الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

يوم في سجن الحاير (1-2)

قلت للأستاذة اللطيفة -من أمن الدولة- التي استقبلتني في المطار «من الجيد أنه ليس أسود»، لوهلة بدا أنها لم تدرك أني أعني السيارة «الجيمس» التي ركبناها إلى الجهة الأخرى من الرياض أو العالم الآخر منه، لكنها ضحكت بتهذيب بالغ وهي تعيد الترحيب بي في رحلة تعريفية بإحدى مهامهم في حفظ أمننا وسلامة وطننا من الإرهاب.
في رواية «جذور السماء» الفائزة بجائزة «غونكور» للروائي المشاغب رومان غاري، يقوم السجناء بتخيل فتاة جميلة معهم في الزنزانة، من قبيل التسلية، لكنهم شيئا فشيئا يقتنعون أنها موجودة فعلا، فتتغير حياتهم، فلا يلقون النكات البذيئة أو يتبادلون الشتائم، احتراما لوجود آنسة في المكان، ويبدؤون في الحرص على أناقتهم ليحظوا بالإعجاب منها.
يسمع مدير السجن بما يحدث ويقرر المشاركة في اللعبة، ويقتحم الزنزانة باحثا عن الفتاة، فيرتبك السجناء، فما من فتاة، لكن المسألة من حيث المبدأ غير مقبولة، فيرفضون تسليمها لأن ذلك ضد أخلاقهم، ويكون هو الأكثر رفضا السجين «روبرت»، فيتم أخذه لغرفة التعذيب ويُضرب بشدة، لكنه يواصل الرفض حتى ييأس مدير السجن ويعيده إلى سجنه، فيستقبله السجناء استقبال الفاتحين، إنه لم يدل على مكان الفتاة المتخيلة.
أتذكر هذه الرواية، والطريق يمتد نحو سجن الحائر، وأتذكر طفولتنا، أعني الذين صادفت سنواتهم الأولى سقوط طهران في يد الخمينية الريدكالية والأدلجة ودعاة الكراهية، والتي مثلت النموذج والقدوة لكل من يشترك معهم في الفكر والتوجه، وإن اختلفت ألوانهم ومذاهبهم.
في سبيل وصول هؤلاء إلى أهدافهم، جعلونا نقتنع بوجود وإمكان الوحدة الإسلامية والخلافة التي تجمع مئات الكيانات المختلفة -ليس فقط في الثقافة واللغة- بل حتى تفرعات العقيدة وطوائفها. ثم ملؤونا حماسا لها وثقة من وجودها، لكن في الواقع الطريق صعب، ويجب أن يكون هناك حل، ليخبرونا أن هناك حلا وطريقا واحدا لإرجاعها، وهو القتال والجهاد، لقد وضعوا ذلك في كل شيء لنا، حتى في أناشيد الأطفال وأهازيجهم في كتب التاريخ، بل حتى المسلسلات التلفزيونية، ولم يكن أحد بمعزل عن الغرق.
كلنا رأينا الجهاد حل نساء ورجالا، ولم يكن هناك راشد واحد مستعد أن يقول بصوت نسمعه: هذا خطأ كبير. الآن، هناك من يقوم بتصنيف كل من كان تحت أيدي دعاة الموت، ويقول: إخوان، وحركيون، وسروريون، وغير ذلك، لكن الواقع أن معظم من ينتمي إلى تلك الأجيال التي عاصرت تلك الفترة، لا يعرفون ما الإخوان؟ وما معنى حزبي، ومن هو السروري بالضبط؟
لقد تشربنا تلك الأفكار بهدوء، وانعكست حتى على جملنا وحياتنا، دون حتى أن نعي خطورتها، بَعضُنَا اندست في داخله، وحفظه الله من آثارها المدمرة، فقادته في دروب الحياة أمورٌ كثيرة غير أحلام الأمة الواحدة والخلافة وصد المؤامرات الغربية، والبعض الآخر أخذته الأماني الخادعة ليستيقظ في سجن الحائر، وذلك حديث آخر. 

عزة السبيعي        2017-11-04 11:40 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • من اروغ من الثعلب ؟ رواية تستحق الاطلاع بزاوية برج ايفل متعب الزبيلي
  • بالعكس لا اثر لها علينا ، أغلبنا يعرف بانه اذا رفع نداء الاذان بانه ان لم يكن متوضئاً يتوضى ويتجه للمسجد ويصلي ، اما مسميات وما مسميات فتلك نجهلها بل ولا نريد معرفتها ، ولا انعكاسات ولا اثر متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال