الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أزمة أوروبا تبدأ في الوطن

الانقسامات العميقه ضمن أوروبا تهدد بشكل متزايد القيم التي على أساسها قام المشروع الأوروبي «اتحاد أقرب من أي وقت مضى»، وفي سنة 2015 خلال أزمه اللاجئين رأى العديد من المعلقين أن هناك انقساما بين الثقافة الترحيبية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورؤية رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان القائمة على أساس النقاء العرقي: جسور غرب أوروبا ضد جدران شرق أوروبا.
لكن التهديد الآخر للوحدة الأوروبية يأتي من الدول الأوروبية نفسها، فهل الاختلافات أكبر بين الدول الأعضاء أو ضمن الدول الأعضاء نفسها؟ إن الجواب عن هذا السؤال مهم للغاية، فلو كانت أكبر مشاكل أوروبا هي في كونها مقسمة على أساس الحدود الوطنية فإن من الممكن عندئذ أن تحاول الدول الليبرالية مثل فرنسا وألمانيا تغيير توازن القوى ضمن البلدان غير الليبرالية على نحو متزايد.
لقد وافقت كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي على مجموعة من المعايير الديمقراطية الليبرالية (جزء مما يطلق عليه اسم معايير كوبنهاجن) عندما انضمت إلى النادي، ولكن مع مرور الزمن لم تعد حكومتا هنغاريا وبولندا تريدان الالتزام بالأحكام، حيث من الممكن أن أحد الحلول هو إنشاء ناد أصغر بفوائد أفضل، والبلدان التي تريد الانضمام إلى هذه الدائرة الضيقة المتميزة يجب أن توافق على مجموعة الأحكام الجديدة أو الأصلية والبلدان التي تنتهك تلك الأحكام ستكون خارج تلك الدائرة، حيث سيكون في نهاية المطاف ثمن لانتهاك معايير الاتحاد الأوروبي.
لكن هذا الحل يمكن أن ينجح فقط في حالة أن المشكلة الأكبر هي الانقسامات بين الدول الأعضاء.
فلو نظرنا إلى ألمانيا كمثال على الانقسامات ضمن الدول الأعضاء، لوجدنا أن ميركل حاولت توحيد حزبها الديمقراطي المسيحي المنتمي إلى يمين الوسط مع أكثر الأحزاب القومية قربا لحزبها الاتحاد الاجتماعي المسيحي وحزب الديمقراطيين الأحرار المؤيد لقطاع الأعمال، بالإضافة إلى الخضر من اليسار.
في بريطانيا على سبيل المثال 52% من الناخبين اختاروا الخروج من الاتحاد الأوروبي، والآن تتجه البلاد إلى أن تصبح دولة منعزلة تتسم بالمناطقية وكراهية الأجانب، ولكن يواصل قادتها إخبار الناس بأن بريطانيا ستكون في وضع أفضل وحدها.
على الجانب الآخر فرنسا لديها رئيس جديد ونشيط مؤيد للاتحاد الأوروبي، وهو ايمانويل ماكرون، وهو ملتزم بإعداد بلاده للسنوات القادمة، ولكن فرنسا لا تعتبر أكثر عالمية من بريطانيا، وفي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية هذا الربيع فإن الحملات ذات التوجه القومي لمارين لوبين وجان لوك ميلانشون ونيكولاس ديوبونت –اجينان حظيت بشكل جماعي بما نسبته 46% من الأصوات، أي مثل نسبة الأصوات التي حصلت عليها حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا تقريبا.
من الواضح أن الاتحاد الأوروبي هو مجتمع من الدول ومن المواطنين، وهذا يعني أن الانقسامات ضمن الدول هي بنفس أهمية الخلافات الدبلوماسية بين البلدان.
في وقت سابق من هذا العام حاول تقرير لمعهد بروكنغز أن يقرر ما إذا كانت أوروبا «المنطقة السياسية الأمثل»، وهو مفهوم مأخوذ من نظرية روبرت مونديل المتعلقة بمناطق العملات الأمثل، حيث خلص التقرير إلى نتيجة مفادها أن الخلافات الثقافية والمؤسساتية بين دول الاتحاد الأوروبي لم تتغير كثيرا خلال العقود الثلاثة الماضية من التكامل الأوروبي، ولكن وجد التقرير كذلك أن الانقسامات بين البلدان هي أقل بكثير من الخلافات ضمن البلدان، أو بعبارة أخرى فيما يتعلق بموضوع حرية الحركة والتنقل، فإن هناك استقطابا بين لندن ومنطقة الميدلاندز البريطانية أكثر من الاستقطاب ما بين بريطانيا وبولندا.
إن إنشاء أوروبا مرنة أو متعددة المستويات يمكن أن يحل بعض المشاكل قصيرة المدى، وذلك عن طريق الجمع بين ائتلافات الراغبين من أجل التعامل مع قضايا محددة، ولكن يمكن أن يؤدي ذلك لأخطار جديدة، فمعظم الدول الأوروبية بغض النظر عن المستوى الذي يريدون أن يكونوا عنده ما تزال مجتمعات 50:50 يمكن أن تختار أو لا تختار المزيد من التكامل، وذلك من خلال انتخابات واحدة، أو استفتاء واحد، وفي المستقبل لا يستطيع أحد أن يستبعد إمكانية انتخاب لوبين كرئيسة لفرنسا، أو أن تصل حركة الخمسة نجوم المعادية للاتحاد الأوروبي للحكم في إيطاليا، وعلى نفس المنوال فإن المنبر المدني الأكثر اعتدالا قد يعود إلى الحكم في بولندا.

مارك ليونارد*



*مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
(بروجكت سندكيت)

 

 

.        2017-12-09 1:57 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • 2- الخوف/التخويف وسيلة سياسية استعملها النازيون وتستعمل الآن للهيمنة السياسية على الحزب أو الدولة. دول شرق أوروبا متخلفة في الفكر الديموقراطي (الإنسانية) وتحن لبساطة الإدارة السوفييتية: اسمعوا وأطيعوا. الإرث الديموقراطي يحارب الخصوصيه/فئة مختارة, وفاز ماكرون في فرنسا. saleh
  • 1- المعارضون للقيم الأوروبية التقدمية (الإنسانية) يحلِِْون بقيم ذات تكوين سوفيتي (جدران, خوف/تخويف من المغاير). ثقافة شرق أوروبا في واقعها تتعلم التكامل الإنساني ( inclusive), بدلا من الإقصاء, الشك/التشكيك ( exclusive) بالمختلف (معاملة بولندا/هنقاريا للاجئين, مثالا). saleh

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.