الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

سلم واستلم

«الدنيا مازالت بخير»، وأتمنى أن يصدق ذلك القول، لأنني لم أعد أصادف تلك الشريحة من الناس التي تسدي المعروف وتنسى لوجه الله فقط

بأسلوب فلسفي، يقال إن العلاقات الإنسانية في مفهومها الصريح تخضع إلى صيغتين أساسيتين لا ثالث لهما: الصيغة التعاقدية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالمنفعة المادية، والتي لا تؤمن إلا بمنطق «سلم» و»استلم»، والصيغة التراحمية المستندة إلى الإيمان بأهمية الإنسان في هذه الحياة ككائن حر نبيل يهتم بالعاطفة والأحاسيس.
لا يمكن القول إن مجتمعاتنا العربية مجتمعات تعاقدية خالصة، ولكن التعاقدية لديها أصبحت تغلب على العلاقات الإنسانية، بل هي في طريقها إلى إلغاء التراحمية شيئا فشيئا. إذ تظهر جلية في معظم مواقف حياتنا، فمنذ نعومة أظفارنا ونحن نستخدم تلك العبارات التي تصب في مصلحة النفعية. كمواقف الاعتذار مثلاً، حين يخطئ أحدنا على شخص ويعتذر (أنا آسف) تجد الطرف الآخر تلقائياً يجيب (آسف هذي وين أصرفها؟). بل وحتى صغار السن يدركون هذه المساومة على أتفه الأشياء، أضعت كتابا لي فسألت أحد أقاربي من الأطفال إن قد رآه في مكان ما، رد قائلاً (وإذا حصلته كم تعطيني؟)!.. أعتقد أنه يرى من واجبي أن أعطيه مقابلاً، فهذا هو الدارج أو المعتاد.
طلبت من أحدهم إيصال سيرتي الذاتية إلى قسم الموارد البشرية في منظمة شبه حكومية، فاجأني رده (سأوصلها بشرط أن تكتبي مقالاً عنا).. يقصد مقالة عن جهة لم يسبق لي العمل أو التعامل معها!.
والهدايا هي الأخرى تجردت من معناها لتصبح عطايا قابلة للتبادل. يهديك شيئا في مناسبة ما، وعليك أن ترده في أخرى، ويستحسن أن يكون أضعافه. يسدي إليك معروفاً فيسجله في قائمة ديونك، متوقعاً خدمة بالمثل في يوم ما، فكما تعلم «ما فيه شيء لله».
يتكاثر هذا الصنف من البشر ليجعل نقيضه أشبه بالمنقرض، فئة نادرة الحدوث، وما إن يقدموا صنيعاً من باب التراحمية حتى تشك في نزاهتهم (أكيد يبي من وراها شيء). لأن ناتج العلاقات القائمة على مبدأ (خذ) و(هات)، يؤدي إلى عدم الثقة بين الأفراد والجماعات، كما يسهم في إيجاد بيئة متصدعة مهيأة للصراع، وقد تصبح بيئة محفزة تسمح بدخول الأعداء والمغرضين، الأمر الذي يتطلب تربية النشء منذ الصغر في البيت والمدرسة ومحيط الأسرة على أهمية الالتزام الأخلاقي، وكذلك نشر ثقافة العطاء -عامل الناس كما تحب أن يعاملوك- بدون انتظار عائد مادي بالمقابل.
يقولون «الدنيا مازالت بخير»، وأتمنى أن يصدق ذلك القول لأنني لم أعد أصادف تلك الشريحة من الناس التي تسدي المعروف، وتنسى لوجه الله فقط.
الخلاصة: أخشى أن أتحول في نهاية المطاف إلى شيء أو متشيئ، فقط أسلم وأستلم. 

سارة العكاش        2017-11-24 11:35 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • الانقليز وجدوا حلولا ل (سلّم واستلم ) حتى لايكون بين الاشخاص (منّيه) وجميل ومعروف معلّق، فابتدعوا مكاتب المحاماه والخدمات العامه وللمسائل-الخاصه- التحرى الخاص،وبذلك ضمنوا انجاز حاجاتهم بلا منّيه ...أدفع تنال بغيتك! احمد سليمان
  • تبادل-المصالح- سلوك ضارب فى العمق التاريخى والعقلى :(شيلنى وأشيلك )...( مافى شىء ببلاش الا العمى والطشاش ).. وحتى بعضها مؤجل -تحت الحساب-( شايلينك..لعوزه )...موسيقى ..ستار! احمد سليمان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال