الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

ما ليلك بليل سارق

المسلم قد يخلط عملا صالحا وآخر سيئا، ولكن بعض الناس في زماننا كأنهم لا يتصوَّرن وجود هذا الخلط، ولذلك إذا رأوا من ظهرت عليه شعائر التدين، عظَّموه

جاء في موطأ الإمام مالك، أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل، قدم فنزل على أبي بكر الصديق، فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس، امرأة أبي بكر الصديق، فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيَّت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف به الأقطع، فأمر به أبو بكر الصديق فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته.
نقلت هذا الأثر كما ورد في موطأ مالك، ووضعته أمام القراء الكرام، فقد يستنبطون منه من فرائد الفوائد الشيء الكثير بقدر القرائح والفهوم، والذي أريد الإشارة إليه من هذا الأثر جملة من المسائل، منها ما يلي:
الأولى: أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومن المنكر: السرقة، وهذا ما جعل الخليفة أبابكر -رضي الله عنه- يقول لهذا المصلي في جوف الليل: (ما ليلك بليل سارق)، وأبو بكر -رضي الله عنه- يعني: الصلاة التي تُقام على الوجه الأكمل، لا مجرد الأداء.
الثانية: أن من أخطأ وانتهك حدا من حدود الله فإنه يُحاسب، وإن ظهرت منه أعمال خيرية، فليست تلك الأعمال مانعة من تنفيذ الحكم الشرعي.
الثالثة: من الناس من يُنكِر الشيء، مع أنه هو فاعله، بقصد التمويه، فهذا السارق يدعو على من سرق، ويبحث عن المسروق مع الناس، وهذا هو ما يفعله تماما بعض الحزبيين، يقول أحدهم في أحد كتبه: (مصلحة العمل الإسلامي تقتضي أن يقوم فريق من رجاله بالأعمال الجهادية -هكذا يسمونها جهادية مع أنها إرهابية-، ويقوم آخرون بالشجب والاستنكار، بتنسيق مسبق، وتوزيع متبادل للأدوار). يُفجّرون ويشجبون، وهذا المسلك ليس من دين الله في شيء.
الرابعة: أن المسلم قد يخلط عملا صالحا وآخر سيئا، ولكن بعض الناس في زماننا كأنهم لا يتصوَّرن وجود هذا الخلط، ولذلك إذا رأوا من ظهرت عليه شعائر التدين، عظَّموه، وصدَّروه في المجالس، وقدَّموه على كبار السن، وربما يستفتونه، ويُنادونه بالشيخ وصاحب الفضيلة، وإن كان حديث عهد بجرائم وجهل وانفلات، وفي المقابل بمجرد وقوع هذا الذي كانوا يعظمونه في جريمة، كالزنا والخمر ونـحوهما من الكبائر، فإنهم يُشكِّكون في دينه، وربما زعموا أن ما ظهر منه من تدين كان نفاقا، وكأنهم كانوا يرونه معصوما، وهذا من ردود الأفعال غير المتزنة.
بينما من سلك طريق الاعتدال: لا يبالغ مدحا ولا ذما، من ترك المنكرات وأظهر الاستقامة فإنه يُرجى له الخير، ولكن لا يُصدَّر، ولا يُرفَع فوق منزلته، ومن وقع في الخطأ وإن كان كبيرة من كبائر الذنوب، فإنه لا يُعان الشيطان عليه، ولا يُقَال إن أعماله الخيرية الأخرى كانت نفاقا، إذ لا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب.
ونـحن نعلم أن الصحابة هم خير الناس، ومع هذا فأحدهم وقع في الزنا، واعترف بذلك، فرُجم لكونه مُحصَنا، وقد صلى عليه رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وأخبر أنه: (ينغمس في أنهار الجنة)، ورجل آخر شرب الخمر، فجلده رسول الله، ولم يقل أحد أن تدينه ليس صادقا، وإنما قال النبي، عليه الصلاة والسلام: (إنه يحب الله ورسوله)، ربما يُبلى بعض الناس بذنب، لكن هذا ليس دليلا على أنه لا يحب الله ورسوله، أو أنه غير متدين، نعم يدل على ضعف الإيمان، وحريٌّ بالمسلم ألاّ يستهين بالذنوب، فقد يموت على ذلك الذنب ويُختم له بسوء العمل، ولكن لسنا كالخوارج المارقين الذين يرون مرتكب الكبيرة خارجا عن الإيمان وواقعا في الكفر، ولا كالمرجئة الضُلاَّل الذين يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، فكلاهما خاطئ، ولكننا -بحمد الله- على طريقة أهل السنة والجماعة، نقول عن مرتكب الكبيرة: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا نُكفِّر أحدا من أهل القبلة بكل بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
والمقصود: أن الاتزان مطلب في الأمور كلها، قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)، وقال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)، فالاتزان خيرٌ كله، ولهذا أنبت الله في الأرض من كل شيء موزون، أي: مقدر بحد معلوم، كما قال تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُون).
 

أحمد الرضيمان        2017-11-27 1:27 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 16 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • معذرة الأخ متعب لم أر مداخلتك حول ملحوظتك ، والتي هي محل التقدير ، ودافعها الحب لصحابة رسول الله ، جزاك الله خيرا ، ولا ريب أن الصحابة عدول ، وأنه لو أنفق أحدنا مثل أحد ما بلغ ولا نصيفه ، ويكفيهم شرف الصحبة ، وثناء الله عليهم ورسولُه ، ولا يحبهم إلا مؤمن ، ولا يُبغضهم إلا منافق ، ولكن هذا لا يعني أنهم معصومون من الخطأ ، والرواة ذكروا ذلك ، ولم يكتمونه خشية الإساءة بهم من جاهل لايفقه قدر الصحابة ، فالوقوع بالذنب دليل عدم العصمة ، ولكن التوبة تجب ماقبلها ، .فهذا الصحابي كما سمعت :( ينغمس في أنهار أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل : لا ريب أن الدعاء لأهل المعاصي خيرٌ من الدعاء عليهم ، وأيُّنا لم يعص ، ( ولو لم تذنبوا لأذهبكم الله وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ) ، ولو كان لي من الأمر شيء لجعلتُ بدل الدعاء الذي يُقال على بعض المنابر وهو ( يُذَل فيه أهل معصيتك ) قول ( ويُهدَى فيه أهل معصيتك). أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل : عبدالله ، وأنا أقول وفيك بارك الله ، ملاحظتك في محلها ، وأنا أبدأ بها عند بدء الشروع في المقال ، وإن لم أكتبها هنا. أحمد الرضيمان
  • اي شرف هو يفوق شرف لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قمة الشرف وذروته ان يلتقي المرء بالهادي والمعلم والسراج المنيّر ، صاحب الخُلق بل هو ذروة الخُلق وارفع الأخلاق عليه أتم وأفضل الصلاة ، هاهو يقول لأحد الصحابة " ينغمس في انهار الجنة " .. وما بال بعضا من الأقوام باتو يتغلغلوا عبر مئات بل آلاف السنين ، ويدخلون في النوايا ويشتمون ويلعنون من يجب ان نحترمهم فقط لأجل شرف لقائهم بخير من وطئت قدماه الارض ، الا يجب ان تُماط غشاوت الوهم وان يحكم احدنا عقله ووعيه ومنطقه ومن ثم يختار بناءاً عليهما متعب الزبيلي
  • وقد يحكم القانون أو الحكم القضائي لشخص حسب حجته ، ولكن من حقق التوحيد لايمكن ان يأخذ ما ليس له وإن كان بحكم قضائي ، فضلا عن تقنين الفساد عبر لجان وتوقيعات ، لأنه يؤمن بقوله تعالى ( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون .ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمين ) وهذا هو التوحيد أحمد الرضيمان
  • الأخ الاستاذ الكاتب احمد الرضيمان ، ليس لدي إضافة الا أن أقول سلمت يراعك ولا شلت يدك ، مقال اكثر من رائع ومتميز . . الا ان لدي ملاحظة بسيطة ( وهي لتعني بان المقال افتقد شي من رونقة وجاذبيته ) يا عزيزي ، ربما يتم احتساب واستغلال الخطاء الوارد حول احد الصحابة ، ومن ثم التوقف عند الخطاء ودون ايراد ان الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على الصحابي ( آيه هناك من ينطبق عليه جاك ي مهنا ما تمنى ) ومثلك نتعلم منه ، الا ان بعض ايراد قد يُتخذ حجة للبعض ، مع العلم شخصيا اعرف بان هناك امرأة أقيم عليها الحد متعب الزبيلي
  • ولا ريب أن العدل جاءت به الشريعة ، ومل من عمل به استفاد وإن لم يكن مسلما ، ولهذا قيل ينصر الله الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، وقد قصَّ الله علينا قصص من كانوا آمنين لكن لما ظلموا مزقهم الله ، فقال تعالى بشأنهم :(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَز أحمد الرضيمان
  • البعض يسري بدمه الانبهار حتى وان لم يبرح مكانه ، وإنما تعبر به احدى رحلات التواصل الاجتماعي وتهبط به ، خلال مقطع او لقطة يفندها على انها الأمن والاستقرار والازدهار والعدل والمساواة ، وان حتى طالع لمقال معنون وبالخط العريض " حادثة قتل في احدى حدائق تلك العاصمة ذات أطوال المباني والأرصفة المرتبه " لهز راْسه وابى ان يتقبل " وعند الظرورة قد يفند الحادثة على انها مسالة أمنية " حقيقة العدل والمساواة والاستقرار والازدهار " التمسك بالإسلام ، وان نبدأ في إماطة الاذى عن الطريق ، ونطبق احترام الجار متعب الزبيلي
  • وقال تعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لايشركون بس شيئا ) فكما تلاحظ جعل تحقيق التوحيد سببا للأمن ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل مسبار : أحترم رأيك ، ولاريب أن القوانين والأنظمة والعقود مهمة وقد جاءت الشريعة بأهمية الوفاء بها مالم تخالف الشريعة ، والذي أراه أن تحقيق التوحيد هو سبب الأمن بكل معانيه حتى الأمن النفسي وطمأنينة القلب، والعمل بالقوانين لايعارض التوحيد ،قال تعالى ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) فكما ترى الأمن والإيمان متلازمان . أحمد الرضيمان
  • بارك الله فيما كتبت يمينك، وليتك بدأت بالبسملة أو الثناء على الله لكان أكمل. جزاك الله خيراً. عبدالله عبدالرحمن
  • مرحبا بالأستاذ الفاضل غرم الله ونحن نرد التحية بأحسن منها ، عليكم السلام ورحمة الله وبركاته أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل : عبدالله الرشيد وأنا أدعو لك كذلك بالخير والصحة والسعادة في الدارين ، وماتكتبونه وبقية القراء الكرام محل التقدير والعناية ، أحمد الرضيمان
  • القوانيين والأنطمة كفيلة بتحقيق الأمن والإستقرار والإزدهار والعدل والمساواة. مسبار
  • تحية وسلام للوالد الفاضل : الشيخ أحمد ولقرائه الكرام .. ابنكم / أنا .. غرم الله قليل
  • مع قهوة الصباح ومع هذا المقال المتزن الموزون اقول للكاتب فتح الله عليك وزادك علما ومن يرد الله به خيرا يفقهه بالدين هكذا تكتب المقالات الهادفة النافعه النابعه من قلب نظيف وبهذا الاسلوب والاختصار تتلقفه القلوب والأبصار عبدالله الصالح الرشيد الرياض القصيم. الرس

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال