الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

مهنة التعليم وشماعة البكالوريوس

خلق الله الإنسان وميزه بالعقل ليفكر ويتأمل في جميع مخلوقات الله وآياته، فُيعمِل عقله ليفهم ما يتعرض له من أقدار وما يواجهه من تحديات وإشكالات مختلفة تعطي للحياة معنى وتجعل لها قيمة، وتلك سنة الله في الكون، وبالعقل توصلنا للعلم وارتقينا في سلمه درجات واجتزنا مراحل من التقدم والإنجاز في مسيرة الحضارة الإنسانية التي حُفر أساسها منذ بداية الحياة البشرية، فبُنيت لبناتها على مر العصور لتستند فيه كل لبنة وكل معرفة على سابقتها، وما زلنا نتابع المسيرة في البحث عن المعرفة وتحصيلها للاستفادة منها في مواجهة تحدياتنا وحل مشكلاتنا، ولتكون مرشدنا ووسيلتنا في الإبداع والابتكار لكل جديد ينعكس خيره وفائدته علينا وعلى مجتمعاتنا والبشرية جمعاء، وبتراكم المعرفة والاستثمار فيها يتولد الإبداع وتُبتكر الحلول، وعليه فإن العلم هو الأساس الذي به ومنه نبدأ في حل إشكالاتنا، وبمضمونه نُحلل ونفكك تحدياتنا إلى مفردات نستطيع حلها بالتحليل والدراسة والربط بين أطراف المشكلة، وذلك بعد أن وفر لنا العلم المعرفة والأدوات العلمية وطرق التحليل والتقييم المهنية الدقيقة التي تساعدنا للوصول إلى حلول لمشكلاتنا ومعالجتها بأسلوب علمي صحيح ومنهج دقيق يتفق مع منجزات العصر والتقدم العلمي، وبصفة أدق مع طبيعة مشكلاتنا، وبذلك و(بالعلم) لا تكون حلولنا عشوائية وارتجالية بعيدة عن واقعها الحقيقي ولا تلامس تطلعاتنا وجهودنا، وإلا فنحن نهمش بذلك جميع ما نتعلمه جانبا ونهمل أبسط حيثيات البحث العلمي في تقصي واقع المشكلات من ميدانها الطبيعي، وبالتالي فإننا نـحكم على حلولنا بالفشل الذريع منذ البداية لأنها لا تتناسب مع مشكلاتنا ولا توائمها، فتظل المشكلة قائمة ويستمر الهدر والاستنزاف لمواردنا المالية والبشرية دون جدوى، بالإضافة إلى الجهود والأوقات الضائعة والعمر المهدر في زمن يتسابق فيه البشر والأمم نحو الإنجاز والتقدم.
لعلنا لا نبالغ إن قلنا إن جميع مخرجاتنا التعليمية من التعليم العام لعقود خلت وحتى الآن، هم ممن تلقوا تعليمهم على أيدي معلمين ومعلمات لا يتجاوز تعليمهم البكالوريوس «الليسانس»، بل إن لم يكن أقل من ذلك المؤهل في مراحل التعليم الأولية، وكان ذلك في بدايات نهضة التعليم وعقوده الأولى، حيث كان يقوم على التعليم فئة كبيرة من المتعاقدين غير المواطنين إلى جانب قلة من المواطنين الذين أسهموا في بناء ووضع أساسيات التعليم ومنهجه في بداياته الأولى، ثم كانت الفترة التالية والتي بدأت فيها جامعاتنا وكلياتنا الوطنية تضخ مخرجاتها من المواطنين الأكفاء من حاملي مؤهل البكالوريوس الذين تحملوا عبء المسؤولية الوطنية في تعليم أجيال تخرجت على أيديهم، وبجهودهم نفتخر وبمخرجاتهم يعتز الوطن، بل ما زال بعضهم على رأس المسؤولية في قطاعات مختلفة ومنها التعليم، كما لا تزال مخرجاتهم من التعليم العام تقوم بمسؤولياتها على أكمل وجه، إذن أين الخلل؟! وما سبب ضعف مخرجاتنا التعليمية من التعليم العام بداية، ومن الجامعات تاليا؟! هل هو مؤهل البكالوريوس؟! أو أنه أحد أسبابه! أم أنه ليست له علاقة!
في الحقيقة إن تحليل المشكلة بموضوعية وبمنهجية علمية دقيقة يحتاج لدراسات ميدانية شفافة وعميقة لرصد واقع وحجم المشكلة وتحديد أهم العوامل والأسباب التي أسهمت في ضعف المخرجات، وذلك يشمل التعليم العام والجامعي معا، والذي لا يمكن حصره تحديدا في ضعف المحصلة العلمية للمتعلمين من خريجي البكالوريوس أو أن يكون أحد أسبابه، والذي انعكس بدوره على ضعف التحصيل العلمي لمخرجات التعليم العام لكون تلك المخرجات من البكالوريوس هي من تتحمل مسؤولية التعليم العام، وإنما على النقيض قد يكون ذلك المؤهل العلمي (البكالوريوس) هو أقل العوامل أو الأسباب المؤثرة في تعليق ضعف مخرجات التعليم العام على شماعته هذا إذا اعتبرنا أنه أحد الأسباب، وذلك بالإشارة إلى قرار وزارة التعليم الأخير حول عدم كفاية مؤهل البكالوريوس لتأهيل المواطن لمهنة معلم أو معلمة في التعليم العام! وأصبح الماجستير أو الدبلوم العالي ضرورة ومتطلبا لكل مواطن يستهدف مهنة التعليم.
وبطبيعة الحال لا يمكن تلخيص جميع الأسباب التي أدت إلى ذلك الضعف الملحوظ في مخرجاتنا من التعليم العام والجامعي على حد سواء، في مقال منفرد وفي عجالة، ولكن يمكن الإشارة إلى أهم الأسباب التي أدت إلى تلك النتائج الوخيمة في مخرجاتنا من واقع رؤية وتشخيص نتج عن ممارسة وخبرة في التعليم الأكاديمي والإداري، ومتابعة ومراقبة واهتمام بالشأن التعليمي بصفة عامة، وبمواردنا البشرية ومسيرتنا التنموية خاصة، والذي يمكن تلخيصه في نقاط محددة هي:
 قبول الجامعات نسبا منخفضة من مخرجات التعليم العام ولذلك أسبابه المجتمعية والأكاديمية والمؤسسية المختلفة التي انعكست بدورها على ضعف مخرجات التعليم الجامعي ذاته.
 عدم وجود كليات مجتمع بتخصصات متنوعة وجيدة في مضمونها العلمي والتأهيلي لتواكب العصر والتقدم العلمي والحاجات التنموية، والتي يمكنها استيعاب مخرجات الثانوية من النسب الضعيفة، والذين بهم نؤسس البنية التحتية لسوق العمل من الكفاءات الوطنية.
 عدم تنفيذ آلية دقيقة وشفافة في تعيين أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، والذين على أيديهم تكون تلك المخرجات، وذلك بعد أن سادت المحسوبية والفساد في آلية التعيين، فلم يعد المؤهل المتميز علميا هو من يستحق الوظيفة، وإنما يستحقها من له شفاعة وعصبية ومعرفة تخدم تعيينه، وبذلك انـحدر التعليم ومخرجاته.
 عدم وجود نظام فعلي وقانون ومعايير صارمة مدروسة تحكم عملية تعيين المعلمين والمعلمات، فليس كل من يحمل البكالوريوس مؤهلا لأن يكون معلما حتى وإن حصل على دبلوم تربوي، لأن مهنة التعليم تتضمن (علم، قدرات، موهبة، استعدادا، تمكنا، شخصية، وغيره).
 عدم وجود اهتمام جاد وشامل لجميع المدارس والمناطق بتطوير أداء المعلمين وطرق تدريسهم، ومتابعتهم وتقييمهم وتحفيزهم بصفة مستمرة من قبل نخبة من المعلمين المتميزين السابقين الذين يمكنهم المساهمة إلى حد كبير في تقويم الأداء وتطويره.
 عدم الاهتمام بتوفير بيئات تعليمية ملائمة وجذابة وفاعلة للمتعلمين ذاتهم وللمعلمين كذلك، والذي انعكس على انخفاض عن المستوى المأمول في المخرجات، لعدم توفر البنية التحتية الأساسية لنجاح العملية التعليمية وما يتعلق بها من مبان ووسائل تعليمية وخدمات ملحقة وغيره.
ومما تجدر الإشارة إليه أن ما كان مقبولا من العملية التعليمية في العقود الأولى من التعليم ومسيرة التنمية بجميع مضمونه المتواضع في الإمكانات والخدمات والبيئة المدرسية وغيره، لا يمكن قبوله الآن لتغيرات العصر بمكتسباته المستحدثة، وبتغير الأجيال ذاتها وطبيعة متطلباتها وتطلعاتها، وذلك يتطلب مواكبة العصر بجميع تطلعاته ومتطلباته المادية والبشرية والعلمية والتقنية. وعليه فلم يكن المؤهل العلمي «البكالوريوس» هو الإشكالية في قصور المعلمين ومدى تمكنهم من معرفتهم ومهنتهم وأدائهم، فذلك المؤهل هو السائد في التعليم العام في معظم دول العالم، وإنما الإشكالية في منظومة متسلسلة من الآليات والإجراءات التي تقوم عليها العملية التعليمية برمتها، وبتكاملها وتطوير أدائها يكون النجاح والتميز، ويكون الحصاد مثمرا، وذلك مرهون باتباعنا الأسلوب الصحيح والمنهج العلمي في تحديد المشكلة وملابساتها وما يتعلق بها من مكونات ومؤثرات وعوامل ذات صلة، وبذلك نضمن النتائج المأمولة والنجاح والتميز في المخرجات فنجني الثمار.

عبلة مرشد        2017-11-21 11:00 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • قلنا لقد أصبحت المخرجات التعليم العام (صفر مكعب) .. والضحية مستقبل ابنائنا واقتصادنا المعرفي ؟!! أخشى ما أخشاه يا دكتوره.. وأتمنى أن تتطرقي له.. (مع حفظ الحقوق).. وهي "عدم الاستعجال في سعودة استاذة الجامعات" .. يجب أن يكون هناك معايير عالمية.. ولا تخضع للمحسوبية.. لأننا نشاهد في الجامعات العالمية هناك.. الاستاذ العربي والاسترالي والهندي.. يدرسون في أعرق الجامعات الأمريكية.. لأن هذا قطاع "أكاديمي" علمي لا يخضع لسياسات اقتصادية ولا توطين وظائف؟!! نتمنى الحديث عن هذا الموضوع "عدم سعودة اساتذة الجا خالد التغلبي
  • نعم ربما توصلت لبعض أسباب "المشكل" في مخرجات التعليم العام.. وما وصل إليه أبنائنا من مستوى متدني رغم الامكانات والوسائل المتاحة.. ولكن يبقى "المعلم" هو (مربط الفرس) .. أعتقد يا دكتوره.. أن استعجال الدولة في سعودة التعليم العام قبل خمسة عشر عاما.. كان (متسرعا جدا).. لقد اختلط الحابل في النابل.. في تعيين المعلمين والمعلمات.. وأصبحت هذه "المهنة" مهنة من لا مهنة له من خريجي الجامعات.. للأسف الشديد.. ونحن وانتم نعلم بأن "التعليم" مهنة وليست "وظيفة" .. هنا.. أصبحت المخرجات (صفر مكعب) .. والضحية مستقبل خالد التغلبي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال