الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

متلازمة ستوكهولم والحوثيون

في 23 أغسطس عام 1973، هاجم بعض المسلحين أكبر بنك في مدينة ستوكهولم، واحتجزوا بعض الموظفين كرهائن، وعلى مدى أيام حاول رجال الشرطة التفاوض مع الخاطفين لإطلاق الرهائن، ولكن بلا فائدة، فنفذت الشرطة هجوما مفاجئا وحررت الرهائن، وهنا حدثت المفاجأة، فبدلا من مساعدة الشرطة في مهمتها، راح بعض المخطوفين يقاومون محاولة تحريرهم، بل إنهم أبدوا تعاطفهم مع الخاطفين، وظلوا يدافعون عنهم، وذهبوا ليشهدوا لمصلحتهم بعد ذلك أمام القضاء.
هذا التصرف الغريب جعل عالم النفس السويدي ينشر نظريته الشهيرة «نظرية ستوكهولم»، والتي تتلخص في أن أفراد المجتمعات التي تتعرض للقمع والاستعباد ومصادرة حرية الرأي، ويتم امتهان حرياتهم وكراماتهم، ونشر الجهل والفقر بينهم، فإنهم مع استمرار الحال يتعاطفون ويتعايشون مع المعتدي، بل ويسعون أحيانا إلى إرضائه.
الحركة الحوثية ظهرت كحركة طائفية وقبلية، أكثر من كونها سياسية في اليمن عام 1992، ويؤمن كثيرون أن ظهورها كان بتسهيلات من الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، الذي كان يتباهى بلعبة التحالفات، وإذكاء النفس الطائفي والقبلي في اللعبة السياسية، ولعلّه لم يعلم أنه سيكون يوما ضحية هذه المغامرة السياسية، وأن اليمن سيكون كبش فداء لمراهنات لم تضع مصلحة ورفاهية الشعب في أولوياتها.
عاش غالبية أتباع الرئيس صالح وهم يعانون متلازمة ستوكهولم، فقد كانوا يعلمون أنه يجرّ البلد إلى كارثة، وأن تحالفه مع الحركة الحوثية هو اختطاف للحركة السياسية والمبادرة الخليجية لإنقاذ لليمن، وسماح بتدخل وتوغل إيراني، وتحويل البلد إلى صومال آخر أو شام أخرى.
رحل علي عبدالله صالح، وواجه أتباعه المصير نفسه، فظهر الحوثي بديلا للزعيم، وللحوثي كثير من الأتباع الذين يعانون المتلازمة نفسها، رغم يقينهم بأن الرهان على الحوثيين هو رهان خاسر، وأن مصير الحركة إلى زوال.
إن ارتباط مصير بلد بالعواطف والأحاسيس الفوضوية وغياب العقلية الراشدة، سيؤدي إلى كارثة يصعب التعافي منها لعشرات السنين. إن الانجرار خلف الأفكار الطائفية والمفاهيم والتصورات الخاطئة وغير المحسوبة، سيجعل حياة اليمنيين أكثر سوداوية، وستحرمهم طمأنينة العيش. إن الحركة الحوثية تتمدد حاليا في صنعاء، مخلّفة وراءها أضرارا منهجية وأخلاقية عظيمة، فقد جعلوا لأنفسهم رؤية زائفة، لها مجموعة من الأتباع الذين يناصرونهم لاعتبارات قبلية وثقافية وعقائدية، دون وجود رؤية سياسية أو انتماءات وطنية أو مشاريع تنموية. ولمواجهة ذلك فعلى اليمنيين الشرفاء تشخيص الواقع، والتصدي للعميل الداخلي، واجتثاث التمدد الإيراني، فهذا سيجعلهم قادرين على تجاوز العقبات وحل المشكلات. على الشعب اليمني، شعب التاريخ والعروبة، أن يعيد ترتيب الأولويات ويصادر الخلافات، وينسى الماضي الأليم، ويفكر في بناء وطن جديد خلال دعمٍ لحكومة شرعية، وترسيخٍ لمبادئ الدولة المدنية، ونبذٍ للطائفية والعنصرية، واهتمامٍ بنشر العلم والمعرفة، ومحاربةٍ للجهل والفقر، وما لم يتحقق ذلك فسيظل اليمن يبحث عن السعادة.

عواجي النعمي        2017-12-25 12:11 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • هذه(الفئات) لا تملك من أمرها رشدا،فهي تسير كقطيع من الثيران دائما جامحه،ولا تملك أي فكر أو رأي ..إنهم دائما في انتظار أوامر -ولى فقيه- ....لايفقه غير العنف والقتل ! احمد سليمان
  • هذه الكيانات لا رجاء منها فمعتقداتها في قمة البلاده ...أنها -كيان- غير واعد حتى بعد 1100عام! ..(التخزين) هو مخدر ممنوع دوليا، لذا -التخلّف- سيد مواقفهم! احمد سليمان
  • اليمن ومعظم دول العالم المتخلفة تعيش حياة متناقضة بسبب تفشي قهر السلطة السادية SADOCHISM وما نتج عنها من معاناة مازوخية MASOCHISM/FETISHISM للفرد والمجتمع لدرجة أن أصبحت هذه البلدان تعيش حالة مزدوجة مركبة تمخض عنها بالنتيجة مجتمعات: «السادومازوخية- SADOMASOCHISM". صاحب مصطلح السادية طبيب الماني وكان ذلك في منتصف القرن الثامن عشر أما مصطلح المازوخية والذي ينسب الى كاتب روائي نمساوي فقد شاع في بداية القرن التاسع عشر. الشيء الجميل والمفيد أن الحضارة البشرية المتقدمة استطاعت القضاء على هذين الوبائي مسبار

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.