الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

سوانح في حب الأوطان

لا أستطيع تخيل وجود إنسان يعمل ضد مصالح وطنه، ويجتهد في ذلك مقابل ثمنٍ بخسٍ، فلا أثمان للأوطان؛ لأنها لا تباع إلا عند وصول الحد الأقصى في الانحرافين: الفطري، والفكري

حين يكون حب الأوطان والحنين إليها جبلّة وفطرة، ويصير التشوق إلى الأوطان علامة من علامات الصحة النفسية وسلامة العقل، وهو ما عبر عنه الجاحظ – في رسائله – بـ«الرشد» حين قال: «وقالت العجم: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تواقة»، فإننا – بالقياس العكسي- نستطيع أن نقول إن الانحراف عن حب الأوطان وساكنيها إلى حب أوطان أخرى علامة من علامات المرض النفسي الناجم عن مرض فكري، أو عن أطماع دنيوية فردية حمقاء، أو أنه علامة من علامات عدم الرشد كما عبر الجاحظ، وعدم الرشد يعني انحرافاً فكرياً واضحاً في حالات الكفر بالأوطان الناجمة عن اتباع اتجاهات فكرية.
لا أستطيع أن أتخيل وجود انحراف عن الفطرة السوية يساوي - في درجة انحرافه- انحراف الفطرة عن حب الوطن، ولا أستطيع أن أتخيل وجود إنسان يعمل ضد مصالح وطنه بكل ما يستطيعه من قول أو عمل، ويجتهد في ذلك مقابل ثمنٍ بخسٍ، وأقول «ثمن بخس» لأنه يبقى بخساً ولو وصل إلى مليارات الدولارات، فلا أثمان للأوطان؛ لأنها لا تباع إلا عند الوصول إلى الحد الأقصى في الانحرافين: الفطري، والفكري.
مصالح الذات الفردية لا يمكن أن تُغلب على مصالح الأوطان إلا عند استمراء الخيانة لسبب دنيوي أو سبب فكري، وعندها تصير الخيانة سلوكاً مقبولا ومبررا في عقول الخائنين وفكرهم، ولن تصير كذلك أبداً، فالخيانة هي الخيانة، ولا توجد لها مبررات منطقية أو غير منطقية.
وعليه، فلا أستطيع أن أتخيل وجود فكر سوي يقود الإنسان إلى الكفر بالوطن، وإلى نقل الولاء للوطن الأصل إلى ولاء لوطنٍ آخر لا ميزة له سوى أن حاكميه يحملون الفكر الكافر بالأوطان، أو يدعونه –فقط- للاحتيال على الجاهزين فكرياً للتخلي عن أوطانهم، واستخدامهم لأغراض ظاهرة أو خفية.
الحب الفطري للوطن يبدأ من حب المكان/ الإقليم الذي ينتمي إليه الإنسان بوصفه مكان ولادة ومدارج نشأة وموئل ذكريات، وأجزم أن حب الإقليم لا ينفصل عن حب الوطن ولا يتعارض معه أبداً، وأعني –هنا- الوطن بالمفهوم الحديث لمصطلح: «الوطن»، وهو: تلك الرقعة الواسعة ذات الحدود المعلومة المعترف بها دوليا، والتي تكتنفها وتدير شؤون مواطنيها مؤسسات حديثة ذات مرجعيات إدارية موحدة، ويتولى أمرها آمر مطلق واحد، ونتحرك في مناطقها كلها أحرارا آمنين مؤمنين بأننا الأهل في كل منطقة، وتهمنا أمورها كلها من الماء الغربي، إلى الماء الشرقي، ومن أقصى كثيب في الشمال إلى أقصى قمة في الجنوب.
لا تعارض ولا انفصال بين الحبين، فحب الإقليم يعني – بالضرورة – حب الوطن.. كل الوطن، ومن لم يكن محبا لمكان ولادته ونشأته ومدارج صباه، فلن يكون محبا صادقا لوطنه الكبير بمفهومه الحديث، مهما ادعى ذلك نفاقا ومخادعة للنفس.
الإقليم وطن أصغر، وحبه يستلزم حب الوطن الأكبر، وما يزال أهلنا الجبليون في عسير يطلقون على القرية اسم: الوطن، فيقولون: وطن آل فلان، أي: قرية آل فلان، وإذا كان المكان «معرفة»، لأنه معروف عند المخاطب أو المخاطبين، قالوا: الوطن، وذاك وسط الوطن، أي وسط القرية، وهذا أعلى الوطن، أي الجزء المرتفع من القرية، كما يطلقون على مزارعهم اسم: البلد (في التهائم)، والبلاد (في السروات). يقول الشاعر محمد زايد الألمعي، من قصيدة عنوانها: «عند فاصلة في مهب الطفولة»:
كان يقرؤهم ويعيد قواميسهم مثلهم؛
فيسمي القرى وطنا
والحقول بلدا
وكان فخورا بأن غرسوا باسمه سدرة إذ وُلد
وعلى هذا، فالإقليم في وجدان الساكنين وطن أصغر، كما هو الحال في القرية/ الوطن، وحب الإقليم يعني فطرة سوية لن ينتج عنها سوى حب الوطن بالمفهوم الحديث للمصطلح.
ومن الثابت أن آلام البعد عن الأوطان تزداد حين تقرن بالنفي كرها لأي سبب. قال تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾، فالانتحار يعادل الخروج القسري من الديار، مما يعني أن الخروج من الديار يعادل الموت، وفي ذلك دلالة على الأثر النفسي الرهيب للغربة.
وتأسيساً على هذه الفطرة، صار التغريب عقابا مؤلما لا يحكم به إلا على من ارتكب جرما كبيرا، (ولا أعني «التغريب» إياه الذي نسمعه كثيرا في الأسطوانات المشروخة إياها)، وإنما أعني النفي الذي يعد أسلوبا عقابيا شرعيا مؤلما غاية الإيلام. يقول تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾.
وفي مسار آخر، نجد أن هناك علاقة قوية بين: الشعر بوصفه فنا وجدانيا، والمسكن/ البيت، وبالتالي مكان المسكن، حتى إن العرب يسمون به البيت من الشعر، وبمثل هذا تتضح العلاقة بين: البيت بوصفه مكانا مأنوسا، والشعر عند العرب، وهي علاقة بين الإنسان وكونه الأول الذي يشبه مدارج صباه، كما يقرر باشلار، حين يقول: «البيت هو ركننا في العالم. إنه كما قيل مرارا، كوننا الأول، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى»، ويوازي هذا كون علاقة المكان بالشعر عند العرب نابعة من وجدان العربي الذي جعل الشعر موازيا للمكان/ البيت.
وبعد هذا كله، تبقى الأسئلة مشرعة: إلى أي جنسٍ بشري ينتمي الكافرون بالأوطان؟ وعلى أي أقوال يعتمدون؟ وبأي حجج يحتجّون؟ وكيف صاروا إلى ما صاروا إليه؟ ولماذا يستبدلونها سراً أو جهراً بأوطانٍ هي منها أدنى؟
 

أحمد التيهاني        2018-01-08 11:49 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 14 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • اعتذر فقد ذهبت بعض تعليقاتي لغير وجهتها .. وهذا خطأ مني .. غرم الله قليل
  • لماذا صار الناس يشكون في بعض الوعاظ الذين "يملينون" في وقت قصير ؟ غرم الله قليل
  • ما السر ؟ يتعلم بعض الناس الفقراء الوعظ ، فيشرع في وعظ الناس بقال فلان ، وقال فلان ، ويكثر من القصص التي تجعل الشيبان يبكون - ونادراً ما يستشهدون ويستدلون بالقران وبسنة الرسول - وبعد فترة وجيزة يستبدل سيارته "العراوي" بجيب لكزس ،وسكنه الشعبي بفيلا أو قصر ، ويصبح لديه مزارع للنوق وكل أنواع الأباعر ..الخ.؟؟؟؟ غرم الله قليل
  • وطننا العظيم يحده شمالا الشام ،والخليج العربي من الشرق والبحر الأحمر من الغرب ومن الجنوب اليمن وعمان، وهذا ثابت جغرافيا وتاريخيا وليترك-ادعياء الصحوة - المرضى دماغيا..كل هرج وشعوذه! احمد سليمان
  • جعلت (الصحوة) البائسة الوطن أرضا مفتوحة لكل من هب ودب ونعق من (الاشكاء).. ونادت بإلغاء حدود الوطن ، وزعمت ان كل ديار المتخلفين البؤساء مثوى وسكنا ..عاد تفرّج على -سكان - تلك الديار تخلّف وفقر وأمراض عقلية !! احمد سليمان
  • مصيبة(الصحوة) الاورجنال!أن سمومها منتشرة في كل المعمورة..! قط سمع احد ان لاجئا فيتناميا او هنديا فى دول الغرب فجّر نفسه؟ وهل سمعتم ان صينيا مهاجرا فى لندن يدعو الى رفع علم خلافة على البرلمان البريطاني!! احمد سليمان
  • سأل أحدهم -امريكيا- لماذا تعشقون بلادكم ؟@ قال: وفرّت لي الحماية،ومستقبلي وابنائي، ومسكني وعملي، والتأمينات الاجتماعية والرعاية عند العجز وأيضا كلمّا دخلت بلدا فى العالم يقولون لي (هاى سير..ولكم..مى آى هلب يو )يالسحر هذا الجواز الازرق!! احمد سليمان
  • من أفعال -الصحوة- المدمرة انها جعلت -الوطن- مكانا هامشيا ، وروّجت ان ديار القوم ممتدة من طنجة الى قندهار ،ومن الاناضول الى باب المندب،والكل -اشكاء- !.. أشكاء- طل!! احمد سليمان
  • أنظر إلى الجذر الأس لكل من خان الوطن وستجده منغمسا في وحل الفكر الإخونجي/الصحونجي/السروري. الفقيه وخاشقجي والمسعري وبن لادن نماذج ممن خان هذا الوطن العظيم. تجفيف هذا الوحل وكل الينابيع الصفراء التي تغذية مهمة استراتيجية عليا وعلى المثقفين دور عظيم في رفع مستوى الوعي الجمعي بأهمية الانتماء للوطن والولاء لقيادته. مسبار
  • يتساءل الدكتور العزيز أحمد فيقول : إلى أي جنس بشري ينتمي الكافرون بالأوطان ؟ ونجيب على سؤاله فنقول : لا ينتمي الكافر بالوطن لأي جنس بشري .. هو ( وحش / سبع / وغد / بوش ) ليس إلا .. غرم الله قليل
  • (*) ولي طن آليت ألا أبيعه *** وألا أرى غيري له الدهر مالكا (*) = ابن الرومي .. من الموالي .. شاعر عباسي توفى ٢٨٣ هجري. غرم الله قليل
  • ابن الجبال أكثر انتماءً لبيئته من ابن الصحراء ، أو ابن الخبوت .. ههههه .. هذا ما قاله لي جدي الذي لم أرزق بمشاهدته ..هههه.. غرم الله قليل
  • من يكفر بوطنه ، فهو ينفي عن نفسه إنسانيته ، وكأنه يقول " أنا وحش أعيش في غابة" ! غرم الله قليل
  • تدبر يا دكتونا الكريم قول نبينا - صلى الله عليه وسلم - وهو يلتفت إلى مكة عند هجرته إلى المدينة المنورة ، حيث قال ( والله إنك لخير ارض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا إني أُخرِجت منك ما خرجت) ! فلابد لنا أن نقتدي برسولنا في حبنا لأوطاننا .. غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.