الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أنشودة المطر

وصف الشاعر بدر شاكر السياب نزول المطر وفرحة الأطفال وسعادتهم استبشاراً بهطوله، كذلك وصف شعور صغار العصافير وقد أحسّت كما الأطفال بجمال تلك اللحظة، وتمّنت أن يكون نزول المطر وشيكاً، بل وهتفت معهم (مطر) أملاً واستبشاراً بقدومه. فسقط المطر وجاء النهار، وذهب المساء. جادت السماء بمطر يتشابه ودموع الألم، فتقاربت صورة نزول المطر وبكاء طفل فقد أمّه، فبحث عنها في كلّ مكان دون جدوى، وعندما سأل عنها طمأنه الجميع بأنّها ستعود، وأن غيابها لن يطول، ومع إيمان الأطفال بأن المطر سيعود مرة أخرى، إلا أنّهم كانوا يؤملون بأن نزوله سيحلّ ما يواجهونه من مشاكل، فيغسل الأحزان ويطهر الأبدان.
مع كل الظروف التي تواجهها مدينة جدة كل موسم أمطار إلا أن أهلها مازالوا يفرحون بالمطر، وكأنه سيريحهم من أحزانهم وأتراحهم، ويخلصهم من تردي البنية التحتية التي عانوا منها سنوات طوالا. فبعد موسم 2009، حيث تم كشف ومواجهة ملفات القصور والإهمال في تنفيذ المشاريع، اكتست وجوه أهالي جدة بالفرح والأمل بالخلاص من تهديد الأمطار ممتلكاتهم وحياتهم بالخطر، وكانت أحلامهم أن كل معاناة ستتحول إلى أمل على ثغر الطفل الذي سيولد، فيرى الخير ويقطف ثمار التغيير، إلا أنهم أفاقوا الأسبوع الماضي من تلك الأحلام على واقع لم يتغير، فغرقت أحياء المدينة مرة أخرى، وتكرر سيناريو مؤلم بنفس التفاصيل، وربما نفس الوجوه.
 ولعل الأمل الذي سينمو من جديد في قلوب أهالي جدة أن قضية «السيول» الشهيرة التي كادت أن تُطوى في ملف النسيان، لولا صدور الأمر الملكي بإنشاء لجنة عُليا لمكافحة الفساد، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، التي قرّرت إعادة التحقيق في كل ملفات الفساد، بعد تبيان عدد من الأدلة التي تدين مسؤولين كبارًا ووزراء، يبدو أنهم «لن ينجوا هذه المرة»، حسبما ذكر الأمير الذي يقود حملة مكافحة الفساد. ويعود أصل قضية سيول جدة إلى ما قبل 8 أعوام تقريبًا، وتحديدًا في نوفمبر 2009، عندما استيقظت مدينة جدة على سيول عارمة، جرفت آلاف المنازل، وتسبّبت في بعض الوفيات، علاوة على خسائر في البنية التحتية قُدّرت بملايين الريالات، في واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية التي ضربت المملكة.
وأخيرا ومع كل ظروف الإحباط التي تحيط بأهالي جدة إلا أنهم سيظلون يفرحون بالمطر، وسيأتي يوم يكون في نظرهم تلك الرحمة التي غسلت إداراتهم ومرافقهم وطهرتها من المحسوبية والإهمال. سيأتي يوم تكون حبات المطر وطيف ألوان قوس قزح ترتسم على ثغور أبناء جدة وغيرها من المدن التي تعاني من ضعف بنيتها التحتية وفساد مشاريعها، وسيولد مع زخات تلك الأمطار جيل ينبذ الفساد ويصنع التنمية ويفتخر بولائه ووطنيته.

عواجي النعمي        2017-11-27 1:27 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال