الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

مثاليون في أوراق الصحوة

جعلتنا الصحوة أبعد عن الإنسان وأقرب إلى الروبوتات الآلية المطيعة، وفق برمجة أرادها اللاعبون الكبار خلف صورتها الظاهرية، وأي شخص خارج إطارها هو شخص أقرب إلى الفاسد غير السوي، وهو بحاجة ماسة إلى الهداية.
علمتنا الصحوة أن الأخلاق لا ترتفع إلا في نموذجها وتنخفض خارجه، علمتنا أن نُخرج الناس من الملة بلمح البصر، طالما هم بعيدون عن فكرها وقطيعها، علمتنا أن ننتقص من خصومها مهما بلغ علمهم، وأن نتجهّم في وجوه الآخرين، ونشكك في ضمائرهم ونواياهم وتصرفاتهم، علمتنا أن نصم المخالفين بالتغريبيين، الليبراليين، العلمانيين!.
لم تقبل الصحوة بأقل من التبعية الكاملة لأفكارها، لذلك قدمت كل ما تستطيع لاسترضاء كل شيء وكل أحد، وجاءت بمفاهيم مشوهة لتحقيق ذلك الهدف، واستمات أفرادها في تعميمها كمسلمات في أحايين كثيرة.
ومما أتذكره، كيف أن كثيرين ممن استحوذت عليهم الصحوة بفكرها، ونشرتهم في كل مكان: «المدرسة - المسجد - المخيمات الصيفية - الشارع - المناسبات الاجتماعية»، تسابقوا في ابتداع بعض حركات التكبير والصلاة، وإطلاق الأحكام القطعية في المسائل الخلافية، كموضع اليدين على الصدر أو البطن، ومستوى رفع اليدين للتكبير، وتوزيع مثل تلك الأحكام ليس على علم شرعي كامل، بقدر استنادها إلى اجتهادات من بعض أولئك الصحويين الصغار، اختلط معها الصواب بالخطأ، لأنها خضعت لمزاجية المتحدث الصحوي بها، وإطلاق العنان له ليقول بكيفية الأشياء طالما هو تحت سيطرة فكر الصحوة، ليشغلوا الناس بكيفيتها وجوازها من عدة طرق، بينما لم يرد في منهجهم أي تقدير للعقل وقدراته وضرورة إعماله في المطروح، فالعقل آخر ما يمكن الإشارة إليه في المنهج الصحوي.
هكذا بكل بساطة تمكنت الصحوة من تجنيد البسطاء فكرا وعلما، ونشرهم، لأن الهدف لم يكن توضيح تعاليم ومفاهيم الدين وبساطته، بقدر الهدف البراجماتي المتمثل في الاستحواذ على الشارع.
جاءت الصحوة بنماذج أقرب إلى الدراويش السطحيين علما وخلقا منهم إلى المتفقهين الحقيقيين، لهم القدرة على التصدي للإفتاء حتى لو لم يسألهم أحد، ليصنعوا مجتمعا يعرف أفراده كثيرا من المعلومات المغلوطة والمشوهة، وكرست عبارات منتقاة استخدمت في غير مواضعها، لا يدعمها منطق التفكير والحوار، لحشد أكثر عدد ممكن من المناصرين والمتعاطفين، حتى وإن لم يكن متشددا منخرطا في قطيعهم، يناقشك ويحاججك باسم الدين وهو أبعد منك إلى المسجد، يستمع إلى الغناء وهو مؤمن بتحريمه، ينكرون تحديد مدة عقد الزواج ويسافرون إلى ما وراء البحار ليمارسوه، هكذا أوجدت جمهور المتناقضين والمتناقضات في المجتمع.
وهو ما نعاني من آثاره حتى اليوم، فترى المعارضين لتصرفات الشارع ليس من باب الخطأ والصواب، بل من باب القول بالحلال والحرام، والأخيرة جاءت نتيجة تلقين أكثر منه إيمانا وتمكنا وفهما لمقاصد الدين ومضامينه، بعكس الأولى التي يترتب عليها المنطق والوعي والإدراك والمسؤولية، حتى تصدى للرد كل من هبّ ودبّ، ونصّب نفسه غيورا على الدين من دون المسلمين.
الغريب، أن يظن بعض الذين يمارسون دور المثالية، أن أمر الصحوة انتهى فجأة هكذا، لكنني أجزم -بحكم معايشتي فترة مهمة من مشروعها- أن موتها نهائيا إلى غير رجعة يحتاج إلى مرور وقت أطول مما يعتقد أولئك البعض -من وجهة نظري- مع تقديري لكل ما حدث، إذ يكفي أن تفتح موضوعا متعلقا بالحفلات الغنائية، أو حضور العائلات لها أو للملاعب الرياضية مثلا، لترى عدد الذين سيهُبّون لمعارضتك وشتمك بأقذع الكلمات في قاموس الصحوة، ونبذك بأشنع الأوصاف، حتى وهم يظهرون في أشكال المنفتحين على العالم والفكر والثقافة، ويرفعون شعارات التعايش والتسامح، ويلبسون سراويل الجينز والبرمودا، ويقصون شعورهم الكابورية والرونالدية، في مشهد متناقض عنيف تعيشه تلك الشخصيات المسكينة!.
يحدث هذا لأن البرمجة الصحوية اشتغلت كثيرا على الأدمغة، وسوّقت كل ما يمكنه أن يضع بيوت المجتمعات العربية في متناول قبضتها، متى شاء مسيروها تحريك أفرادها المغلوبين على أمرهم دون أن يشعروا بذلك، وقد حدث ونجحوا مع أعداد غفيرة من الشوارع العربية، أنتجت انتحاريين ومهووسين بالدماء والذبح وقتل الأبرياء.
إن ما فعلته الصحوة في المجتمعات العربية جريمة لا يمكن نسيانها بين عشية وضحاها، أو أن ذلك قابل للقفز عليه ممن هبّ ودبّ للتنظير للماضي أو الحاضر أو المستقبل. هناك وقت فاصل لا بد أن يمر به الجميع، وإن كان قاسيا، لكنه مهم للتخلص من تلك المفاهيم التي سرقت جزءا كبيرا من أعمارنا في زمن مضى.

صالح الديواني        2017-11-16 12:09 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 17 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • حمد: عندما كنا صغارا،كنا نسمع -حمّالين- البضائع في السوق يصيحون(صاحى..صاحى ) وكنا نعجب من هذه العبارة..وعندما كبرنا ادركنا معناها@فالح:ماذا كانت تعني؟@حمد:تعني انتبهوا من (الصحوة )!! احمد سليمان
  • منذ بضع سنين كنا نرى قومنا سياحا في اوروبا والشرق-جاطلين-كل كتلوجات -الصحوة ودعاتها- بعرض وطول الحائط,ولكن تضطرهم الظروف إلى -التظاهر- بلوائح الصحوة المتزمتة عند عودتهم إلى الوطن.. احمد سليمان
  • قد يقول قائل إن في بعض الناس بقية من شوائب الصحوة وأن الأمر يحتاج إلى زمن لمحو هذه-الخطيئة- ..وهذا ممكن اذا اقتنع اليابانيون أن ركوب الحمير أفضل من (الكامرى)200أس..! احمد سليمان
  • صحيح أن -الصحوة- لوثت العقول وسممت الأفكار ، والناس تعايشوا مع ترهاتهم وخزعبلاتهم وتشددهم الأعمى ..كان القوم على مضض والدليل هذا السرور والفرح والنشوة البادية على وجوه الشعب صغيرا وكبيرا..كانت هذه السعادة نتيجةانطفاء الصحوة وإلى الأبد.. احمد سليمان
  • عم الاكتئاب والضغط والسكروالحزن والتكشير جموع الشعب ..هذا ما جلبته الصحوة ودعاتها من أمور تخالف الطبيعة البشرية و سماحة الدين ...لقد -انقلعت - الصحوة الى غياهب الكهوف وإلى الأبد حيث موطنها الذي خرجت منه.. احمد سليمان
  • صدق الأستاذ الكريم في قوله( ان الصحوة لن تعود ..وان موتها نهائيا الى غير رجعة)..وهذا ما تثبته الأيام ،اذ كيف للناس ان تتخلى عن مكاسبها التي تحققت بعد طول قحط وجفاف..تعليم المرأة، ودخولها الشورى والعمل وقيادة السيارة ودخول الفرح والغناء الى قلوب الشعب.. احمد سليمان
  • دعاة الصحوة اوقفوا مسيرة القوم سنين ،تحسب في عمر الشعوب قرون، الدعوة الى التخلّف ليست وحشية وهمجية ..بل جريمة بشعة في حق المجتمع، يلزمها العقاب العظيم.. احمد سليمان
  • دعاة الصحوة حوّلوا الفرحة إلى تعاسة والنور الى ظلام دامس، والعلم إلى خزعبلات وأوهام وسحر وشعوذة، وهذا أمر طبيعى لأن عقولهم مقفلة وأودعوها في كهوف قندهار.. احمد سليمان
  • رائع..رائع.،،رائع ولن تكفى كل الكلمات للتعبير عن روعة المقال والتحليل الموضوعي البديع ، أقوال تصف الحالة البائسة التي تزعمها دعاة الصحوة. احمد سليمان
  • الصحوة تعني التدين و هذا شئ طيب وكل مسلم يحب هذا ، أما المحرمات فيجب أن نكرهها حتى لو أسمونا صحويين ..وقد ضرب الكاتب مثالا بالحفلات الغنائية .. أنا أكرهها سواء أسميتني صحوي او غيره علي الشريقي
  • أقسم بالله بأنني لا أعرف شيء اسمه صحوة ولا أدري من هم السلفيون ولا الآخوان ولا شيء ،أعرف إذا نادى الاذان أقول الله اكبر وأتوضأ وأدعو ملك الملوك بأن يتقبل مني أعمالي الصالحات وان يغفر ذنوبي ، ولا أدري متى وأين وكيف هي تلك الصحوة التي يتكلمون عنها الكاتب، ولكن من خلال قراءتي أيقنت بأن من يأتي باسم الصحوة له مآرب بعيدة المدى متعب الزبيلي
  • فهد المطيري وأنت مصدق بأن هدف الكاتب إبادةالآخوان او أنهم أساسا يهمونه ، هذا غايته اجتثاث كل شيء ، ولكن يبطي عظم ، والمأذن نسمع منها الاذان وهي تزلزل كيان الأشباه ، تلك النوعية وبتحدى ان تسطيع كتابة حرفين حول الحوثيين ، ثقافة مبنية على حقد دفين ، واحلى مافي الحقد بأنه يجعل صاحبه يتآكل حتى يقضي بعضه على بعضه ، ولا وش جاب طاري الصحوة وهل هي قضية حتى تتم مناقشتها ، ليس لديه مقدرة الا في هذا المجال وإن اختلف السياق متعب الزبيلي
  • حتماً إنه معيب حين يكون أحد رموز الصحوة يوما ما، هو الناصح بعد أن تشكل ولبس ثوبا آخر وهل نثق في بقائك على توجهك اليوم أو في الغد يخرج لنا مسمى جديد ونجدك تلتحق به متعب الزبيلي
  • كلامك عين الواقع والصواب وبالإمكان تدارك الأمر بكشف رموز التخلف مثل رموز الفساد كلاهما يدمر المجتمع ويدفع به إلى الوراء بخلاف شعوب العالم الفساد يأكل قوت الشعوب والمتخلف يدمر عقول الشعوب وكلاهما كان مجتمعنا ضحية لهما البدار البدار يدا واحدهة وإرادة واحدة للقضاء عليهما قبل فوات الأوان عبدالله الرشيد الرياض القصيم. الرس
  • الحقيقة هذا كذب واتهام أنا كليبرالي متحرر في عصر الصحوة المزعومة نذكر منتصف التسعينات اقتنوا السعوديين الدش الستلايت وقبله الأسر السعودية لديها الفيديو وتتابع المسرحيات الكويتيات واغاني الفنانات ذكرى ونجوى كرم والان اقولها بكل صراحة لانستطيع نبيد الاخونجية واصلا هم سابقا همهم الحكم والسلطة اصلا المتعمن بالاخونجية يجدهم حركة سرية باطنية مثل الشيعة وليبرالية بنفس الوقت أنا أذكر بداية الالفية وعام 2003 صار لدينا حلف ليبرالي اخونجي ضد السلفية وواضح هذا بالصحافة فهد المطيري_السعودية
  • بعض رموز الصحوة لا يزالون يمارسون أعمالهم من نفس الأماكن التي احتلوها بفكرهم الضحل المضلل منذ أكثر من ربع قرن ولا يزال أتباعهم بالملايين على تويترات هذه الرموز. مسبار
  • أنا من سكان ضاحية لبن وشبه يوميا أسمع من المساجد خطباء بعد صلاة العصر وصلاة المغرب والعشاء تذكرنا بأيام الغفلة. ناصر العلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال