الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الجامعات ومسؤولياتها في إطار الحوكمة والمساءلة

جامعاتنا بحاجة مُلحة وعاجلة لإخضاعها للحوكمة والمساءلة والتحقيق في مختلف مسؤولياتها لقياس مدى تمكنها وصلاحيتها لأداء دورها المؤسسي المطلوب

تضطلع الجامعات بمسؤوليات متعددة ومهام حساسة وجوهرية، ينعكس أداؤها وجودة عطائها ومدى تمكنها ونجاحها المؤسسي؛ على المجتمع بمؤسساته المختلفة وكوادره البشرية المتباينة؛ وعلى مستوى التحديات ونوع الإشكالات التي تواجه المجتمع الذي يحتويها بشتى قطاعاته الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المختلفة، إذ تمثل مخرجاتها تلك القيادات التي تتحمل مسؤولية إدارة قمة الهرم المؤسسي بقطاعاته المختلفة العام منها والخاص، كما تشكل مخرجاتها مختلف الشرائح الأخرى من الموارد البشرية التي تقوم على إدارة وتسيير الأعمال المختلفة، وتفاعلها مع التحديات التنموية يقتضي تأهيل كلياتها وما تحويه من تخصصات علمية تواكب العصر، بما تتضمنه من تقنيات وعلوم مختلفة تتلاءم مع التقدم العلمي والمتطلبات السوقية والمؤسسية الوطنية والعالمية، وذلك يتطلب بدوره الارتقاء بمضمونها العلمي المنهجي والبحثي من جهة، وبمستوى كوادرها الأكاديمية التي تتحمل مسؤولية التعليم وإدارته من جهة أخرى، والذي يتبلور في نوعية ومستوى كفاءة مخرجاتها من الطلاب والطالبات ومدى قدرتهم على تحمل مسؤولياتهم الوطنية والمجتمعية، وبما يمكنهم من مواجهة ومعالجة التحديات والإشكالات التي تواجه المجتمع؛ ويتطلب ذلك في مجمله إدارة عليا مؤهلة وقادرة، ونمطا مؤسسيا وهيكلا إداريا يتمتع بالتأهيل والجودة والتنظيم والدقة والحيوية المطلوبة للمتابعة والتجديد، وذلك جميعه ينطلق من دور الجامعات المؤسسي والتعليمي والاجتماعي المناط بها، والذي تتحمل مسؤولياته لكونها المنصة الوطنية العليا للتعليم، وعليها تنعقد الآمال ومن خلالها تُبنى الطموح والرؤى الاستراتيجية والخطط الوطنية المستقبلية.
 وبناء على حساسية دور الجامعات وأهمية مسؤولياتها المناطة بها وحجم انعكاساتها الوطنية، فإن ذلك يقتضي إخضاعها كمؤسسات تعليمية عليا للحوكمة والمساءلة الشفافة عن كافة مسؤولياتها (التعليمية والبحثية والمجتمعية) لتقييم مستوى أدائها ومدى فاعلية وجودها في خدمة المجتمع، وما هو الدور الفعلي الذي تقوم به وتسهم من خلاله في تحقيق التطلعات الوطنية والرؤى الطموحة، وإن الأخذ بإجراءات الحوكمة والمساءلة الشفافة وتنفيذها المهني الصحيح يتطلب وجود مؤشرات محددة معروفة تحوي كافة المسؤوليات، والذي يمكن من خلالها قياس وتقييم مستوى الأداء المنجز وحجم الإخفاق المحقق، وذلك يتضمن تحديد مستوى أدنى وأعلى للأداء، وعلى أساسه يمكن القياس وفق درجات تحدد مستوى الأداء الفعلي، وبالطبع إن لذلك مواده وتقنينه ومؤشراته المعروفة في الجامعات العالمية، وبذلك يمكن للجامعات تحقيق الأهداف الحقيقية من وجودها كمؤسسات تعليمية عليا وبما تتحمله من مسؤوليات جسيمة وهامة، وعليه يمكن محاسبة الجامعة ومساءلتها عن كافة مسؤولياتها الإدارية والمالية والأكاديمية المختلفة بصفة دورية مستمرة وبمتابعة من المؤسسة التعليمية العليا التي تحتويها تحت مظلتها، أو من جهة حيادية مستقلة تقوم بتقييم الجامعات بصفة الخصوص والتعليم على وجه العموم؛ أو جهة رقابية مستقلة تماماً تكون مسؤولة عن التحقيق والمساءلة والحوكمة لمؤسسات الدولة بقطاعاتها المختلفة (كهيئة مكافحة الفساد «نزاهة»، أو هيئة الرقابة والتحقيق وغيرهما).
 ومن جهة أخرى فإن عدم وجود الحوكمة والمساءلة للجامعات، أو عدم شفافيتها، أو أن تكون إجراءاتها وأساليبها لا تخضع لأساليب علمية دقيقة ومحددة، أو أن تكون خاضعة لجهة رسمية لا تملك الإمكانات الإدارية والآليات الملائمة للتحقيق في خبايا الأمور وظاهرها، أو تكون من جهة تحابي الجامعة ومسؤوليها أو غير ذلك؛ فإن ذلك جميعه يجعل الجامعات من أكثر المؤسسات الوطنية تأثيراً في أسباب وجود الفساد والخلل في المنجزات التنموية الوطنية؛ لأن فسادها لا يقتصر أثره على كيانها الداخلي وأسوارها الأسمنتية، وإنما يمتد ليشمل كافة مؤسسات الدولة وقطاعاتها من خلال مخرجاتها الضعيفة التي لم تتلق العلم الصحيح والكفاءة المطلوبة والتأهيل المناسب، وتلك المخرجات هي ذاتها من يقوم بتحمل مسؤولية إدارة مؤسساتنا الوطنية وتسيير الأعمال فيها على كافة المستويات الوظيفية، وهي كذلك من يعاني من البطالة أو عدم الكفاءة في التأهيل والتدريب.
 ولعل ما نشهده ونقرؤه ونتابعه في إعلامنا المختلف عن وقائع وأحداث تتصل بالجامعات وما يرتبط بها من إفرازات وطنية، يؤكد أن جامعاتنا بحاجة مُلحة وعاجلة لإخضاعها جميعها للحوكمة والمساءلة والتحقيق في مختلف مسؤولياتها، لقياس مدى تمكنها وصلاحيتها لأداء دورها المؤسسي المطلوب، وإلا فإن الاستثمار فيها يكون إهداراً للمال ولمواردنا البشرية المأمولة، بل وسبباً في عرقلة مسيرتنا التنموية الوطنية من تحقيق تطلعاتها ورؤيتنا الطموحة، وإن التوسع في عدد الجامعات ليس مطلباً مهماً بقدر التمكن من جودتها وكفاءة مخرجاتها.
 وإذا ما فتحنا ملف الجامعات الداخلي نجد فيه إخفاقا جسيما وخللا واضحا في آلية إدارة الجامعات والكليات، وبما تحويه من أقسام وتخصصات مختلفة، وما تتضمنه من أكاديميين وأعضاء هيئة تدريس، سواء من المواطنين أو غيرهم، وذلك يشمل التالي:
1. عدم مصداقية أو ضعف كثير من الشهادات والمؤهلات العلمية التي يحملها الأكاديميون الذين يقومون بتدريس أبنائنا وبناتنا.
2. اعتماد قبول أكاديميين بمؤهلات مرجعية لا تتناسب مع تحملهم مسؤولية التعليم للمستوى الجامعي وما فوق.
3. عدم مصداقية كثير من البحوث العلمية التي تقدم للترقيات العلمية أو لنيل درجات علمية أكاديمية (بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه).
4. الانحياز نحو المجاملات والمحسوبية وذوي القربى والانتماء القبلي في تعيين وتوظيف كثير من أعضاء هيئة التدريس من المواطنين والمتعاقدين أكثر من اعتماده على التميز والتفوق في المؤهل والكفاءة.
5. عدم التزام المسؤولين في الجامعات بمختلف مستوياتهم الوظيفية بتنفيذ عملية التوطين عندما يوجد المواطن الكفؤ الذي يناظر المتعاقد من غير المواطنين بل ويفوقه تأهيلاً وقدرة وانتماء (وذلك معروفة أسبابه)، وفي ذلك تجاهل للتوجهات العليا والمصلحة الوطنية.
6. ضعف آلية متابعة مستوى الجودة في الأداء والفاعلية الحقيقية لمختلف مسؤوليات الجامعة ومهامها (التعليمية، البحثية، المجتمعية).
7. عدم انتهاج سياسات وإجراءات مهنية في اختيار القيادات الأكاديمية الإدارية واعتمادها على رؤى وخيارات شخصية منحازة.
8. الافتقار إلى آلية واضحة وشفافة في إجراءات التعاقد والتوظيف وما يتعلق به من ضوابط دقيقة تضمن المصداقية والموثوقية المطلوبة.
9. تمرير الكثير من نسب القبول المنخفضة بالقبول العام أو القبول في تخصصات تستقطب نسبا مرتفعة بناء على العلاقات الخاصة.
 بل ويضاف إلى تلك الاختلالات المهنية والوظيفية في مستوى أداء الجامعات لمسؤولياتها ودرجة مصداقية وموثوقية ما يصدر عنها من تقارير وتصنيفات وطنية ودولية؛ الكثير من التفاصيل التي تحويها بين جنباتها في كل جانب من مسؤولياتها والتي لا يتسع المقام لذكرها أو كشفها.
 وعليه فإن واقعنا التنموي وما نواجهه من تحديات تتعلق بمواردنا البشرية وما يتصل بذلك من تحديات وظيفية، والحاجة إلى خلق فرص عمل مختلفة منتجة وذات قيمة سُوقية يمكنها أن تساهم في تنوع قاعدتنا الاقتصادية، وفي رفع قيمة مدخلاتنا الإنتاجية لاقتصادنا الوطني بما ينعكس مردوده على تنمية اجتماعية شاملة وازدهار وطني؛ يقتضي احتواء الجامعات (وبشكل ملح) في إطار الحملة النزيهة لمكافحة الفساد في مؤسساتنا الوطنية والذي سيثمر بالتأكيد عن منجزات وطنية ستتحقق ونهضة تنموية ينعم بها الوطن والمواطنون.
 

عبلة مرشد        2017-12-21 12:53 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • كما ذكرت الاستاذه الكريمه-اسس المشاكل- فى جامعاتنا هو (الفساد)..واستفحاله فى كل مفاصلها ،وهذا زلزال رهيب يزعزع كل العمليه العلميه والمعرفيه،ومادام السبب معروف فالعلاج ممكن ،ويذكر ان -البتر- فى هذه الحاله أوقع وأقوم! احمد سليمان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال