الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

حول دمج الأجهزة الرقابية

هناك تجارب دولية في مجال الرقابة الحكومية ومكافحة الفساد، يمكن الاستفادة منها عند قياس كفاءة المنظومة الرقابية في المملكة

تعددت المطالبات بدمج الأجهزة الرقابية وتوحيدها في جهاز واحد، عن طريق إنشاء مجلس أعلى للجهات الرقابية، يرتبط بالملك مباشرة، يختص بالرقابة الشاملة بشقيها «المالي والإداري» على الجهات الحكومية، وذلك لتحقيق مبدأ المساءلة في الدولة وزيادة التنسيق بين تلك الجهات، إذ يرى بعض المختصين والمهتمين في هذا المجال «وجود ازدواجية في اختصاصات الجهات الرقابية التي تشمل ديوان المراقبة، وهيئة الرقابة والتحقيق، وهيئة مكافحة الفساد، بل وحتى هيئة حقوق الإنسان، إضافة إلى جهات أخرى ربما لا تكون رقابية، لكنها تؤدي أعمال الرقابة مثل المباحث الإدارية. لهذا التداخل أثرٌ سلبي في إرباك الجهات الحكومية، ومضاعفة كلفة الرقابة وضعف النتائج».
تحدثت في مقالات سابقة في «الوطن» عن طبيعة العمل الرقابي في ديوان المراقبة العامة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة»، وكذلك هيئة الرقابة والتحقيق، ووزارة المالية، وذكرت أنه لا توجد ازدواجية بين هذه الجهات من الناحية النظرية والتنظيمية، خاصة بعد انتقال نشاط الرقابة المالية من هيئة الرقابة والتحقيق إلى ديوان المراقبة، ومع ذلك قد نجد بالفعل ازدواجية في الممارسة على أرض الواقع بين تلك الجهات، وهذا يرجع إلى عدم وضوح طبيعة العمل الرقابي، إضافة إلى المنهجية التقليدية القديمة التي تعتمد عليها الجهات الرقابية.
فعلى سبيل المثال، هناك ازدواجية في عملية الرقابة المالية بين ديوان المراقبة ووزارة المالية، بمعنى أن الديوان يمارس الرقابة اللاحقة بآليات الرقابة المسبقة نفسها التي تمارسها وزارة المالية، فضلا عن وجود تضارب في المصالح بين الديوان والوزارة، ورغم الجهود المبذولة لتطوير آليات الرقابة، إلا أنها ما زالت تعود إلى المشكلة نفسها، وهي الرقابة المستندية، سواء كانت سابقة أم لاحقة.
وبناءً على ما سبق، أرى أن دمج الأجهزة الرقابية في جهاز واحد يضعف من استقلالية ديوان المراقبة العامة.
فعلى سبيل المثال، لو تم ضم الرقابة المسبقة ونقلها من وزارة المالية إلى الديوان، فإنه في حال اكتشاف مخالفة جوهرية في الرقابة اللاحقة، ربما يُغَض الطرف عنها لأنها لم تُكتشف خلال الرقابة المسبقة، كما أن الديوان سينشغل بهذه الرقابة في وضعه الحالي، وربما يعترض معترض على هذا الكلام ويقول: «من الممكن أن الديوان يغض الطرف عن بعض المخالفات في وضعه الحالي، وذلك لأن ميزانيته لا تعتمد إلا من وزارة المالية، فضلا عن أن منظومة الرقابة والمحاسبة لم تكتمل في الأنظمة الحكومية، لذا فما المانع أن توحد الرؤية إلى العمل الرقابي، ومتابعة العمليات المالية منذ نشوئها حتى انتهائها، مما يمكّن من إعطاء تقويم موضوعي شامل من الديوان».
ولو سلّمنا جدلا بالصحة المطلقة لهذه الفرضية، فأعتقد أن الوضع لن يتغير، لأن المشكلة الرئيسية للرقابة في رأيي تتعلق بمنهجية وآليات الرقابة نفسها، كما ذكرت آنفا.
أما فيما يتعلق بدمج الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» مع ديوان المراقبة، فإن العمل الرقابي سيصبح فضفاضا غير محدد بآليات معينة، وبالتالي يؤدي إلى تشتت الرقابة الأساسية للديوان المتمثلة في مراجعة الحسابات المالية الحكومية والموازنة العامة للدولة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد سلطة استدلال وجمع للمعلومات، وهي ليست مسؤولة عن منع الفساد، بل عن اكتشافه، بينما الديوان مسؤول عن منعه والحد منه خلال مراقبة الأنشطة الحكومية المعرضة لمخاطر الهدر والغش والفساد وسوء الإدارة، والعمل على إزالة أسباب ارتفاع هذه المخاطر، وفي حالة الدمج ستطغى المسؤوليات على حساب الأخرى «المنع والاكتشاف» وربما تشتتها.
أما بالنسبة لمقترح دمج ديوان المراقبة مع هيئة الرقابة والتحقيق، فسيكون لدى الديوان صلاحية الضبطية القضائية، والمتمثلة في مهام التحقيق والمحاكمة، وفي حال اكتشاف الديوان المخالفة المالية والإدارية، فإنه يحق له اتخاذ مجموعة من إجراءات الضبط القضائي، والتي منها على سبيل المثال سلطة التحقيق مع المتهمين، وسماع أقوال الشهود، واستعمال القوة، وطلب أمر القبض على المتهمين، والادعاء أمام المحكمة المختصة، وعليه يصبح ديوان المراقبة خصما وحكما في آن واحد، وهذا الأمر
سيضعف من استقلالية الديوان أيضا، بل ويضعف دوره الرئيسي في الرقابة اللاحقة على المال العام، وليس هذا وحسب، بل ستكون هناك ازدواجية مع النيابة العامة في مجال جرائم ومخالفات الأموال العامة.
هناك تجارب وممارسات دولية في مجال الرقابة الحكومية ومكافحة الفساد، يمكن الاستفادة منها عند قياس فعالية وكفاءة المنظومة الرقابية في المملكة، من خلالها نستطيع تحديد مقترحات مناسبة وحلولا عملية تتعلق بالسياسات والقوانين والمنهجيات التي يجب إحداثها في الهيكلية الرقابية، لتحسين وتفعيل عمل الأجهزة الرقابية، وتعزيز استقلاليتها.

سطام المقرن        2017-11-20 9:46 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • عمليات الرقابة والمتابعة تحتاج إلى ضوابط محددة وأن تكون الميزانيات مستقلة بحيث تصرف من المالية وتكون مسوؤليتها على الجهة المصروفة لها وبذلك يتم المتابعة من الجهات الرقابية أما النظام الحالي ففيه ثغرات لتقييد الصرف من وزارة المالية وكان هذا النظام معمول به قبل أكثر من 30عاماً أبو عبد الله
  • تنحصر مهمة المباحث الإدارية حول " البخشيش " او الدفع للموظف والمسؤولين ، ولا علاقة لها بالاختلاسات المالية، وتعتبر أنموذجا يحتذى به من حيث تحقيق تقدم هائل بالمهمة المناطة بها من خلال اكتشاف حالات الدفع مقابل تقديم الخدمة . . ومسألة الدمج قد تؤثر سلبا على مهام المباحث الادراية ، اما أن يتم دمج الدوائر الأخرى المعنية بمراقبة الفساد فهذا يجب ان يتم بالفعل لعله يحقق الفايدة المرجوة، أو كما تذكر بأن ليس هناك ازدواجية متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال