السوداوية المتشائمة، التي تجعل صاحبها يتنقل من التوجس إلى التوحش، وإنما على الإنسان أن يعيش متصالحاً مع نفسه ومجتمعه، واثقا بدولته، متفائلا بفضل الله ورحمته، قائما بما أوجب الله عليه من النصيحة وفق المنهج الشرعي، بعيدا عن التشاؤم، ففي الحديث الصحيح: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم)، وفي الحديث الصحيح أيضا: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة)، فترسيخ هذه النظرة المتفائلة لدى الشباب تجاه المجتمع والدولة هو مهمة الأكْفاء المتخصصين من أساتذة الجامعات، فهم الذين يقومون بهذا الدور التحصيني عن طريق عرض الأدلة النقلية، والحجج العقلية، برفق ورحمة وسعة صدر، وليس من المعالجة معاداة الدين الصحيح وثوابته، أو التجني على علماء الشريعة الراسخين، فهذا ليس علاجا، وإنما هو داء، وليست المعالجة كذلك في منهج أي حزب، بل تلك الأحزاب كالميازيب، تجمع الماء كدرا، وتُفرقه هدرا، فلا خير فيها، لكون أصحابها (فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)، ومتى تم اختيار الأكفاء لهذه المهمة في الجامعات، وتم تحديد المهام المنوطة بهم، وفق لائحة واضحة، فإن النتائج ستكون مثمرة، ووزير التعليم الدكتور أحمد العيسى يولي هذا الموضوع - فيما علمتُ - عناية فائقة، سدَّد الله الخطى، ونفع بالجهود.
 

أحمد الرضيمان        2017-11-03 1:19 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 14 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • الصحوة فكر يبرِّر للهيمنه. ما يدعو له د. الرضيمان, لو أخذ به [لا قدر الله] لأرجعنا الى الصحوه, صحوة من نوع ما دعاله السناتور مكارثي: التشكيك بنوايا الأكاديمين باسم الغيرة على الوطن و أمنه. saleh
  • مرحبا الأستاذ الفاضل غرم الله ، فيما أعلم ليس هناك كُتُباً مُقررة في قسم الثقافة الاسلامية في الجامعات ، وإنما هناك وصفا للمقرر ، يتضمن عدة مسائل شرعية ، يشرحها الاستاذ ، وهناك مراجع وليس مرجعا واحدا ، وإذا كان شيئا من المراحع المعتمدة يحمل فكرا ضالا ، فالواجب على الأستاذ ألا يحيلهم عليه ويكتفي بالمراجع الأخرى السلبمة، ويُبلِّغ إدارة الجامعة لإزالته من المراجع المعتمدة، والمهم ألا يكون الكتاب الذي جُل مرجعا فيه خطأ ، وهؤلاء الذين يمدحون أهل الباطل ، لايجوز أن تفرض كتبهم على الطلاب ،والذي أراه أحمد الرضيمان
  • وأخيرا أبا عبدالرحمن هل تعرف الطريقة السبئية ؟ إنهم أتباع عبدالله بن سبأ المنافق أثار بعض الناس على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه حتى قتلوه تحت غطاء ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، هذا المنهج السبئي هو الذي حذَّرت منه ، وأستغرب أن تعتقد أن توجيه السهام لهذا المنهج هو توجيه لفئة كبيرة من المحتمع ، أرجو حفظك الله أن تستغفر الله أحمد الرضيمان
  • شيخي الفاضل .. الق نظرة على الكتب المقررة في مادة الثقافة الإسلامية المقررة في الجامعات .. المستويات : (١+ ٢ + ٣ الخ.). ستجدها من تأليف إخوانيين يمتدحون حسن البنا ، وسيد قطب ، ومحمد قطب ، والقرضاوي .. وقليل منها يذكر ابن باز وابن عثيمين وابن سعدي .. من الملوم ؟ مدرس المادة ؟ أم الجامعة ؟ومن لم يمدحهم يحصل على تقدير (d) هذا إذا اجتاز.. غرم الله قليل
  • ومع هذا ياأباعبدالرحمن وفقك الله ، لم أذكر أسماء ، وإنما ذكرتُ سلوك ومنهجا خاطئا ، لعل أصحابه يتركوه ، لأن الذي يهمني المنهج وليس الأشخاص ، وأنا أرى إفراطا وتفريطا ، هناك من يثير الناس ، وهناك من يظن أنه الوحيد مع دينه ووطنه ، فيستفز الناس ، ويصيب الناس بالغثاء ، فلايقبلوا ما معه من حق ، وخير الأمور الوسط فلا جفاء ولا تملّق. أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل العنوان ليس هو ماذكرت وإنما هو ( الأمن الفكري في الجامعات) أما ماذكرتَه أنت فهو من وضع الصحيفة اختارته من المقال ، هذا أولا ، وثانيا : صحيح في كل مجتمع منكرات ، ولكنها في البلاد التي تحكم بالشريعة أقل من غيرها ، وكما قلت أنا في المقال : حتى القرون المفضلة وُجد فيه منكرات ، لكن تعالج بالحكمة والموعظة الحسنة ، ولا حاجة لإظهارها في الصحف ، أنا فقط انتقدت سلوك من يهيِّج الناس على ولاتهم باسم انكار المنكر ، وليس هؤلاء فئة كبيرة بالمجتمع كما تقول ، بل الغالبية ليسوا أهل إثارة أحمد الرضيمان
  • العنوان : ( دعاة الغَيرة والتهييج تحت ذريعة إنكار المنكر وفق الطريقة السبئية، هم أكثر الناس وقوعا في المنكرات، ) طالما هناك منكرات تعرفها فهل سعيت للحديث عنها واظهارها عبر الجريدة بدلاً ان توجه سهامك لفئة كبيرة بالمجتمع ... ابوعبدالرحمن
  • ليتنا نبدأ بتحصين الطلاب من من المعلمين المنتمين للأخوان المسلمين .. لأن الخوف من التجييش غير المباشر .. غرم الله قليل
  • يقال - والعهدة على من قال - أنه في فترة تجييش الشباب للذهاب ليحاربوا مع طالبان أفغانستان ، نيابة عن الأمريكان باطنا ، وجهادا في سبيل الله ظاهرا ، كان المجيشون من دكاترة الجامعات ، هم من المنتمين فقهيا لجماعة الأخوان المسلمين، الذين كانوا يحظون برضا أمريكا وتأييدها .. وكان الأمريكان ينعتون من يذهب لأفغانستان بالمجاهدين ، وابن لادن كان يُنعت من قبل الأمريكان ب"المجاهد الأكبر"! غرم الله قليل
  • وهذه البرامج التي أشرت لها مهمة ، بشرط مهم جدا ، أن يُختَار لإدارتها في المدارس والجامعات ومقام الوزارة الأكْفاء ، ولايمكن أن يعالج الناس من هو عليل ، لأن ذلك يؤدي حتما لفشل هذه البرامج ، والأكفاء في نظري هو ( 1- أن يكون متمكنا علميا ، 2- وأن يكون سالما من الأفكار المنحرفة 3- وأن يكون عاقلا متزنا 4- وألا يتخذ هذه المهمة سبيلا للارتزاق والشهرة والفلاشات 5- وأن يُحبِّب الولاة إلى الناس ، ويُحبِّب الناس إلى الولاة 5- وأن لايتدخل فيما لايعنيه . 6- وألا يؤذي الناس ويزايد على حبهم لدينهم ووطنهم ويظن أ أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل '' مسبار'' وجهة نظرك محترمة ، ووجهة نظري أن التحصين الفكري ومعالجة الأفكار المتطرفة من صميم عمل أستاذ الجامعة ، هل يُترك المتأثرين بالافكار الضالة من طلابنا فريسة للأفكار المتطرفة ، ونعتذر أن ذلك مهمة رئاسة أمن الدولة ، كلا ، نحن وأمن الدولة نكمل بعضنا ،كل فيما يخصه ، ونحن جزء من الدولة ، الدولة دولتنا كلنا ، وأمن الدولة في صالحنا كلنا ، ( يتبع) 1 أحمد الرضيمان
  • مرحبا الأستاذ الفاضل غرم الله نعم هو كما تفضلت ترسيخ الأمن الفكري أولوية ، يجب العناية به لمعالجة كل من تأثَّر بفكر منحرف من أستاذ أو طالب أو موظف ، وكما تعلم الشبهات خطَّافة ، ووسائل التواصل تبث كثيرا منها ، فلابد من التحصين الفكري ، وقبل ذلك وقاية الجميع من الأفكار المتطرفة أحمد الرضيمان
  • كيف يطلب من استاذ الجامعة أن يقوم بأمور لم تكن من ضمن مساره العلمي فضلا عن أنها ليست مسائل أكاديمية، أعني الأمن الفكري. جهاز أمن الدولة هو الأكفأ لإدارة برامج فطن والأمن الفكري والمناصحة مباشرة أو عبر الشراكة مع جهات أخرى. مسبار
  • الأولوية هي الأمن فكري من بعض المتدكترين الذين تأثروا بالفكر الإخواني ، الذي يسعى للوصول لكراسي الحكم ، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة ، ووسيلتهم الأولى الوعظ بأن "لا بيعة إلا لمرشدهم الذي يقوم مقام الخليفة المنتظر"، ويشابههم في ذلك فكر"ولاية الفقيه" فهاذان الفكران ينطبق عليهم مقولة"دحنا_خوات" ! غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال