الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

بالجغرافيا والهندسة نتصدى للسيول الجارفة

نحتاج أن نعيد النظر في الآلية المتبعة في تشكيل اللجان المختلفة لإدارة الأزمات والكوارث وغيرها، وبما تتضمنه من موارد بشرية، كما نحتاج تنويع مؤهلات القيادات الإدارية والكوادر البشرية

تحتاج بعض الإشكالات والتحديات التي تواجهنا إلى تضافر الجهود من العلوم المختلفة ذات الصلة بطبيعة المشكلة، وذلك استنادا إلى تعدد أسبابها واختلافها، والذي يتطلب بدوره تعدد التخصصات العلمية للقائمين على اللجان المعنية بالتصدي لبعض المشكلات التي تواجهنا، وبما يتناسب مع تلك الأسباب المختلفة للمشكلة، وبذلك يمكننا الوصول إلى أفضل الحلول والآليات المضمونة لنجاح ما يُطرح من رؤى وخطط مدروسة، تستند إلى بيانات علمية ودراسات شاملة مستفيضة، تحوي المشكلة من كل أطرافها، وعليه ستكون أساليب المعالجة والحلول مضمونة النتائج إلى حد كبير، وذلك يتطلب ضبط العمل جميعه بمعايير علمية دقيقة، وتنفيذ واعٍ ومتابعة حثيثة مسؤولة عن حجم الإنجاز ونوعيته ومستوى جودته، والذي يتم تقنينه جميعه وفق شروط وقوانين ومؤشرات تخضع للمساءلة والشفافية والحوكمة.
ومن واقع المتابعة للتقارير المنشورة والصور المختلفة على كل وسائل الإعلام حول كارثية ما يحصل في جدة بصفة خاصة وغيرها من المناطق، عقب سقوط الأمطار من سيول وتدمير متكرر للمنازل والممتلكات والأنفاق والطرق والبنية التحتية، وما يصاحبه من زهق للأرواح وغيره، فإن ذلك ليؤكد إنه «إلى جانب الفساد» هناك خلل واضح في احتواء معالجة تلك الإشكالات بما يتناسب مع أسبابها الحقيقية، والتي تفتقد دراسات شاملة متنوعة التخصصات، والتي يمكنها أن تسهم إلى حد كبير في تقديم حلول مستدامة وآمنة في معالجة تلك الكوارث الطبيعية التي لا يخلو منها كثير من مناطق العالم، وإن اختلفت في أحجامها وأسبابها وأنواعها، إلا أنه لكل منها وسائله وطرقه للمواجهة والتصدي له بما يتواءم معه، والذي يُترجِم فعليا مدى نجاح الدول في تأسيس بنيتها التحتية وما تتخذه من أساليب للتصدي لمشكلاتها، بما يعكس درجة تقدمها ومستوى نموها الاقتصادي والتنموي ميدانيا.
تشير البيانات والمعلومات المنشورة إلى أن تلك المياه الجارفة التي تتعرض لها المدن والقرى المختلفة، بأنها واردة إليها من المناطق المحيطة بها جغرافيا، والتي تكون متنوعة التكوين والشكل بين جبال وسهول وأودية، وما بين طبقات معروفة جغرافيا وجيولوجيا لبنية الأرض وأشكالها الطبيعية وطبيعة انحدارها، بما يسهم في نقل المياه وجرف التربة نحو المدن، كما وأن مناطق هطول الأمطار بغزارة معروفة مكانا وتوقيتا ولم توجد فجأة، وذلك يُبنى على بيانات تتصل بالجغرافيا الطبيعية بفروعها والطقس والمناخ للمنطقة جميعها وما تتعرض له من ضغوط جوية وكتل هوائية مختلفة المصدر والتأثير، وما نعيشه من تغيرات مناخية؛ ومن جهة أخرى فإن تقدم رصد الظاهرات الجغرافية على اختلافها، والذي أصبح ضرورة ومتاحا بأدواته العلمية الجغرافية، كالاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية يقتضي الاستفادة منه لمواكبة العصر؛ وبذلك فإن إغفال مشاركة المتخصصين في العلوم المختلفة ذات الصلة في معالجة مشكلة السيول وأسبابها؛ إنما هو قصور ليس في الاستفادة من مضمون تلك العلوم وأدواتها فحسب؛ وإنما في آلية المعالجة الصحيحة التي نحتاجها والمرتبطة بالقصور والخلل في تحديد الأسباب الحقيقية للمشكلة، وطبيعة مصدرها الأساس.
ومما لا شك فيه، أن الهندسة بتخصصاتها المختلفة تلعب دورا أساسا في منشآت البنية التحتية والمرافق المختلفة التي تقوم عليها المدن والطرق والأنفاق والجسور، بل وجميع المنشآت الأساسية المكونة للمدن، ولكن ذلك لا ينفي ولا يُهمّش أهمية غيرها من العلوم التي يمكنها أن تخدم وتسهم بشراكة علمية وإدارية في معالجة تحديات السيول ومخاطرها، بما تقدمه من حلول متكاملة ورؤية شاملة وواقعية لطبيعة المشكلة وأسبابها، وبذلك يمكننا إلى حد كبير توفير كثير من الجهود والأموال المهدرة في منشآت ومشاريع عرضة للدمار، إلى جانب إمكان ابتكار أساليب ومنشآت إبداعية تُمكننا من الاستفادة من تلك المياه المهدرة.
ومما يجدر ذكره، أن علم الجغرافيا علم واسع في تخصصه وفي مجاله التطبيقي، إذ ينضوي تحت مظلته كثير من التخصصات الفرعية البشرية منها والطبيعية، والتي استفادت من العلوم الأخرى في أساسياتها، وأضافت لها طابعا اجتماعيا حيويا يجعل منها علما في متناول الجميع، لأنه علم يهتم بدراسة العلاقة بين البيئة والإنسان ويقف على حجم التفاعل بينهما، ويدرس مدى قدرة الإنسان في تسخير معطيات الطبيعة في خدمة الإنسان وخير البشرية، وقد تمكّن هذا العلم «علم الجغرافيا» في مضمونه المتنوع الثري من تكييف وتطويع كثير من محتوى العلوم الأخرى في مضمونه العلمي والميداني التطبيقي، والموجه نحو خدمة الإنسان ومتطلباته، ولذلك نجد أنه في كثير من دول العالم تتم الاستعانة بالجغرافيين في قطاعات مختلفة من المؤسسات العامة والخاصة، كتخطيط المدن والتخطيط العمراني الشامل والنقل والمواصلات والتغيرات المناخية وغيرها، بل وفي الاستثمار الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية، لتكون رافدا يدعم البنية الاقتصادية والنهضة التنموية للدول بما يسهم في نهضتها الحضارية، وذلك إدراكا منها لأهمية علم الجغرافيا في إدارة شؤون البيئة والإنسان والموارد بصفة العموم، وبما يهدف إلى تحقيق التوازن في العلاقة بينها، فينعكس بمردوده الإيجابي على التنمية ومسيرتها.
نحتاج أن نعيد النظر في الآلية المتبعة في تشكيل اللجان المختلفة لإدارة الأزمات والكوارث وغيرها، وبما تتضمنه من موارد بشرية، كما نحتاج تنويع مؤهلات القيادات الإدارية والكوادر البشرية لمؤسسات الدولة بقطاعيها العام والخاص، بهدف الاستفادة المتكاملة من العلوم المختلفة، دون حصر ذلك في فئة معينة من التخصصات والاعتقاد بأنها الوحيدة القادرة على إدارة دفة الأمور وتسييرها نحو الاتجاه الصحيح، فقد أثبتت التجربة والممارسة بأن ذلك الحصر يكون سببا في الانحراف عن الجادة في كثير من الأحيان، بسبب ضيق الأفق ومحدودية التخصصات المساندة، نتيجة تهميش علومنا الأخرى وعدم تسخيرها لمتطلباتنا.
ومما يجب التنويه إليه، أن محاربة الفساد وإعادة الأمور إلى نصابها ومسارها الصحيح؛ يقتضي كذلك إعادة الهيكلة لمعظم مؤسساتنا الوطنية، بما تتضمنه من تشريعات وأنظمة وقوانين، وما تحويه من موارد بشرية وما يرتبط بذلك من سياسات وإجراءات تابعة يمكن خلالها ضبط الأداء وقياسه، وفق مؤشرات محددة ومعايير علمية معروفة يمكن بها التحقق من جودة العمل وسلامة الإنجاز، بما يخدم مسيرتنا الوطنية وتطلعاتنا الطموحة.

عبلة مرشد        2017-11-29 1:27 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 12 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • أقترح عمل سدود خارج المدينة لتحويل السيول إليها قبل وصولها للشوارع وذلك للاستفاده من مياه الأمطار ام محمد
  • اقترح صرف مياه الأمطار قبل دخولها للمدن وتكون بحيرات خارج المدن للاستفادة منهاجمال وتنزه وتكون مثل إيطاليا او سويسرا مدن أخرى وذلك الحمد لله المادة موجودة ولا تكلف خسارة الدولة ولا المواطن ام محمد
  • وأقسم لك ولا لك حلف علي ، لن أقول أمير المنطقة ، وانما لو أراد نائب أمير المنطقة أن يقضي على المشكلة بأنه وخلال شهرين ان تُمطر جدة وأن يقول الجداوي للآخر " إِيش الهرجة ، هوا نزل مطر او يتهيأ لي " كل مافي الأمر أن أصحاب القصور ينبغي أن ينظروا بعين العطف على مخططات تخطيط الأرجل ، غلطة وعدوها متعب الزبيلي
  • في حال تضافرت الجهود الله يستر ، احتمال يصل الأمر اللي كان يا ما كان هنا مدينة اسمها جدة ، التظافر يزيد قيمة الفاتورة لا تظافر ولا شيء ، كل ماهنالك هو أن تتم المتابعة وان تكون المخصصات للمشاريع تنتهي فعليا لإنجاز المشاريع ، وحينها ستمر سيول جدة بمحاذاة حفرالباطن ، وتتجه للتنقية والمعالجة لينعم الأهالي في بحيرة تم نقلها بطريقه علمية وتقنية عالية الجودة ، نعم يمكن وألف ان تنجز المليارات المعلنة أضخم المشاريع وبجودة تحول السيول للإفادة منها وبأي شكل وطريقة متعب الزبيلي
  • قصه: فى الستينات فى احد حوارى الدمام،قرر شرير آبق ،أن يقيم معمل تقطير(كحول)،فبحث عن مكان مناسب لا يشك فيه حتى الجن الاحمر/الازرق..ووجده وبدأ الانتاج،كان الموقع خلف مركز شرطه تماما!! احمد سليمان
  • من العجيب ان يحدث الفساد بالقرب من أقدس البقاع..ألا يخاف الفاسدون..الا يتقون ؟؟ احمد سليمان
  • فى الولايات المتحده،تكساس، مدينه الباسو،لا يستطيع مدير بلديتها ان يلهف ويغطى -لهفته- بالذهاب الى كنيسه المدينه كل أحد ،حتى يييّن للناس أنه مستقيم ،نزيه، سيقول له الناس:ألعب غيرها..باسكت بول او كنكان ابو سته! احمد سليمان
  • ...أن تكون تلك الاراضى فى مجرى سيل أو خيل...وأنا مالى؟ بعد مكفّن وضامن الجنة..! وهل يعتقد انسان ان العاملين فى البلديه سذّج بسطاء مايفكون الخط! ..هم يشمون -الظروف- من على بعد1000 فرسخ! عندهم شم ولا فى الاحلام! احمد سليمان
  • مسأله السيول التى جرفت الاحياء،ليست قلّه معرفه هندسيه و جغرافيه،بل أبسط من ذلك بكثير(كل مافى الامر -متنفّذ- يريد اراض شاسعه ،يسجلها باسمه ليبيعها ويكسب الملايين) فقط لاغير .. احمد سليمان
  • من قوة وجبروت(الفساد) ومعايشة القوم له،انه أصبح لدى البعض شعور أنه بالامكان -ترويضه وتهذيبه-!..هل لأنه أصبح مع مرور الزمن ملازما لهم و -جار- بالامكان استأناسه! احمد سليمان
  • من المقال (..ان ذلك ليؤكد انه الى (جانب الفساد ) هناك خلل واضح...)...هناك حقائق راسخة انه ليس (للفساد جانب ) بل هو شىء هائل لا يرضى بأحد أن (يكون بجانبه) لقد حطّم دولا فكيف لايحطّم طرقا وشوارع ومنازل وضمائر ! احمد سليمان
  • بارك الله في حرفك د عبلة نتمنى ذلك على أرض الواقع لقد اختصرت سنوات وكوارث وقدمتِ لها حلولا بمقالة في صلب المشكلة دور الجغرافيين الفعال في إدارة الكوارث والأزمات لايعوض غيابهم أي شيء فلو وضع مشروع سكني في منطقة وادي فالتأكيد لن يوافق أي جغرافي على ذلك لأنه يدرك تماما أن الأودية لاتغير مجراها حتى لوجفت لسنوات عبير العنزي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال