الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

المعاصي سبب زوال النعم وحلول النقم

لا يجوز الالتفات إلى متبعي الشهوات الذين يدعون إلى المعاصي ويحسنونها، ويقللون من خطرها، كما في كتاباتهم وتغريداتهم ومقالاتهم، فإن هؤلاء لم ينفعوا أنفسهم، ولن ينفعوا غيرهم

أخبرنا الله ورسوله أن المعاصي والذنوب سببٌ لزوال النعم، وحلول النقم، ومن أصدق من الله قيلا! ومن أحسن من الله حديثا! يقول تعالى مقررا هذه الحقيقة: (وكأيِّن من قرية عَتَت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خُسْرا)، وقال تعالى (فلما آسفونا - أي بالذنوب والمعاصي والمخالفة- انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين)، هذا الانتقام لكل من بارز الله بالعصيان، ولهذا قال تعالى (فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين)، وقال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، وكما أن الطاعات سبب للنعم، فإن المعاصي تزيل النعم، وتأتي بنقيضها من الخوف والجوع، قال تعالى (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)، والله تعالى يملي لعباده لعلهم يتوبون ويرجعون، ولكن إذا تمادوا ونسوا
ما ذُكِّروا به، سلط الله عليهم عقوبة مفاجئة، كما قال تعالى: (فلما نَسُوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون)، ولا يصح أن تكون النعم والخيرات سببا للأمن من مكر الله، ومبارزته بالذنوب والعصيان، قال الله تعالى: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون)، وبأس الله شديد، وهو قادر على إيقاعه متى شاء كيف شاء، فنعوذ بالله من سخطه، قال تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون)، وقد مزق الله سبأ كل ممزق بسبب ظلمهم، بعد أن كانوا آمنين، في رغد من العيش، يقال لهم: (كلوا من رزق ربّكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور)، لكن لما عصوا وأعرضوا وظلموا، جعلهم الله أحاديث ومزقهم، وسلط عليهم سيل العرم، كما قال تعالى عنهم: (وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزقٍ إِن في ذلك لآيات لكل صبارٍ شكور)، وقال تعالى: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم).
فالمأمول من كل مسلم أن يتقي الله، ويحذر الذنوب والمعاصي، مهما زينها الشيطان، فإن عاقبتها وخيمة، حتى أن العبد ليحرم الرزق في ماله وعمره وعلمه بسبب الذنوب، دليل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)، فالله يأخذ بالذنوب، هذه سنة الله في عباده، ولن تجد لسنة الله تبديلا، قال تعالى: (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)، وإذا كان ما تقدم من آيات كريمة هو كلام الله تعالى، فالواجب العمل بها، كل يعمل بذلك في نفسه وأسرته، ولا يجوز الالتفات إلى متبعي الشهوات الذين يدعون إلى المعاصي ويحسنونها، ويقللون من خطرها، كما في كتاباتهم وتغريداتهم ومقالاتهم، فإن هؤلاء لم ينفعوا أنفسهم، ولن ينفعوا غيرهم، قال تعالى: (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا إليهم ميلا عظيما)، وقال تعالى:(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا)، ومن انفرط أمره خسر نفسه.
يقول ابن القيم رحمه الله: (مما ينبغي أن يعلم، أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا بد، وأن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح؟... وما الذي أغرق أهل الأرض حتى علا الماء فوق رأس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مر عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟..وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء، وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال، ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه، وتبَّروا ما علوا تتبيرا؟.
كل ذلك العذاب سببه الذنوب والمعاصي، والله يقص علينا القصص لنتعظ ونعتبر، ومن رحمة الله بنا أن أرسل إلينا رسولا، وأنزل لنا كتابا، وأعطانا عقولا واختيارا، فكلٌ مسؤول عن اختياره لنفسه، وكل امرئ بما كسب رهين، والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، فمن بارز الله بالمعاصي سينتقم الله منه، (ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون).
 

أحمد الرضيمان        2017-12-23 11:11 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 34 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • الأخ أبو صالح من الرياض/ لاريب أن خير الناس قرن النبي عليه الصلاة والسلام ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، وآخر سؤالك لم أفهم مقصودك فيه، لكن على كلٍ المسلم هو من جاء بأركان الإسلام الخمسة، ووقوعه في بعض الذنوب والمخالفات لا يخرجه من الإسلام،مادامت دون الكفر والشرك. أحمد الرضيمان
  • مرحبا أخي المحتسب، بل كلاهما الوعد والوعيد، قال تعالى(نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم)،ولكن إذا تكلم الإنسان في كلمة ما عن نعيم الجنة لا يلزم أن يتكلم عن عذاب النار في نفس الكلمة والعكس كذلك، المنهي عنه هو الإعراض عن أحدهما دائما، وأذكر هنا أني تحدثت مرة في ندوة عن خطورة الخوارج،فاعترضني شخص بعد المحاضرة وقال:لماذا لم تتكلم عن العلمانيين في نفس الندوة؟ فقلت:هذا موضوع وهذا موضوع،وماالذي يضيرك أن نحذر من الخوارج، على كلٍ الوسطية هي دين الله أحمد الرضيمان
  • مادمت قلبت بالسابق أحاديث الوعد والآن بدأت مرحلة التقليب في أحاديث الوعيد فيا ترى أيهما نطبق أولا أحاديث الوعد أم نطبق أحاديث الوعيد أولا أم نطبقهما معا وهناك سؤال آخر بعد تلقى إجابتك ومن المناقشه ينبثق النور محتسب
  • تعليق على الكاتب ءء يقول الرسول الهادي البشير الذي لاينطق عن الهوى وبعث ليتمم مكارم الأخلاق يقول عليه الصلاة والسلام: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. السؤال هل القرن الذي نعيش فيه أفضل وأكمل وأزكى وأصدق من القرن الأول او الثاني الذي عاش فيه المرجئة والخوارج وأن القرن الذي نعيش فيه أفضل بل خير منه وأننا أمة الوسط ونحن السنة والجماعة وماذا نسمي المسلمين في القرن الذي عاش فيه أتباع الوعد وأتباع الوعيد ونتساءل بعد أن اندحرت فلول الدواعش والقاعدة ماذا نحكم عليهم ونصنفهم ابوصالح الرياض
  • الأخ الكريم أبو وفاء : قولك أن الآيات في التحذير من المعاصي خاصة بوجود الرسل ، قولٌ ماسبقك به أحد من العالمين فيما أعلم ، ومجرد تصوره كاف في إبطاله ، كيف والأدلة من الكتاب والسنة تدل على خطأ ما تقول ، سامحك الله أحمد الرضيمان
  • الأخ الكريم أبو صالح : قول : المعاصي تزيل النعم ليس خيالا بل هو حقيقة تدل عليها الآيات الكريمة المذكورة في المقال ، وفقك الله أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل (مرب مخضرم معاصر) : لامانع أن نقلب الصفحة، فقذ ذكرنا في مقالات سابقة آيات الوعد والرجاء وسعة رحمة الله ، والآن نذكر الآيات في عقوبة المعاصي ، كل من عند ربنا ، ونأخذ بها كلها ، وقد ضل المرجئة عندما أخذوا آيات الوعد والرجاء وتركوا آيات الوعيد ، وضل الخوارج عندما أخذوا آيات الوعيد وتركوا آيات الوعد ، وهدى الله أهل السنة إلى الوسطية فأخذوا بهذا وهذا ، وقالوا كل من عند ربنا. وفقك الله أحمد الرضيمان
  • على أساس أن سكان السويد وأيسلندا لا تفوتهم صلاة الفجر ويعمرون "المساجد" ليلا ونهارا .! المعنى الذي تذكره الآيات الكريمات هي عندما يكون هناك رسول ، فالله تعالى يهلك من يعصيه ، ولكن عندما لا يكون هناك رسول ، فالأمر متروك ليوم القيامة. أبو وفاء
  • أجاب الله دعاءك أخي فهد المطيري وشكر الله لك حسن ظنك ، وأهلا ومرحبا بالأستاذ الفاضل غرم الله ، وجوابا عن قولك إن المعاصي باتت غير واضحة ، أقول : بل هي واضحة ، الحلال بين والحرام بين ، والامور المشتبهة تتقى ، ومن اتقى ابشبهات فقد استبرأ لدينه ، والإثم ماحاك في نفس الانسان وكره أن يطلع عليه الناس ،،وفي نظري أن من يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية ويستغفر الله ، خير ممن يستحلها ، مستدلا بالخلافات المهجورة ، ومتبعا لزلات العلماء المذمومة ، ولدينا قاعدة مهمة وهي : دع مايريبك إلى ما لايريبك . أحمد الرضيمان
  • أراك قلبت الصفحة بدأت تترك أحاديث وآيات الوعد وتذهب إلى أحاديث وآيات الوعيد والرسول يقول بشروا ولاتنفروا وفي الآية. الكريمة إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك الآية.. وفي الحديث القدسي لو لم تخطئون وتتوبون لبدلتكم بقوم يخطئون ويتوبون فأغفر لهم الخ .. أيها الغالي عندنا دعاة آخر زمن من المكفرين والمفسقين وفرقة وحزب الاحوط وسد الذرائع هؤلاء الفائض منهم عندنا يغطون عين الشمس وبعضهم متخرج من أكاديميات تورا بورا مرب مخضرم معاصر
  • الأمثال والشعر لا يتبعها إلا الخياليون إلا ماندر كقول الشاعر إذا كنت في نعمة فارعها.. فإن المعاصي تزيل النعم .أما الأمثال الكاذبة الخادعة كمثل ظلم بالسويه عدل بالرعية. والله ان عندنا متنطعين لن ينظف سذاجتهم وعنادهم لو تغسلهم بالفرات المشكل أنهم يستثمرون المال والوظائف بتمشيخهم ويجدون من يصدقهم ويركض وراءهم حتى من بعض المعلقين على هذا المقال ابو صالح الرياض
  • المشكلة يا شيخ أحمد أن المعاصي باتت ، وأصبحت ، وأضحت ، وصارت غير واضحة المعالم والحدود .. فالمتشددون جعلوا (الأصل كل شيء حرام - ولا حلال الا بنص) .. عكسوا القاعدة الشرعية التي تقول (الأصل في الأشياء الإباحة/الحل حتى يدل الدليل على التحريم)..ولا يعرف من يخالف هذه القاعدة - حسب علمي - الا الإمام أبو حنيفة.. غرم الله قليل
  • بارك الله فيك وف مقالاتك التي تلامس الواقع وتحذر الناس الله يجعل ماتكتبه في ميزان حساناتك ولايحرمك ولايحرمنا وكل مسلم من الفردوس الأعلى شكرا فهد المطيري_السعوديةحفر الباطن
  • (*) سأخبرك يا شيخنا الفاضل بأمرٍ يبشر بالخير .. يرى الناس أن الله جعل لنا ولاة أمرٍ يخافون الله فينا .. ويريدون لنا العودة للإسلام الوسطي .. (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الاية.. وفق الله سلمان الحزم ، ومحمد العزم ، لما يحبه ويرضاه وسددهم تسديدا .. غرم الله قليل
  • (*) هل لو قامت الدول الإسلامية بإعطاء كل الشيوخ قصورا ، وسيارات ، ومزارع ، وقطعانا من الإبل ، والغنم ، والمعيز يترك هؤلاء المتمشيخين./ تجار الدين الدجلَ وتفسير الأحلام بمقابل و..و..الخ ؟ غرم الله قليل
  • (*) متى تظن يختفي هؤلاء الأدعياء ؟ غرم الله قليل
  • (*) ولماذا يجدف بعض من يصنفون أنفسهم بالشيوخ ؟ غرم الله قليل
  • (*) لماذا يستغل الدين لتدليس ؟ غرم الله قليل
  • (*) أصبح لدى الناس قناعة أن من يريد أن يتغانى ويصبج عنده قصر ، وسيارات ، ومزارع ونياق : "وضح / صفر/ مغاتير / جهم" ، فعليه أن يسمي نفسه شيخ ، ويقصر الثوب ، ويمتنع من لبس العقال ، ويلبس الحذاء الشرقي ، وينال ما يريد .. غرم الله قليل
  • (*) هناك صكوك بالكيلومترات ، فاسدة ، صدرت من جهات معلنة .. = غرم الله قليل
  • (*) هناك كتاب عدل ضبط لديهم ملايين وعند السؤال قالوا إن الشيطان سحرهم فقبضوا المعلوم .. (القضية المعلنة في المدينة المنورة أنموذجا) ! غرم الله قليل
  • (*) هناك وعاظ يفتون على الهواء - كيفما اتفق ! = غرم الله قليل
  • (*) المتشددون يقدمون العادات على الدين - بعد أن أضافوا عادات رؤسائهم/ شيوخهم للدين .. وأنت بذلك أدرى .. غرم الله قليل
  • (*) الصوفيون يقولون نحن إلى الله أقرب .. وغيرهم لا يرقى لمستوى فهمهم للدين .. ويرقصون تعبدا .. = غرم الله قليل
  • (*) كل فرقة تقول أنها ومن يسكن في منطقتها هم الفرقة الناجية الوحيدة ، ولها الجنة .. وغيرها فرق ضالة ولها النار .. أليس في ذلك تألي على الله (من ذا الذي يتألى عليّ ..) الحديث..= غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال