الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

ما ذئبان جائعان

المأمول من كل مسلم أن يتقي الله تعالى، ويكون صادقا في قوله وفعله، قال تعالى (ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم)، وليكن سلفيا على الجادة، محبا لدينه ووطنه وقيادته

قال النبي صلى الله عليه وسلـم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» رواه الترمذي وصححه، فكما ترى - أخي القارئ الكريم - يُبيِّن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث خطورة الحرص على المال والتعاظم على الخلق، على دين الإنسان واستقامته - ولا يدخل في الحديث من حصل على المال من حله، فقد جاء في الحديث: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) - ومعلومٌ أن الذئب إذا أُرسل في غنم فإنه يأكلها، وإذا لم يأكلها كلها فإنه يفرسها ويهلكها، فلا ينجو من الغنم شيء، فما بالك إذا كان الذئب جائعا؟ وما بالك إذا لم يكن ذئبا واحدا بل كانا ذئبين جائعين؟ لا ريب أن الهلاك والفساد يكون أكبر وأعظم.
وهكذا حرص الإنسان على المال والطمع فيه والاستشراف له، وجعله أكبر همه، لكونه يرى أن الحلال ما حلّ في يده مهما كان مصدره، هذا الحرص يفسد الدين أشد من إفساد الذئبين الجائعين للغنم، ومن كان هذا شأنه فإنه يبيع دينه بعرض من الدنيا، وربما يكون خائنا لوطنه من أجل لعاعة من الدنيا، أو تكون له مواقف متقلبة، حسب ما يقبض من مال، وهذا فسادٌ في الدين، ونقصٌ في العقل.
بينما المسلم التقي النقي: يستحيل أن يبيع دينه بعرَضٍ من الدنيا، حتى ولو أُعطي ملء الأرض ذهبا، فالدين والنزاهة هما الرصيد الباقي، وأما المال والمنصب فإنهما فانيان، وصاحبهما فان كذلك، كما يستحيل أن يقول باطلا، أو يُسوِّغ منكرا، أو يستشرف للفتن، أو ينازع الأمر أهله، أو يصطف مع أعداء دينه ووطنه وقيادته، وإنما يلتزم بوصية النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، والأحداث تكشف عن معادن الناس، فيتبيَّن - كما يقول ابن حجر رحمه الله - النفيس من الخسيس، ومهما تكن عند امرئ من خليقة، وإن خالها تخفى على الناس تُعْلمِ، والعبرة بالحقائق لا بالدعاوى، فمن كانت حقيقته الصدق والإخلاص والنزاهة، فإنه يُعَدُّ من أسباب النصر والرزق، وإن كان ضعيفا، مدفوعا بالأبواب، بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه البخاري: (هل تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلا بضعفائكم)، وقوله في الحديث الذي رواه النسائي وصححه الألباني: (إنما يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلاتِهِمْ وَإِخْلاصِهم)، ومن كانت حقيقته المنابذة والإثارة واتباع الهوى، فإنه لا خير فيه، مهما ادَّعى النصح والخير.
وقد دلَّ الحديث كذلك على خطورة حرص المرء على التعاظم على الناس بالشرف والمنصب والمكانة، وأن ذلك أشد فسادا لدينه من فساد الغنم التي أُطْلِقَت عليها الذئاب الجائعة، ولهذا كان المؤمن منهيا عن طلب الولاية لقوله عليه الصلاة والسلام لمن طلب الولاية: (إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه، ولا من حرص عليه)، وقد جرت العادة أن من حرص على الولايات، بطريق مباشر، أو غير مباشر وهو الأكثر، أنه لا يُوفَّق، لأنه يُوكَل إلى نفسه، ومن وكله الله إلى نفسه فقد وكله إلى ضَعْف، وقد جاء في ذلك حديث صحيح: (إنك إن سألتها وُكلت إليها).
وأما إذا لم يستشرف الإنسان إلى ذلك، وسأل الله العافية صادقا من قلبه، فأتته الولاية والمنصب بغير تطلعٍ منه، فإن الله يعينه على الأمانة ويصلح له البطانة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلـم لعبدالرحمن بن سمرة: (فإنك إن أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا). فتَطَّلُع الإنسان للرئاسة على الخلق والتعاظم عليهم، ورغبته أن ينقاد الخلق له، ويصرفوا وجوههم إليه، مفتخرا بنفسه، معجبا بها، هذا التعاظم يفسد دين المرء، أشد من إفساد الذئبين الجائعين للغنم.
والمأمول من كل مسلم أن يتقي الله تعالى، ويكون صادقا في قوله وفعله، قال تعالى (ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم)، وليكن سلفيا على الجادة، محبا لدينه ووطنه وقيادته، نزيها عفيفا، غير مُتَعالٍ على الخلق، بل ميسرا لهم أمورهم، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، حَذِرا من الرياء والتلون وحب الظهور بالباطل، فإن حب الظهور يقصم الظهور، متجنبا الأحزاب والتيارات التي هي كالميازيب، تجمع الماء كدرا، وتُفرقه هدَرا، فقد أغنانا الله عنها بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. 

أحمد الرضيمان        2017-12-21 11:20 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 4 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • جزاكم الله خيراً الاستشراف والصدق بالنية والعمل هما سبيل كل خير وصلاح لهذه الأمة واما من أراد المناصب وطمع بالمال فإنه قد فسد في نفسه ثم مجتمعه وقد فسد دينه ma
  • هل كان في بطانة أبي بكر فاسد ؟ الجواب : لا .. وهل وجِدَ في بطانة عمر فاسد ؟ الجواب : لا .. ولهذا كانا حاكمان ربانيان خافا الله في عباده ، وفي بلاد الإسلام والمسلمين .. البطانة أجيانا تكون أهم من الحاكم .. فهي أما تدله على الخير ، وإما تدله على الشر .. غرم الله قليل
  • سلام .."البعرة تدل على البعير،والأثر يدل على المسير"..إذا أردت معرفة ما إذا كان فلانا صالحا فانظر لمن حوله من(الصحاب، والبطانة ، والأخلاء ، والخاصة)!كانت بطانة أبي بكر وعمر من"الأخيار"فلم يسجل/يرصد عليهما فعلا أو قولا سيئا،وعملا لإسعاد المسلمين..وكانت بطانة صدام ، وحسني ، وزين العابدين ، وعفاش ، وصدام ، والقذافي من"الأشرار"فضروا أنفسهم ، وأضروا بالناس وبأوطانهم"أخبرني من تصاحب- أخبرك من تكون"! غرم الله قليل
  • يسعد صباحك كاتبنا المحترم ، وأرجو في ذكرى رحيل ابو متعب الملك عبدالله بن عبدالعزيز أن نترحم عليه ، عسى ذاك الوجه بجنات الفردوس آمين متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال