الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

لا إبداع مع التطرف ولا تطرف مع الإبداع

الأدباء الشباب الواعون المستقلون عن الأيديولوجيات المدمرة يقفون من التطرف والإرهاب موقف الرفض الحاد، وهذه الحدية في الرفض ناجمة عن وعي يتجاوز الخطابات السائدة

يستطيع متابع النتاج الأدبي الصادر عن الفئات الشبابية السعودية المستقلة فكريا، عبر العقدين الماضيين، أن يلحظ وجود رابط خفي بين: انتشار التطرف والإرهاب من جهة، وبروز الاتجاه الإنساني في أدب الشباب من جهة مقابلة، وذلك على الرغم من تناقض الإنسانية والإرهاب وتنافرهما وتباعدهما، فلا إنسانية في التطرف والإرهاب على الإطلاق، إلا أن وجود التطرف وأهله، ووجود الإرهاب وفاعليه بوصفه نتيجة حتمية للتطرف، ثم ما ينجم عنهما من نتائج كارثية، قد أفضى إلى ظهور اتجاه إنساني مضاد في أدب الشباب، سواء أكان شعرا أم سردا.
أزعم أن هذا الاتجاه الإنساني ناجم عن الألم الذي يشعر به هؤلاء الأدباء الشباب، نتيجة ما يرونه حولهم من التكفير، والتفسيق، والظلم باسم الدين، ثم القتل، والإرهاب والتدمير، والإخلال بأمن الأوطان، مما يعني أن ظهور المعاني الإنسانية في نتاج الأدباء الشباب يمثل ردة فعل مقصودة وعفوية في الوقت نفسه، وليست هذه المعاني آتية من كونهم اعتنقوا مذهبا فلسفيا، ثم راحوا يدافعون عن مبادئه العامة، وينشرون أفكار منظريه.
وحين أقول: «الاتجاه الإنساني»، فأنا أعني المصطلح مختارا إياه دون سواه، ومرجحا لفظة: «الاتجاه»، على لفظة: «النزعة»، السائدة عند الإنسانيين بالمعنى المذهبي الفلسفي، احترازا من أن تذهب الأذهان إلى «الإنسانية» أو «الأنسنة»، بوصفها مذهبا فلسفيا ذا تاريخ طويل، وذا تحولات مفهومية كثيرة، استقرت بقيامه على رفض قيود الكنيسة الأوروبية في بدايات عصر النهضة، مما أنتج مشكلة تعارض هذا المذهب مع الأديان، وذلك مدار بحث مستمر، وحوارات علمية مطولة، جعلتني أميل إلى مصطلح «الاتجاه الإنساني»، لأنني أمام قيم إنسانية لا تقوم على نظام فلسفي مؤسس ذي جذور، فضلا عن أنها ليست ذات تعاليم محددة.
وعليه، فأنا أقصد بالاتجاه الإنساني: تصوير قيم الخير والجمال والعفو والتسامح والحب والرحمة، والاحتجاج لها، وتحسينها، في مقابل رفض أضدادها، وتقبيحها، كالظلم، والقتل، وترويع الآمنين، وتدمير الأوطان، وإثارة الفتن، والطائفية، وتحويل الدين إلى عصا غليظة، وتقبيح فاعلي هذه الجرائم وتوجهاتهم وأهدافهم.
أما النتاج الأدبي الذي أعنيه، فهو ذلك الذي تأتي المعاني الإنسانية فيه من خلال سياقات موضوعاتية، أو ضمن إطارات فنية مضادة للتطرف والإرهاب، بمعنى أن اللوحات الفنية اللغوية التي تصور القيم الإنسانية، انعكاسات مغايرة تماما لما تنعكس عنه، برفضها مقدماته ونتائجه رفضا ذا ارتباط واضح بما واكب إنشاء النصوص من أحداث إرهابية، أو أفكار متطرفة.
ومن الثابت أن الاتجاه الإنساني بهذا المفهوم، موجود في الأدب العربي عبر عصوره كلها، وفي بيئاته جميعها، إلا أن ما يميز وجوده لدى الأدباء الشباب في السعودية عبر العقدين الأخيرين، وروده في سياقات متعلقة بأحداث إرهابية دارت في المرحلة التاريخية التي أنشئت فيها النصوص، أو بتيارات فكرية متطرفة معاصرة، أو بأحزاب سياسية ذات أيديولوجيات تُشرْعن الإرهاب، أو تبرره، أو تيسر -في أقل الأحوال- الإقدام عليه، بما تتضمنه أدبياتها من التحريض على المخالف أو المختلف، وتشويهه، سواء أكان سلطة أم فردا أم فئة، وبما تقوم عليه من أحادية متمثلة في رفض التعدديات المذهبية والفكرية رفضا لا يقف عند حدود الرفض ذاته، بل يتجاوزه إلى استعداء المذاهب الأخرى، والتحريض على أتباعها ومعتنقيها.
هؤلاء الأدباء الشباب المستقلون يعمدون كثيرا إلى ربط القيم الإنسانية بواقعهم، ذلك أنهم يشيرون في نصوصهم التي تمثل الاتجاه الإنساني إلى حدث أو قول أو فكر، مما يجعل الاتجاه الإنساني في أدبهم نتيجة مضادة للفكر الذي نتج عنه الإرهاب والقتل والتدمير، وليست مساحة هذا المقال كافية للحديث عن تجليات الاتجاه الإنساني المضاد للإرهاب والتطرف عند الأدباء الشباب، وهي لا تتسع لعرض بعض الشواهد، إلا أن المهم هو التأكيد على وجود هذا الاتجاه، لنحسن استغلاله من أجل وطننا وإنسانيتنا وأمننا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا.
الملحوظة السابقة تبشر بأن فئة من المبدعين الشباب بعيدة عن الانجراف خلف الأفكار التي تسوغ الإرهاب، أو تقود إلى ارتكاب جرائمه، وهو ما يجعل من تشجيع الفنون الإبداعية، ودعم المبدعين، واجبا وطنيا، يتحتم أن تنهض به الدولة، يساندها في ذلك المجتمع. هؤلاء الأدباء الشباب الواعون المستقلون عن الأيديولوجيات المدمرة يقفون من التطرف والإرهاب موقف الرفض الحاد، وهذه الحدية في الرفض ناجمة عن وعي يتجاوز الخطابات السائدة، ونفوس شفيفة تحب الحياة والإنسان والوطن.
وعليه، فإن أمثال هؤلاء الشباب بعيدون عن الانجراف في أي تيارات فكرية تسوغ الإرهاب، أو تقود إلى ارتكاب جرائمه، ومحصنون من أن يحاول قادة الإرهاب أدلجتهم أو تجنيدهم، تحصينا يجعل العمل على إيجاد مئات الآلاف من أمثالهم، واجبا دينيا ووطنيا واجتماعيا وإنسانيا، لأن من أسباب هذه الحصانة التي تشي بها النصوص، أنهم منشغلون بفنونهم الإبداعية عما سواها من الأفكار المتطرفة، والأحزاب السياسية القائمة على الأدلجة، والطوائف الهادفة إلى التفتيت والشرذمة، وليس معنى ذلك غفلتهم أو نكوصهم عن المعرفة، فهم مشغولون بإبداعهم انشغال الواعين، لا انشغال الغافلين عما يدور حولهم، والدليل على وعيهم هو استثمارهم الفن الإبداعي في التعبير عن رفض الإرهاب، وكل ما يقود إليه، من: تطرف مصادر، أو تحزب مؤدلج مسيس، أو تمذهب آت من خارج الوطن بهدف التفريق بين أهله. إن تشجيع المبدعين، وفتح الأبواب أمام كل ما يمكن أن ينهض بالفنون الإبداعية على اختلاف أجناسها وأشكالها، سد منيع يحول دون وقوع الشباب في براثن خيانة دينهم ووطنهم وحياتهم وإنسانيتهم، ويحول دون استهدافهم بالأدلجة والتجنيد من قادة الفكر الحركي المتطرف ومنظريه، مما يجعل من أوجب الواجبات الوطنية العاجلة، إعداد استراتيجية وطنية شاملة لدعم المبدعين، وتيسير أسباب الاهتمام بالفنون الإبداعية، كي تتحول إلى مشروع إحلالي ضخم، يسد الفراغات، ويحتل المساحات المشغولة بخطابات محرضة حانقة، وهو المشروع الذي يتحتم أن تنهض به الدولة أولا، يساندها في ذلك المجتمع بفئاته كلها دون استثناء.
 

أحمد التيهاني        2017-11-27 1:26 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 10 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • شابات وشباب الوطن قطعوا مراحل عظيمة فى الفكاك من قيود الصحوة ودعاتها ، لقد أثبتوا شجاعتهم وقوتهم وعزم الشباب الذى لا يلين. احمد سليمان
  • أقوال الأستاذ العظيم قينان الغامدي وآراؤه الفذة قد احرقت كبد وعقول الصحوة وأتباعهم وقطيعهم من مسلوبى العقل والإرادة والتفكير ،لذا لا يجدون من طريقة للثأر الا سقط الكلام وسخفه، كغيمة يوم (مطير ) في سبخة مالحة كالحة. احمد سليمان
  • سئل أحد الصالحين قديما رجل ( لعب في رأسه الشرك ) قال يا انت مارأيك في الصحابة الأربعة ، قال لعن الله من لعن واحدا منهم ، قال جوزيت خيرا وغادر داره .. وبعد أن عاد فكر وكرر وأعاد قوله لعن الله من لعن واحد منهم ، وذهب إليه مرة أخرى وقال قل يا أنت لعن الله من يلعن أياً منهم ، وهنا وقع المشرك في المحك ، لعن الله كل من تربى على المكر والخديعة ، ممن يبرئ من مكرهم أمكر الثعالب، وأي انتصار هو يفوق حين يكون ليس لدى خصمك سوى المكر من خلال العبارات ، وهناك ردود هي أعياها المكر وباتت تسير على ثلاثة متعب الزبيلي
  • تقرأ لمثلا كاتب أمريكي يكتب عن الاسلام ، وتجده " ركن على جنب " كونه غير مسلم ، بل وركن أفكاره الخاصة نتاج مواقف معينة ايضا جانبا ، ولماذا ، حتى ليقع في " توزيع لُب مجرد مواقف معينه " والذي حين يستنتجها القرّاء يفتقد الكاتب مصداقيته، ولدينا كتاب كلمة حق هم عمالقة، إلا أنهم حين يكونون أسرى لمرادهم ، نجدهم وكما نقول بالعامية " يخورون " تصفية الحسابات تبقى سياق ضيق مهما ما بذل من جهود، فل نتناول من خلال طرح فكره حتى لنصاب بالجمود ونحن ندور في حلقة ضيقة من خلال بطولة مشاعرنا الدفينه متعب الزبيلي
  • ( لاإبداع مع التطرف ) (ولا تطرف مع الإبداع ) طيب اتفقنا بأنه لا إبداع مع التطرف ، بمعنى يصاب الإبداع بخلل في حال شاركه تطرف، ويبقى الإبداع شيئا مرغوبا إلا أن التطرف يقتل الإبداع ، والإبداع اتفقنا شي كويس وعلته التطرف ( ولا تطرف مع الإبداع ) وكيف إذاً يكون ولا تطرف مع الإبداع ، سياق المقارنة هو شكلي وعامي ، ولكنه علميا وبمثابة مقارنة يراد منها معالجة مشكلة ، يعتبر السياق خاطئا كون قرن التطرف ليخدم او لا يؤدي للمعالجة ، وهكذا حين نخاطب الآخرين متعب الزبيلي
  • طرح جميل. ليت الكاتب العزيز لم يقحم مفردة "مذهب" في الطرح ذلك أن الفلسفة "منهج" ولم تكن ولن تكون "مذهبا". ولهذا فإن الفيلسوف فرد حر في طرح فكره الفلسي عبر منهجية علمية بعيدة عن الفكر المذهبي الأيديولوجي. المنهج لايمتلك أجوبة نهائية على الأسئلة الفلسفية المطروحة بعكس المذهب فإلاجابة على أي سؤال مذهبي جاهزة وكل ما على العقل المذهبي أن يفعله هو اجترار الإجابة من المكتبة الصفراء وتقديمها بلغة منمقة مليئة بالسجع المبتذل. مسبار
  • ..حصّه:بالنسبه لأولا فهو -وافر-لدى القوم بشرط ان يحدّث ويطوّر وتزال كل شوائب الموروث ليصبح عصريا@هيا: الا ترين ان-اولا- صعب جدا!@حصّه:اذا ابدئوا بالتصنيع ،وخلينا نشوف! احمد سليمان
  • ترى التطرف أنواع كما يوجد اخونجية جامية قطر متطرفون يوجد ليبراليين متطرفين متشددين اقصاءين مثل ال زلفة وقينان الغامدي وكما يحدث ف تونس ومن يشاهد قناة تونس 7 وحنبعل وقناة نسمة والصحف التونسية المسيطر عليها علمانيا يعرف ان لديم مشكلة مع الاسلام فهد المطيري_السعودية
  • هيا: ما الذى أفنى العراك بين البروتستانت والكاثوليك فى الغرب؟@حصّه:سؤال كبير ،لكن أولا كان لسيطرة العقل المتزن دوره2ظهور رواد الفلاسفه3 التصنيع..التصنيع@هيا: وما ينقص القوم ليكونوا مثلهم؟.. احمد سليمان
  • الإبداع لم ولن يكون يوماً مصاحبا للتشدد.. فكل له جذور تختلف ولا تتفق مع جذور الآخر ، تماما كالنار والماء لا يتفقان .. النار ترمز إلى الموت ، والماء يرمز إلى الحياة .. وبهذا فالمرأ لا يحيا مع الموت ، ولا يموت مع الحياة .. أمران لا يجتمعان : ( الحياة والموت) - فلا بد من وجود أحدهما بمنأى عن الاخر .. رائع ما كتبت د . أحمد ! غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال