الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الجمعة 22 مارس 2019, 5:21 م

جناية تنميط الأشخاص وأفكارهم

من نماذج التنميط، إصرار بعض الخطابات الفكرية على رسم صورةٍ مغايرة للصورة الأصلية لأسماء بعينها، لينصرف الناس عن نتاج أصحاب هذه الأسماء التي تكون –في الغالب- أسماء ذات قدرة على التأثير الإيجابي في الوعي

قبل عسر التنظير، ولتتضح فكرة المقال، أسوق هذا المثال: لو أن أحدنا سأل عدداً من المهتمين بالشعر العربي الحديث السؤال الآتي: هل ترى أن الشاعر السوري أدونيس مع موسيقا القصيدة العربية الإيقاعية، أم أنه مع النثيرة أو قصيدة النثر؟ فإن الصورة النمطية المغايرة لواقع فكر أدونيس ستجعل الجواب النمطي الحاضر عند أكثرهم على النحو الآتي: «أدونيس –دون شك- مع قصيدة النثير/النثيرة حتماً؛ لأنه ضد التراث العربي كله، وضد كل تقليدي أصيل، ويدعو إلى الهدم بدعوى التجديد»، فيما الحقيقة أن أدونيس يرى أن نثرية القصيدة وهم من أوهام المثقفين العرب الذين فهموا الحداثة فهماً خاطئاً، وقد أورد رأيه هذا في الفصل الرابع من كتابه عن الشعرية العربية، وهو الفصل الخاص بالشعرية والحداثة، وضمنه أوهام الحداثيين العرب، والمقصود بهذا الوهم -كما يصفه- توهم بعضهم أن تمرد الشاعر على الإيقاع الخليلي، والاعتماد على الكتابة النثرية، هو ما يخلق لقصيدته الحداثة الشعرية، ولذا فإنّه يدحض هذا الوهم بتأكيده على أن هناك نصوصاً إيقاعية أكثر حداثة من القصيدة النثرية، والعكس صحيح كذلك.
بالمثال السابق، يتضح الفارق بين: خطل المعرفة النمطية المغروسة في الأذهان غرسا قسريا، ودقة المعرفة الخالصة المستمدة من المدونات الأصلية لمن نحكم لهم أو عليهم، دون اجتزاءات نصية، ودون تأويلات اعتسافية، تقدّم الهدفَ على الوسيلة الموصلة إليه.
وعليه، فالفكرة النمطية، أو الفكرة الشائعة المغروسة في الأذهان قسراً وعمداً هي أشدّ المغروسات الفكرية عداوة للوعي والمعرفة، وهي أكثرها خطراً على النهوض الحضاري الجمعي؛ لأنها ناجمة عن خطابات هدفها استخدام المعرفة وتطويعها لأهدافها، ولو كان ذلك على حساب الحقيقة النسبية، وعلى حساب الراجح، وعلى حساب الصحيح، وعلى حساب الأكثر نفعا للجنس البشري.
 تنميط الأفكار ممارسة يومية عند دعاة الخطابات السياسية القائمة على الإيديولوجيا، والهادفة إلى الأدلجة المفضية إلى الأحكام الأحادية الحدّية، وإلى الآراء الصدامية الرافضة للمختلف في الرأي أو الانتماء التياري رفضا مطلقاً لا تمحيص قبله، ولا ندم أو تراجع بعده، ولا شك أن ذلك التنميط يأتي مضاداً للموضوعية والعدالة والإنصاف وتنوير العقول ونهوض المجموعات البشرية، سواء أكانت منتمية إلى دولة وطنية، أم إلى ثقافة ذات سمات معلومة.
وعند الإقرار بما سبق، فلا يمكن أن تكون المعرفة المجردة من الهوى هدفاً لغارسي الأفكار النمطية في العقول، وبخاصة حين تتوارى أهدافٌ بعيدة خلف الفكرة التي يتم الترويج لها بإصرار يصل بأصحابه إلى النجاح في تسميم العقول والرأي العام، وتوجيههما نحو الوجهة التي يرضاها ذوو الأهداف الإستراتيجية النفعية، لا الأهداف المعرفية الخالصة من شوائب السياسة بمعناها العام؛ أي بوصفها فعلا يمارسه كلّ فرد بوعي أو بدونه، وتمارسه المجموعات المنظمة بوعي وتخطيط.
من نماذج التنميط، إصرار بعض الخطابات الفكرية على رسم صورةٍ مغايرة للصورة الأصلية لأسماء بعينها، وهي -على الدوام- صورة مشوهة ثقافياً ودينياً، لينصرف الناس عن نتاج أصحاب هذه الأسماء التي تكون –في الغالب- أسماء ذات قدرة على التأثير الإيجابي في الوعي، وذات قدرة على تأسيس اتجاهات أو مدارس فكرية رائجة، وذات قدرة على قدح الأسئلة، وتحريك الراكد، وزعزعة أركان المسلّمات التي لا حصانة لها سوى أنها تحفظ امتيازات بعض الفئات، وتمنحها حق التفكير بالنيابة.
الأمثلة على هذا الأنموذج من التنميط الذي استوطن العقول آماداً طويلة، أمثلة كثيرة، وليس هذا الأنموذج جديداً أو خاصاً بعصرنا أو مقصوراً على مجتمعنا، فهو موجود في أمثلة كثيرة عبر تاريخ البشرية منذ سقراط، مروراً بالحلاج، والإمام أحمد بن حنبل، ووصولاً إلى آخر المنمّطين تنميطاً تشويهياً هدفه الصرْف عنهم، وسببه الخوف من تأثيرهم، والخشية مما يشكلونه من خطر على المنظومة التي عملت على تنميطهم.
في تنميطاتنا السعودية مثلاً، يصبح ناقد مختلف ومؤثِّر مثل الدكتور عبدالله الغذامي مارقاً خارجاً فويسقاً مفترياً على تراث الأمة، وتصبح جملة وقحة وخادشة وبذيئة مثل: «الله والشيطان وجهان لعملة واحدة»، مقرونة بالدكتور تركي الحمد قرنا اعتسافياً ينتزعها من سياقها النصي انتزاعا لا يعيدها إليه، ولا يردها إلى معناها السياقي. وفي تنميطاتنا السعودية، يصير الشاعر محمد زايد الألمعي مثقفاً يسارياً شيوعياً، برغم أنه من أكثر المؤمنين بعدم واقعية الشيوعية، ومن أكثر المقتنعين بسلبية اليسار وفشله.
هذا الشكل من التنميط، وأعني رسْم صورة نمطية خاطئة عن الأشخاص، ونشْرها في هيئة حقيقة لا تقبل الرد أو النقض أو الجدال، يبدأ بحكم يطلقه فرد مؤثّر من تيار فكري مقابل، وربما كان الذي أطلق الحكم أول العارفين بعدم صحته، إلا أن المصلحتين: الفئوية، والفردية، تفرضان عليه إطلاقه وتعميمه وتكراره والتأكيد عليه والاحتجاج له والإقناع به؛ ليستأثر ذو الحكم التنميطي بالتأثير، وينصرف الناس عن ذوي التأثير المقابل المحتمل، فتبقى العقول تحت السيطرة.
لا يمكن أن يتصالح الفكر النقي بما يحتوي عليه من المعرفة الخالصة، مع التنميط العمدي بأنواعه كلها؛ لأن أصله المغالطة، وأكثر أشكاله مغالطةً هو تنميط الأشخاص الدال على استعداء الذات الأخرى بوصفها ذاتاً مؤثّرة متبصّرة، لا بوصفها فكرة مختلفة، أو رأياً مخالفاً.
 

أحمد التيهاني        2018-01-02 1:25 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 19 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • الأخ المعلق متعب الزبيلي مع احترامي له يقدم نفسه في كل تعليقاته كنموذج حي للتنميطيين وهو لم يقرأ ولكنه سمع ويردد ما سمع ..... عجبي سعد إبراهيم الشهراني
  • بعد قراءة المقال فكرت فيما حولي فعرفت أن التنميط لا تستخدمه إلا العصابات فعلا وهو واقع ولا أحد ينكره سعد إبراهيم الشهراني
  • خطورة التنميط STEREOTYPE مقارنة بالتصنيف CATEGORIZATION أن التنميط يتولد عنه إقصاء عنصري ضد أي فرد أو مجموعة أو حتى بلد لديه رأي آخر. بعد الفرز التنميطي تقوم جماعة التنميط بتأليب تابعيها ضد من تم تنميطه وتحثهم بل تحرضهم على تبني وممارسة كل وسيلة لإهانته والحط من مكانته وقدره بل وحتى هدر دمه كما فعل الخميني مع رشدي والقرضاوي مع القذافي. الفكر الصحونجي إستخدم منهجية التنميط ونفث هذا الفكر الزعاف في كل مفاصل الحياة. لقد كشف الله حقيقة نوايا رموز هذا الفكر السقيم وأصبح الوطن والمواطن بألف خير مسبار
  • جذور-التنميط- راسخة في العقول الصدئة منذ قرون ، فكم عانى ابن رشد وابن سينا،والخوارزمى، المقفّع منهم، وحديثا القصيمى، وطه حسين، وفرج فوده ..وغيرهم من المستنيرين العظام. احمد سليمان
  • الأقوام المتخلفة، حيث لا جديد في أفكارها ولا محاولة -لتشغيل- عقلها وتطويره ..لذا لا يشغل مخيخها إلا النيل من أصحاب العقول النيّرة التي تحاول تطوير المجتمع . احمد سليمان
  • سبحان الله هذا الحمد ما قدرت أبلعه من زور . عمر المختار
  • ..هيا:هل تقصدين أنه لا أمل في الشفاء في الخروج من النمطية ؟@حصّة: أثبت العلم أن لكل داء دواء، وأن -البتر- هو أنجح علاج لغرغرينا الأطراف ..والعقل ! احمد سليمان
  • حصّة:بين حين وآخر يخرج -بعض القوم- بدعوات لتصحيح النمط،ويدعون أن تمسّك المجتمع به نتيجة فهم خاطىء وتحريف لغوي ..ولكن ما يثير السخرية أن رؤية -بعض القوم- التصحيحية هي بذاتها خاطئة بل ساذجة.. احمد سليمان
  • عندما يكون -الموروث- متغلغلا فى ثنايا العقل ،ومتربعا منذ سنين طوال ، عندها يتوقف عمل العقل ويسير على النمط الذى كان سائدا. احمد سليمان
  • مقال رائع رائع، الأستاذ الكريم ، شرح فيه معاناة العقل -المحلي- والعربي ، وبالطبع ما يهمنا في الوطن -المحلي- ، حيث الدواء بالكاد يكفينا..! احمد سليمان
  • لم أكن في يوم على استطاعة أن أميز وأعرف الرويبضة ، وقابلته وجهاً لوجه وقد طبع على جبهته رويبضة ومن أرقى الرويبضات مكانه ، وإن كساه البياض والرتابه الا أن النتانة تفوح من كل جزء منه حتى يصاب جليسه بدوار ، وقد أدركت الخطأ بأنني أخطأت بحق ناس كنت أظنهم من أسفل الناس ، ولكنهم بعد لقاء ذاك الرويبضة أصبحوا بنظري من اعلى الناس متعب الزبيلي
  • لم يوضح لنا الكاتب المفكر التيهاني عن أسباب ظهور النمطية وأين بدأت ؟ وهل تم التخلص منها في بلدٍ ما ؟ وكم استغرق القوم من الوقت للتخلص منها ؟ ليته يتداخل ويبين .. غرم الله قليل
  • هل يتوقع الدكتور أحمد أن التنميط إلى زوال ولو بعد حين ؟ وما الوسائل العملية لتسريع التخلص من النمطية ؟ غرم الله قليل
  • أؤكد لك بل وأجزم بأنك تدرك غاية الإدراك بأن ما قاله تركي الحمد هو خادش وقمة الوقاحة ، اإا أنك تريد من خلال قبولك للمقولة وإيرادها هنا ، من باب التسلق على أكتاف مقولة تركي الحمد ، باحثا عن اتساع الشهرة كون مثل ذلك التعبير بات منتهى الثقافة لبعض ممن أبهرته أرصفة واشنطن وأخذ من تقدمها التقليد والطموح في أن تبلغ سلوكياتنا ما بلغوه ، وغير ذلك ليعرف هل بيل كلنتن كان رئيسا لأمريكا او مؤسس برنامج قوقل متعب الزبيلي
  • هل النمطية كلها شر ؟ أم أنها لا تخلو من بذرة من بذور الخير - على الأقل ؟ غرم الله قليل
  • هل النمطية عندما تدعو إلى الفضيلة مسيئة ؟ أم خيّرة ؟ من الخيرية ؟ .. فهل لو نمطنا الكذب وقلنا أنه عمل غير صالح نكون قد أسأنا ؟ غرم الله قليل
  • العرب تقول " لسانك حصانك" فهل قول / كلام المرء يكون السبب الأول في التنميط ؟ أم عمله ؟ غرم الله قليل
  • من اخترع التنميط وفرضه ؟ غرم الله قليل
  • نعم نقد الفكرة غير نقد الذات .. غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال