الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

صفقات النائب العام

نحتاج إلى استمرار الإصلاح القانوني الجاد، فالجرائم الإلكترونية مثلا وما تشهده الأجهزة الحكومية من هجمات إلكترونية يتطلبان تحولا شاملا في المشهد القانوني

ما يمر به المشهد السعودي الداخلي والخارجي من تحولات شيء لافت للنظر، ويدعو إلى التفاؤل بمستقبل مشرق، ومن هذه التحولات التي أطلت علينا مؤخرا تحول قانوني مهم، فقد صدر أمر ملكي كريم باستقلال النيابة العامة وارتباطها مباشرة بالملك، الاستقلال كان من الأهمية بمكان نظرا لما سوف تمارس النيابة العامة من اختصاصات تحتاج فيها للاستقلال والقوة في التنفيذ على أي شخص كان، وفي أي قطاع حكومي كان أو خاص، وما الأحداث التي تلت استقلال النيابة العامة إلا دليل على صواب القرار وحنكته، النائب العام أو المدعي العام في أي دولة هو شخص مهم للغاية، فهو يمثل صوت المجتمع أمام المحكمة، وهو من يطالب بإيقاع أقصى العقوبة على المتهمين ردعا لهم ولأمثالهم.
على صعيد متصل فإن الإصلاح في شتى مفاصل الدولة يتطلب أحيانا الاطلاع على تجارب الدول المتقدمة التي سبقتنا، وكما هو متعارف عليه فالعلوم والمعارف الإنسانية تراكمية يأخذها الإنسان من حيث انتهى غيره، ومن هذا الباب أعرض عليكم اليوم فكرة صفقات المدعي العام، يملك المدعي العام في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال سلطة تخوله عقد صفقة مع ممثل المتهم محامي الدفاع أو المتهم نفسه بغية سحب الاعتراف بالفعل الجرمي، وترتيب قبول المتهم بالعقوبة المحددة مسبقا حسب القانون، ويوقع على ذلك في عقد معد حسب حيثيات القضية، وهذا طبعا لا يعفي سلطة القاضي، بل بالإمكان أن يمارس رقابة لاحقة، هذه الخاصية قد تخفف من السيل الجارف للقضايا الجنائية المطروحة أمام القضاء، كما أنها تعطي مساحة إنسانية للمدعي العام لدراسة القضية وتكييفها ليس فقط للوصف الجرمي، بل يمتد للعقوبة التي تطال المتهم، هذا الأسلوب صفقات المدعي العام مع المتهمين أداة قانونية ممتازة، حيث إنه في بعض القضايا والتي يعلم تماما المدعي العام والمحقق فيها أن المتهم له يد فيها، ولكن الأدلة ظرفية بمعنى تشير الأدلة في مسرح الجريمة إلى المتهم، لكن لا يوجد هناك دليل مادي يربطه بالجريمة بشكل مباشر، وقد يبرأ المتهم لعدم كفاية الأدلة، فيقوم المدعي العام بعرض صفقة عليه بدل أن يأخذ المتهم فرصته في المحاكمة، والتي قد لا تكون فرصة مبشرة بالخير له، ويقبل المتهم بالمثل القائل «عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة»، كذلك قد تنفع هذه الأداة في القضايا الوطنية الخطيرة كالإرهاب، حيث يستطيع المدعي العام إسقاط كافة التهم على المتهم نظرا لتعاونه في التحقيق، ولتقديمه معلومات مهمة قد تغير مجرى التحقيق، وتكشف عن خلايا نائمة وما شابه ذلك، فالمعلومات في مثل هذه القضايا جواهر ثمينة، ودور القاضي بشكل عام أن له الكلمة الفصل في أي نزاع معروض أمامه، ولكن في حالة صفقات المدعي العام فالمدعي كممثل للمجتمع يختار العقوبة المناسبة للفعل الجرمي بعد التكييف القانوني، وليس للقاضي رقابة على ذلك إلا أن يحكم بصرف النظر عن القضية برمتها أو يوجه المدعي العام بأن العقوبة غير مناسبة حسب القانون، فيغير المدعي العام الصفقة بناء على ذلك. نحتاج في مملكتنا الحبيبة إلى استمرار الإصلاح القانوني الجاد، فالجرائم الإلكترونية على سبيل المثال وما تشهده الأجهزة الحكومية من هجمات إلكترونية دولية منظمة مؤخرا، يتطلبان منا تحولا شاملا في المشهد القانوني، ولنبدأ بالقاضي، فكيف يحكم بالقانون شخص لم يدرسه كقضاة المحاكم العامة؟!
لذا آمل أن تستمر مسيرة الإصلاح وبخاصة في الجانب القانوني للدولة، وبناء على كل ما سبق أقدم هذا الاقتراح للنائب العام ومن يهمه الأمر، فمثل هذه الأداة القانونية أمر لا بد من دراسته والإحاطة به. 

أصيل الجعيد        2017-11-23 11:26 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 5 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • حمد: كثرة عدد المتهمين ،يستلزم عدم الابطاء فى الاحكام@فالح:ولكن الخشية من عدم انتظام-الميزان-@حمد: مو همّه سنين ومنين هلكوا الميزان والقبّان والمكيال وشفطوا ظلما الكيلوات والاطنان..مو كفايه عليهم،يا رجال حتى البحر شفطوه! احمد سليمان
  • حصّه : ما الذي فعلته سنغافوره حتى تحقق نهضتها، هو الأخذ من تجارب الاخرين الرائده الناجحه، وخاصه الاداريه@هيا:لأنها لا تملك (موروث) تلجأ اليه @حصّه: نعمالها ..والا لبقيت خامله ،بعوض و-يحككون- ظهورهم بالجدران! احمد سليمان
  • الحفيص من يسعى للحاق بالقطار، فالانتظار فى المحطة قد يطول وربما لا يأتي قطار آخر،وما دامت فرص اللحاق بالناهضين سانحة،فلما لا نستفيد من أنظمة دوله الأعظم في العالم! احمد سليمان
  • مصيبة القوم ترديد ( مايوافق ويلائم بيئتنا ...) الخ من الأقوال التي هي مجرّد للهروب من (حالات و أطر) عتيقة عفى عليها الزمن ومحاولة لتهذيبها..وهل يصلح العطار ما ترهّل من الزمن( حكمه نيباليه )! احمد سليمان
  • أقوال رائدة للأستاذ الكريم ، نحن فى عام2017م وتجارب الأمم المتحضرة أمامنا واضحة ونتائجها رائعة تلبي اماني الوطن، وتختصر قرونا من التجارب البائسه التي مررنا بها. احمد سليمان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.