الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

إستراتيجية ترمب للأمن الوطني

وجيك سوليفان*

أعلنت إدارة ترمب أخيراً عن إستراتيجية للأمن الوطني تنطوي على بعض التقارب مع تلك الإستراتيجيات الأخرى التي تبناها الرؤساء السابقون، وبما يمكن أن يتجاوز توقعات منتقدي ترمب ومؤيديه على حد سواء، لكنها تختلف عنها أيضا بشكل كبير في نواحٍ مهمة ولدرجة يمكن معها أن تستثير تساؤلات جدية حول مستقبل ريادة الولايات المتحدة للعالم.
وفي حقيقة الأمر، لم يتأخر أي رئيس أميركي سابق عن وضع المصالح الأميركية الخاصة على رأس قمة أولوياته السياسية، لكنهم تجنبوا الأخذ بهذا الشعار على أساس اعتباره خطابا بلاغيا أو إطارا سياسيا شرطيا للتعامل مع دول العالم، لأن تلك الدول غير مستعدة للتعامل مع الولايات المتحدة من أجل مجرد تحقيق مصالحها الخاصة، بل لأنهم يعملون أيضا على تحقيق مصالح بلادهم أيضا.
وهنا يكمُن السبب الحقيقي الذي دفع الرؤساء الأميركيين السابقين إلى بذل الجهود المضنية لابتداع إستراتيجية يتم العمل بموجبها مع الحلفاء والشركاء لتحقيق المصالح المشتركة من أجل تجنب حدوث «ركود اقتصادي عظيم» كالذي حدث عام 1929، وأيضا من أجل استبعاد احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة.
لم يسبق للولايات المتحدة أبدا، وتحت حُكم أي رئيس سابق، أن واجهت من التحديات ومستويات التنافس المتزايدة ما تواجهه الآن من روسيا والصين. ومع ذلك، يمكن القول إن الخطاب الذي توحي به إستراتيجية ترمب يمكن أن يولد الانطباع بأنها تنطوي على انحراف أكبر بكثير عن توجهات الإدارات الأميركية السابقة في أسلوب معالجة هذه القضايا.
فيما كانت كل الإستراتيجيات الأمنية الوطنية للرؤساء السابقين تتطابق تماما مع ما يقولونه في تصريحاتهم وخطاباتهم بشكل دائم وفي أي مكان، إلا أنه من الصعب التوفيق بين تغريدات الرئيس ترمب على موقع «تويتر» والكلام الذي ينطق به، وبين النصوص التي جاءت بها إستراتيجيته الأمنية.
وتتعرض الإستراتيجية الجديدة بشكل مفصل للطرق والأساليب التي يمكن أن تستفيد الولايات المتحدة بموجبها من علاقاتها بالدول الديمقراطية الحليفة، إلا أن ترمب أكد أكثر من مرة على أن تلك الدول كانت تستفيد من المساعدات الأمنية الأميركية مجانا، وهو يسعى لأن «تصبح تلك الشراكة مبنية على أسس من التعاون المتبادل والمعاملة بالمثل».
وهل تتوقع هذه الإدارة أن تتلقى الدعم والتأييد من شركائها للوقوف في وجه الممارسات التجارية الصينية بعد أن انسحبت من اتفاقية «الشراكة عبر الهادئ»، وهددت بإلغاء «اتفاقية التجارة الحرة بين دول أميركا الشمالية»، وتنكرت لكل الاتفاقيات متعددة الأطراف بشكل عام؟ وهل تتوقع النجاح في بناء ائتلاف موسع من الدول لتحمُّل جزء أكبر من أعباء محاربة الإرهاب ومنع كوريا الشمالية من امتلاك الأسلحة النووية، وردع إيران ومعاقبتها بسبب سلوكها المثير للاضطراب وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط؟
ويمكن لهذه الإستراتيجية أن تطرح مزيداً من الأسئلة المحيرة التي لا تجد جوابا لها عند الرئيس ترمب ذاته. ولا غرابة في ذلك ما دامت إدارته تعودت على تجنب الإجابة على الأسئلة التي تهم الرأي العام.

*أستاذ في معهد القانون بجامعة «ييل» ومستشار سابق للأمن الوطني في إدارة الرئيس أوباما (الواشنطن بوست) - الأميركية

.        2017-12-31 12:51 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.