الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الجمعة 22 مارس 2019, 5:21 م

السعوديون بين الدولة والقبيلة

أصبح ابن القبيلة الموظف في الدولة يشعر بأنها أهم بالنسبة إليه من القبيلة، فهي ضامن الرزق والأمن والطموحات، ولذا لم تعد للقبيلة تلك الأهمية التي كانت عليها قبل قيام الدولة

لا يوجد منصف يشكك في الدور التاريخي المهم الذي نهضت به القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية إبان توحيد المملكة العربية السعودية، وهو دور لم تكن هذه القبائل العصيّة على التطويع لتنهض به إلا نتيجة اقتناعها الكامل بحتمية وجود وحدة جغرافية وسياسية، واقتناعها بشخصية الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بوصفه القائد السائر بإصرار إلى تحقيق هذه الوحدة.
القبيلة العربية كانت المادة الرئيسة التي شكلت «الدولة السعودية الحديثة»، سواء أكانت منطلقات أبنائها دينية خالصة كما هو الحال في المنضوين تحت ألوية: «إخوان من طاع الله»، أم كانت منطلقاتهم عروبية وحدوية، أم أمنية عمادها البحث عن الاستقرار والأمان، أم ارتزاقية هدفها الحصول على شيء من المكافآت والغنائم، أم إنقاذية هدفها التخلص مما كانت عليه الأحوال الأمنية في ظل قوانين الغزو، وما كانت عليه الأحوال الاقتصادية في ظل موجبات التنقل والارتحال، فضلا عن عدم وجود دولة حديثة، فيما بعض البلدان العربية – آنذاك - تؤسس دولا حديثة تواكب بها العالم، وتكاد تسحب البساط من تحت أقدام مركز العروبة الحقيقي.
تعالت القبيلة العربية - في ظل الإمام أولاً، ثم في ظل الملك بعد ذلك – على أسباب الثأر والغزو والإخلال بالأمن ومنطق القوة الناهبة، والمفاخرات العرقية، وآمنت بأن لها مرجعا سياسيا وإداريا وقضائيا تذوب أمامه البدائل القبلية كلها.
القبيلة العربية البدوية تخلت عن أهم ما ألفته واعتادت عليه، وعما يراه بعض الاجتماعيين والرحالة والمؤرخين من لوازم حياة القبيلة العربية البدوية، وأعني التنقل والارتحال، إذ ارتضت أعداد كبيرة من أبناء القبائل الاستقرار في الهجر والواحات التي تحولت إلى شيء يشبه المراكز الاجتماعية؛ لأنها غيرت زوايا نظر أبناء القبائل إلى الكون والحياة والأحياء، وباتت مراكز إشعاع وتعليم وتربية، كما فضّل آخرون من أبناء البوادي الاستقرار في حواضر الدولة الجديدة، كالرياض، ومدن الحجاز والقصيم، والقطيف، وحائل، وآمن القبليون المستقرون في هذه الواحات، وفي مناطق الاستقرار المعروفة في جنوبي الجزيرة العربية بأن لهم وطناً واحداً يضمن لهم الانتقال بحرية إلى أي منطقة في وطنهم الجديد يحصلون فيها على الوظائف والمكانات، ويحققون الطموحات.
 بهذه التحولات، لم تعد مطاردة المطر النادر، واستخدام الرمح القاتل، والسيف المصقول، والفخر بالدم المهدور، مصادر رزق محمود؛ لأن الدولة الجديدة كانت حازمة في إيقاف مظاهر الاعتداء على الأنفس والأعراض كلها، متكئة في ذلك على ما يرتضيه المتدينون فطرة من أبناء هذه القبائل، وهو «شرع الله»، مما أشاع الأمن، وفتح الأبواب على مصادر جديدة للارتزاق، وذلك يعني أن القبلية لم تعد قوة، ولم تعد المفاخرات القبيلة صالحة للزمان.
كان العمل في خدمة الدولة من أهم مصادر الارتزاق الجديدة، فازدادت أعداد العاملين فيها بعد إعلان «المملكة» و«التوحيد»، وكانت نسبةً معقولةً من العاملين في الدولة من أبناء القبائل العربية، سواء أكانوا من قبائل الرعي والبداوة والارتحال، أو من قبائل الزراعة والاستقرار في واحات أواسط البلاد الزراعية، وفي جبالها الجنوبية.
ومع مرور العقود الزمنية، أصبح ابن القبيلة الموظف في الدولة يشعر بأنها أهم بالنسبة إليه من القبيلة، فهي ضامن الرزق والأمن والطموحات، وهي الملجأ عند وقوع الظلم، ولذا لم تعد للقبيلة تلك الأهمية التي كانت عليها قبل قيام الدولة، فتحولت قبائل كثيرة إلى رابطة مجتمعية غير عرقية تشبه شكلا من أشكال المجتمعات المدنية التي لا يمكنها أن تستغني عن الدولة مهما بلغت قوة القبيلة وسطوتها وامتدادها: العددي، والجغرافي.
شعور أبناء القبائل بأن الدولة السعودية الحديثة باتت أهم من القبيلة، قلّل من أسباب العصبيات، وأحلّ مكانها «عزوة» جديدة هي «السعودية»؛ لأن العاملين: الاقتصادي، والأمني، هما أهم أسباب التعصب والتناصر، وما دام أسلوب الارتزاق قد تغير، ولم يعد اقتصاد الغزو موجودا، فإن سيوف القبيلة ورماحها وفرسانها وخيولها لم تعد مجدية في ارتزاق، أو في حفظ أمن، مما أحال القبيلة وعاداتها إلى موروث ثقافي لا أكثر، وبخاصة بعد أن تسنّم أبناء القبائل درجات رفيعة في الدولة، وبات الدفع عنها أهم من الدفع عن القبيلة.
التحولات السابقة هي البدهية المتناغمة مع الواقع الجديد، والسائرة في الطريق الطبيعي، وهي الغالبة على الوعي الجمعي في قبائل كثيرة، بعد أن صار الانتماء إلى القبيلة تالياً ومؤخراً عن الانتماء إلى الوطن بوصفه دولةً وأرضاً وشعباً ووحدةً وقوةً وناصراً وملاذاً ومحققاً للطموحات.
أما غير البدهي، والمتناقض مع الواقع، والمخالف للقوانين الاجتماعية، فهو أن يحدث لدى بعض أبناء القبائل شيء من الردة والنكوص إلى عصر القبيلة، وهو – دون جدال – متناقض مع عصر الدولة في تفاصيله كلها؛ لأنه – كما يشي الخطاب القبلي الفخري الجديد – بديل للانتماء إلى الوطن والدولة، وليس رديفاً أو تالياً أو مسانداً، وهنا مكمن الخطر.
الردة إلى القبيلة تظهر في غير صورة: ومنها استغلال وسائل التواصل الحديثة في الانتشار، و«الشيلات» التعصبية التي تهدد بالويل والعذاب والموت لغير المنتمين إلى القبيلة، وهو شكل من أشكال التعبئة الثقافية السلبية دون شك، ومنها ممارسات الحفلات بلاأهداف مجتمعية إيجابية، كدعم أبناء القبيلة الفائقين، وتحفيز الشباب، وتكريم الرواد والوفاء لهم، وإنما هدفها الأوحد هو المفاخرة والتكاثر و«الهياط» بأشكاله الكثيرة المتجددة.
هذه المظاهر التي تكاد أن تتحول إلى ظواهر تشكل خطراً على الانتماء الحديث، وهو خطر كامن ليست له علامات ظاهرة، ولا إرهاصات بيّنة، إلا أنه يمكن أن يظهر بأنيابه المدمرة في أي لحظة تراخ، وظهوره مهدد خطير لرهاننا الأهم وهو «الدولة السعودية»، بكل ما تعنيه لنا، وبكل ما تمثله من قوة واستقرار ونمو ومستقبل.
أما العلاج، فإنه يحتاج إلى قرار، تتبعه صدمة وعي، وتتبعهما قوانين صارمة وأفعال حثيثة، ليبقى لنا هذا الوطن العظيم.

أحمد التيهاني        2017-12-26 1:25 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 27 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • القبيلة تنظيم اجتماعي وجد قبل الإسلام وموجود بيننا وإن ضعفت قيمته في مجتمعنا الحديث. القبَليِِّة ايديولوجيا مفرِّقه لأنها تثني على "ربْعها" بالإنتقاص من الآخرين. المواطنة قيمة تتصارع مع الإنتماآت الضيقة [القبيله, المنطقة..]. إن كان ماحدث في أوروبا وغيرها دليل لنا, فإن المواطنة الحصان الرابح لأنها تتغذى من العلم والتسامح. القبيلة كتنظيم ستفقد أهميتها الإديولوجيه وإن أُرضِعت لبن قطر الفاسد. saleh
  • (*) ومن العادات القبلية الخاطئة عادة ( إيواء الجاني وحمايته) وهذا منكر لا يجوز فعله .. بل يجب الإبلاغ عنه ، وتسليمه للسلطات المسؤولة . (لعن الله من آوى محدثا) حديث صحيح .. غرم الله قليل
  • (*) الحكم ب"إيمان الوسيّة".. وصورتها أن يحلف الجاني بأنه لو كان هو المُجنى عليه لما طالب بالقصاص من الجاني .. شريعة جاهلية .. غرم الله قليل
  • (*) من العادات القبلية التي تخالف الشرع : ضرب الرأس بالجنبية .. يحكم شيخ القبيلة على الجاني بأن يضرب رأسه بالجنبية في مكان عام ، كالأسواق مثلاً ويسمى ذلك "نقى" حتى ينزل الدم بكثرة إلى أن يقول صاحب الحق " أبيض" ! غرم الله قليل
  • يذكرني مقال الدكتور التيهاني ببيتي الشعر (*) فغض الطرف إنك من نميرٍ فلا كعبا بلغت ولا كلابا (*) إذا غضبت عليك بنو تميم وجدت الناس كلهم غضابا .... ويذكرني ببيت الشعر الذي يقول (*) قوم هم الأنف والأذناب غيرهم _ ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا (*) غرم الله قليل
  • من مساوئ القبيلة أنها تحتكم إلى العادات والتقاليد والسلوم (الأعراف القبيلة) .. فهي تضيف العادات إلى الدين .. ثم أنها تقدم العادات على الدين غالبا .. غرم الله قليل
  • مؤيدو القبْيَلَة يمارسون سياسة "فرّق تسد" فهم عن طريق التفاخر والتعصب يخترقون المجتمعات لبث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد .. غرم الله قليل
  • (*) من الهياط القبلي ما رأيناه مؤخرا ، حيث قام مهايطي بتزويج ناقته على (بعير/بعرور) مهايطي آخر ، وجعلا مهرها ملايين الريالات .. وحلاها (من الحلي) بعقود ورشارش وغواشي من الذهب الخالص بما قيمته تتعدى ميزانية إحدى البلدان الأفريقية .. كل هذا بسبب القبيَلَة والقبيلة .. غرم الله قليل
  • (*) دعونا نتمنى أن نقلل من (ثقافة البعارين) ما أمكن .. غرم الله قليل
  • (*) لو اقتصر الانتماء للقبيلة على التعريف لقلنا لا بأس،أما أن يستخدم هذا الانتماء للتفاخر والهياط والتبذير والدرعمة ورفع الديات / القود بالملايين ، وبيع النياق على أساس أن ناقة القبيلة الفلانية أطيب وسعرها بالملايين وتيس القبيلة (a) بمئات الألوف لا لشيء إلا لأنه تيس قبيلة (X) فهذا هياط في هياط .. زوروا أحواش أم رقيبة لتروا ما تشيب له الولدان .. غرم الله قليل
  • (*) ماذا كانت نتيجة الانتماء القبلي المفرط في : افغانستان .. العراق .. اليمن .. ليبيا .. الخ. .. حروب ، وغدر ، وثارات ، وانتقام .. والنتيجة عدم استقرار .. غرم الله قليل
  • (*) كلنا نعرف ماذا سببت حرب البسوس / داحس والغبراء بسبب القبيلة .. ألم يقل جدنا الأول (*| لا أصلح الله منا من يصالحهم // حتى يصالح ذئب المعز راعيها |*) وتولد البغلة الخضراء بلا ذكر // وأنت تحيا من الغبرآء تلبيها |*) وتحلب الشاة من أسنانها لبناً // وتسرع النوق لا ترعى مراعيها |*) غرم الله قليل
  • (*) يجب أن يكون ولاء المواطن للدولة وليس للقبيلة لكي نلحق بركب العالم الأول .. غرم الله قليل
  • (*) تجمعات أبناء القبيلة لنجدة ابن القبيلة القاتل وافتداء رقبته من القصاص ، بعرض الملايين لولي الدم ، ليتنازل عن القاتل دليل آخر بأن القبيلة لم تعد تصلح في هذا الزمن .. غرم الله قليل
  • (*) الشيلات أكبر دليل على الردة إلى القبيلة والعزوف عن الحياة المدنية .. في ظني لابد من التوعية بضررها حتى نسير بثبات وقوة نحو الرؤية ( ٢٠٣٠ ) .. غرم الله قليل
  • القبيلة تعني البداوة .. والمدنية تعني التخلص من سلبيات القبيلة ،، غرم الله قليل
  • (*) ومن سيئات القبيلة أن شيخ القبيلة يتحكم حتى في معتقدات قبيلته .. وخير مثال على ذلك شيوخ "اليمامة" .. فعندما ارتد مسيلمة الكذاب ، وارتدت سجاح ارتد معهما من يتبعهما من القبيلتين .. غرم الله قليل
  • (*) ميزة واحدة كانت في صالح الدعوة لدخول القبائل في الإسلام ، وهي أن شيخ القبيلة إذا أسلم أسلمت القبيلة كلها .. ومن يقدر يقول لا ..؟! غرم الله قليل
  • (*) يسلبون الغنم والإبل وحتى الراعيات .. ويفتخرون بذلك .. غرم الله قليل
  • (*) السلب .. غرم الله قليل
  • (*) الغزو .. غرم الله قليل
  • تاريخ القبائل على مر العصور يتمثل في : (*) النهب ... غرم الله قليل
  • يقول الرب سبحانه وتعالى " الأعراب أشد كفرا ونفاقا) الاية.. غرم الله قليل
  • ويلزمك - باعتبارك المضيّف أن تضع "كلاليب" من الحديد الخاص حول السفرة لسحب/ جر اللحم للأطراف .. وبعد أن (يتارع) يكثّر الشيخ بالخير يستعد - طال عمره - لغسل يديه ، هو ، ومن في معيته بدهن العود ، وليس بالماء والصابون كبقية الخلق .. هياط .. غرم الله قليل
  • وباعتبارك المرحب سوف تنحر خمسة أباعر وثلاثين خروفا، ويلزم أن يكون الصحن كصحون المذكورة بالخير"أم رقيبة" ٦٠مترا طولا و٣.٥ عرضا..ثم تتقدم للشيخ وتصرخ بالصوت الرفيع"مرحبا بكم على واجب الشيخ العالي المقام / هملان بن هميل الهملالي المهلهل تمهلال..ثم يقوم أحد الأقرباء بصب السمن البري على الأرز من جهة الشيخ= غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال