الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

القدس قضية أمة

الفلسطينيون يستحقون المؤازرة في محنتهم لاسترداد أرضهم المسلوبة والانتصار لقضيتهم التي أصبحت سلعة في متجر السياسة الدولية، وورقة تلعب بها التوازنات الدولية على حساب مصالح دول المنطقة

تعتبر القضية الفلسطينية هي القضية المحورية التي ترتبط بها أحداث المنطقة العربية على اختلاف مسبباتها وتوزيعها الجغرافي، وهي الحلقة التي تلتقي فيها الهموم القومية العربية بمختلف مكوناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي انعكست آثارها على شعوب المنطقة وحاضرها الثقافي والعلمي المعاصر، وقد تجسدت إفرازاتها على مستويات مختلفة وجوانب متشعبة اُستهدف بها إضعاف الانتماء القومي العربي، وإنهاك البنية السليمة للشعور الإنساني العربي المسلم، نحو المساهمة في حل قضاياه المصيرية أو حتى التخطيط لمستقبله القادم، وذلك بعد أن اشتد الوثاق الصهيوني بقوته العسكرية وقويت شوكته بنفوذه السياسي المتنامي، ولقد كان لتفوقه العلمي والتقني المتميز عن محيطه الجغرافي ومنافسته الحضارية للدول المتقدمة، الدور الأهم في تمكينه من إحكام السيطرة على أدوات توجيه العقل العربي، وتسييره نحو ما يخدم الأهداف الصهيونية ومقاصدها العنصرية المستبدة في السيطرة على المنطقة، وبذلك أصبحت القضية والمنطقة برمتها مرتكزا للصراعات الدولية، بل ومن أحد أهم مستهدفات القوة الدولية لتفكيكها جغرافيا بما يسهم في تحقيق تطلعات الصهاينة التوسعية التي شكلت فيها القضية الفلسطينية القطب المركزي المشترك الذي يحوي مجمل إشكالات منطقة الشرق الأوسط بمختلف مكوناتها الأيدلوجية والقومية والدينية.
وعلى الرغم أن بعض المحللين يرون أن أطماع اليهود في الاستحواذ على الأراضي الفلسطينية بدأت من ثلاثينيات القرن السادس عشر 1530، حينما حاول أحد أثرياء اليهود من الإيطاليين بناء مستعمرة لليهود الغربيين في الأراضي الفلسطينية لتكون ملاذا لهم يفرون إليها هروبا من الاضطهاد الذي يتعرضون له في الغرب، إلا أن ثمانينيات القرن التاسع عشر كانت البداية الفعلية لتنفيذ الخطة الاستعمارية للأراضي الفلسطينية التي نضجت ونُفذت على الأرض مع صدور وعد بلفور في 2 نوفمبر من عام 1917، والذي قضى بتأسيس وإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، ومما يؤسف له أن ذلك الحدث الجلل قد تزامن مع تطلعات متفائلة لشعوب المنطقة العربية في بلاد الشام والعراق بالاستقلال عن الدولة العثمانية، على أثر وعود واتفاقيات وهمية جرت بينهم وبين البريطانيين مقابل تحالفهم معهم في الحرب العالمية الأولى ضد العثمانيين وحلفائها، وعليه تمت مؤازرتهم للاستقلال عن الدولة العثمانية التي دب الضعف في كيانها الإسلامي، إلا أن الدول الغربية نقضت العهد وتلقفت ذلك الإرث الاستعماري في المشرق العربي لتقتسم أراضيه فيما بينها بناء على اتفاقية «سايكس بيكو» التي تمت لصالح بريطانيا وفرنسا وبرعاية دولية روسية، وذلك بعيدا عن الاتفاق الذي جرى بينهم وبين حكام المنطقة العرب ووعدهم بالاستقلال، وما لبثت أن وجدت تلك الدول نفسها أسيرة للاستعمار الأوروبي الذي اقتسم أراضيها دون سابق إنذار، بل بخيانة موثقة لاتفاقيات وهمية استهدفت خدمة المخطط الصهيوني والاستعمار الغربي للمنطقة، والذي انتهى في ظاهره بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبأكثر من عقد من الزمان بعد مقاومة الشعوب وإدراك الدول بأهمية احترام حقوق الإنسان وحريته في تقرير مصيره.
ولقد كان لتميز الأرض الفلسطينية المكاني والتاريخي والقومي والديني سبب وبالٌ عليها في أن تكون الأرض الوحيدة في العالم التي ما زالت حتى الآن ترزأ تحت الاستعمار اليهودي الصهيوني، وبدعم دولي يقوي من شوكته ويزيد من تمكنه في المنطقة بما يخدم تجذير وجوده وتأصيله كحق تاريخي مبتدع على حساب تشريد شعب صاحب حق سُلبت أرضه واغتصبت من سكانها الأصليين.
وفي ظل ما نشهده من تجاذبات وتناقضات في الرؤى حول واقع ومصير القضية الفلسطينية، وما نعيشه من تحديات دينية وقومية ترتبط بالسيطرة الصهيونية على بيت المقدس، بجعل القدس عاصمة له، والذي يعني استفزازا وتجاهلا وتعديا على حقوق أمم وليس شعب فلسطين وحده، بل هو اغتصاب سياسي لحق ديني وتاريخي وقومي لشعوب العالم جميعها من الديانات السماوية الثلاث، لما تتمتع به القدس من مكانة عالمية مُنحت لها من رب العالمين وتفرد تميزت به بين أراضي العالم ومدنها، والذي جعلها رمزا وكيانا تلتقي فيه أفئدة البشر من شتى أنحاء الأرض، وهي قبلة المسلمين الأولى ومنها عرج نبينا وخاتم الرسل -عليه الصلاة والسلام- إلى السماء، وهي أرض الأنبياء التي كانت مسرحا لتاريخ البشرية والديانات المنزلة.
ولذلك فإن الأرض الفلسطينية المسلوبة التي تحتضن بيت المقدس بما تبقى فيها من شعبها المضطهد ومن المستضعفين الذين أنجبتهم أرضها وصبروا على اغتصابها من الصهاينة المعتدين وبما تحملهُ الكثير منهم من وعثاء التشرد واللجوء والشتات في دول العالم طلبا للرزق وبحثا عن الأمان الذي افتقدوه في وطنهم المسلوب، فإنهم يستحقون التعاطف والمؤازرة والدعم المختلف في محنتهم لاسترداد أرضهم المسلوبة والانتصار لقضيتهم التي أصبحت سلعة في متجر السياسة الدولية، وورقة تلعب بها التوازنات الدولية على حساب مصالح دول المنطقة والشعوب برمتها.
وإن تقادم العهد بالقضية الفلسطينية وتعثر الانفراج فيها وتعقد مجرياتها بما يخدم الصالح الصهيوني المستبد، لا يعني تجاهلها أو نسيانها أو موتها سريرياًّ، ولكن ذلك يتطلب إعداد العدة الملائمة لمواجهتها بما يتناسب مع الظروف المعاصرة والمستجدة، كما يستدعي تجديد العهد بها وإثارتها كقضية قومية ودينية للجيل الحالي الذي لم يشهد بداياتها، ولم يتولد لديه التعاطف نحو القضية لأسباب مختلفة، كما أن الجيل السابق الذي عاصر محنتها وشهد الحروب التي عانتها والكوارث التي تسببت في شتات إخوتنا في الدين والعروبة، يحتاج للتذكير بها بهدف إيقاظ عقولهم ووجدانهم تجاه القضية ومجرياتها، لتحفيز شعورهم الإنساني وتجديد صحوتهم القومية والدينية، وبعثها من مرقدها بعد أن أكلها الدهر وبصمت في عقولهم ونفوسهم المتغيرات الحضارية والتطورات السياسية المناهضة للقضية والمثبطة للعزائم الشعبية، والذي يدفعهم نحو تهميش القضية والابتعاد عن جوهرها وأصلها المستحق لأمة سُلبت مقدساتها عُنوة وبغطاء دولي عنصري مستبد وبحماية صهيونية، وذلك في حين نجد أن هناك من النفوس الشريفة الأبية والدول النزيهة في توجهاتها ورؤاها والتي تحترم شعوبها، ترفض استمرار الظلم والتمادي في التعدي على حقوق مسلوبة لشعب وتطلعات مهزومة لأمة يشكل أتباعها غالبية الشعب الأصليين، وفي الحقيقة لا بد أن ندرك أننا إذا لم نؤمن بأحقيتنا في قضيتنا وعدالة مطالبنا ونعمل على تحقيق أهدافنا وتطلعاتنا كشعوب ودول متآخية يدعم بعضها بعضا كالبنيان المرصوص، فإن السيل جارف والخطر داهم بما يهدد أمننا جميعا كأمة وكأوطان مستقلة.

عبلة مرشد        2017-12-13 1:03 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • القدس قضية كل مسلم لكن قضية فلسطين مسؤول عنها خمسة عشر مليون فلسطيني يملكون مئات المليارات من الدولارات منتشرين في البلاد العربيه وفي أوربا والامريكتين لاهم لأكثرهم إلا الحصول على جنسيات الدول التي يقيمون بها ومحو اسم فلسطين من ذاكرة أبنائهم.وأحفادهم ولايعرفون إخوانهم المقيمين بفلسطين لابدرهم ولادينار ولامستشفيات ولاجامعات ولاطرق سريعه تربط بينهم ابو صالح الرياض. القصيم سبعيني معاصر احداث فلسطين
  • عم نهارا وإبهارا يا وطن المجد..من باب(خير المقال ما قل ودل) ..!!..اننا البلد الوحيد الذي قدم شهيدا للقدس برتبة ملك..رحم الله الإمام فيصل بن عبدالعزيز. سيد الكلمة
  • حواديت الخمسينات والستينات والسبعينات تتكرر وبكل رتابة وسطحية ،ما زالت عقول بعض القوم قص ولزق رغم كل الأحداث التى فضحت مطبلي تلك الفترة المنفرطة لغة وحبّات مسبحة! احمد سليمان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال