الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

التطرف وسلوكيات هامشية خطرة

مؤسسات الدولة المعنية هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن مواجهة الفكر المتطرف، والتي يجب أن تعمل على تعميق رسالة الدولة وترسيخها، وردم الفجوة الواضحة في وسائل الإعلام الرسمية

يستخدم بعض التويتريين، كلمة: «استشراف» -والتي تعني في بعض معانيها ادعاء الشرف والفضيلة- ضد بعض الذين يتبنون موقفا مغايرا لما هم عليه من سلوك وسمات تتضح جليا من خلال تغريداتهم، ومع التحفظ على الاشتقاق اللغوي، إلا أن ظاهرة الاستشراف كانت متفشية بشكل كبير فيما مضى، حيث استخدمها بعض أفراد المجتمع من غير المتدينين لإثبات الحب والولاء للدين من باب: أحب الصالحين ولست منهم، أو حتى لتغطية المعيب اجتماعيا من تصرفاتهم وأفعالهم. والمستشرف متطرف بدرجة ما، وهو بالتالي إرهابي محتمل -أيًا كان شكل هذا الإرهاب- ومراقبة هذه السلوكيات، والتي تبدو هامشية للوهلة الأولى، ثم مكافحتها من قبل بعض الناشطين في تويتر يؤدي إلى انـحسارها وتقويضها، بل وقلبها من الداخل ووضعها في إطار النقد والتقييم، وهو الأمر الذي لم يكن ممكنا في السابق بشكل فاعل، بسبب سيطرة الرأي الواحد وغلبته، أما اليوم فالوضع مختلف تماما، حيث أضحت كل الآراء والأفكار معرضة للطرح على منضدة النقد والتحليل بلا تحفظ.
والتطرف ظاهرة سياسية واجتماعية قبل أن تكون ظاهرة دينية، ولا يرتبط مطلقا بالإسلام، وهو بعيد كل البعد عنه، فالإسلام حذر من التطرف ونهى عنه، ولو كان بلباس الدين، فهو تنطع في فهم النصوص والعمل بها، وهو ميل سافر إلى التضييق والتشديد والإسراف في القول بالتحريم، وتوسيع دائرة المحرمات بلا دليل، فالعلماء الراسخون وعلى مر العصور لا يطلقون الحرام إلا على ما عُلِم تحريمه جزما، أما المتطرفون فهم يسارعون إلى التحريم دون تحفظ، بدافع التورع والاحتياط، وهذا ما جر الويلات على المجتمعات المسلمة.
فإن كان في المسألة رأيان: أحدهما ميسر، والآخر مشدد، فهم دائما أقرب إلى التشديد، والتضييق، والدين الإسلامي براء من ذلك.
والتطرف حالة نفسية مرضية تصيب الفرد أو الجماعة، والمتطرفون لديهم توجهات وقناعات فكرية، لا يتزحزحون عنها إلا عند تعريتها وكشفها، ودمغها بالدليل والبرهان، وهذا لا يتم إلا من خلال كشف هذه السلوكيات التي قد نعدّها طبيعية، خصوصا حينما نجد «تغريدة المغرد» أو رده المتطرف، أو فعله المفرط، والعكس كذلك حينما يلبس لنا المتطرفون المعروفون جلود الأفاعي بملمسها اللين، ويتحدثون عن سماحة الإسلام ويسر الشريعة، ويظهرون الانفتاح والليونة وهم في حقيقة الأمر بعيدون كل البعد عن ذلك، وفي أنيابهم العطب.
ويمكن القول: إن دراسة مثل هذه السلوكيات، الدقيق منها والجليل، سبيل لمنع التطرف ومكافحته، فأشكال السلوك المتطرف متجذرة في شعور الفرد المتطرف، فعدم قدرته على التوافق والتكيف النفسي والاجتماعي والشعور بالاغتراب السلبي والعزلة، ومعاناته من مشكلات واضطرابات في العلاقات مع الآخرين، دليل على وجود خلل ما، فأصحاب هذه السلوكيات لديهم أفكار ومسوغات جاهزة، تخدمهم وتشجعهم على تنفيذ أعمالهم المتطرفة، فقد تبدو سلوكيات الأفراد المتطرفين ظاهريا طبيعية للناس والمجتمع، ولكنهم في قرارة أنفسهم وخبيئة صدورهم يجهزون ويخططون لارتكاب أعمال عنف وإرهاب، وهذا لا يعني عدم إمكانية الكشف عنها مسبقا، فهم غالبا ما تظهر عليهم علامات سلوكية منبئة بالعنف يمكن رصدها مبكرا عن كثب، فقد اعتبر إيريك هوفر في كتابه (المؤمن الصادق): أن الحركات الثقافية المتعصبة والمتطرفة، سواء كانت دينية أم سياسية، تنشأ في ظروف يمكن التنبؤ بها، عندما تعتقد أعداد كبيرة من الناس بأن حياتهم الفردية لا قيمة لها، وأن العالم الحديث فاسد لا يمكن إصلاحه، والأمل الوحيد يكمن فقط في الانضمام إلى مجموعة أكبر، تهدف إلى تغييرات جذرية.
إن وجود حالة من الجهل لدينا بالإضافة إلى عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، وحقهم في التعبير عن آرائهم بحرية، مع عدم الاكتراث بمراقبة السلوكيات الهامشية التي تعتبر في نظر بعضنا بسيطة ستؤدي حتما إلى تفاقمها وانفجارها من حيث لا نـحتسب، كما حدث في تفجيرات الرياض مايو 2003، حينما صُعِق أكثر متابعي محمد شظاف الشهري عندما وجدوا اسمه بين المجرمين المنفذين للتفجير الإرهابي، وهو الذي ملأ مسرح جامعة الملك سعود، وقناة المجد ضحكا وسرورا وحبورا، وهذا يدعونا إلى أخذ زمام المبادرة وتحمل المسؤولية والقيام بالأمانة على أكمل وجه، فوطن لا نحميه، لا نستحق العيش فيه.
وأعرض فيما يلي بعض الأفكار حول مسألة القضاء على التطرف:
1. مؤسسات الدولة المعنية هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن مواجهة الفكر المتطرف، والتي يجب أن تعمل على تعميق رسالة الدولة وترسيخها، وردم الفجوة الواضحة في وسائل الإعلام الرسمية، وتقوية البرامج الإعلامية وتجويدها، باختيار وجوه ثقافية وعلمية متمكنة، ومرموقة في البرامج الثقافية والدينية، وبناء معايير واضحة للبرامج الدينية، ومتابعة شبكات التواصل الاجتماعي من حيث المحتوى، وبناء حملات إعلانية وإعلامية متقنة ومحترفة لمواجهة الفكر المتطرف، ولنا خير مثال بالحملة المباركة التي يقودها الرجل المبارك أمير منطقة القصيم من سنوات عدة (معا ضد الإرهاب والفكر الضال).
2. للشباب المتطرف ميزة لا يعرفها إلا من تعامل مع التطرف، أو مع المتطرف، وهي أن المتطرف ينصب نفسه عالما له حق الاستنباط من النصوص الشرعية وله حق تفسيرها، وبث هذه التفسيرات بين الناس بمختلف الطرق، وهذا ناجم عن غياب الثقة بالعلماء الذين يقدّمون الخطاب الديني الرسمي، ولذا فإنه من الضرورة بناء جسور الثقة بين المؤسسة الدينية الرسمية والمجتمع بفئاته المختلفة، عبر حملة علاقات عامة واسعة وممتدة.
3. عدم اهتمام المسؤول، عن مثل هذه الملفات، بدور الثقافة والمثقفين في مواجهة التطرف إلا ما قل، ومن ذلك تركيز المسؤول على دور المؤسسة الدينية والمشايخ في مواجهة التطرف، ونقض آراء وفتاوى وتفسيرات عرابي التطرف من وجهة نظر فقهية فقط، وهو الأمر الذي لم يؤثر كثيرا على جاذبية هذه الأفكار لدى بعض الشباب، أما المثقف والثقافة فدورهما محوري ومهم هنا، حيث إن التطرف في أساسه شكل ثقافي قائم على أسس قد تكون دينية وقد تكون سياسية أو اقتصادية... إلخ، إذًا، فالمثقف أقرب إلى تحليل وتفكيك الفكر المتطرف ومن ثم نقضه، كما أن الاعتماد على دور المثقفين النقدي في مواجهة الفكر المتطرف، أثبت جدواه ونجاعته، حيث لعب بعض المثقفين البارزين دورا مميزا في نقد البنية الأيديولوجية للتطرف، كما ظهر جليا في أدبيات مثقفينا عبر سنوات من العمل المعرفي الجاد.
أخيرا، أضع بين يدي القارئ الكريم ثلاث أفكار:
أولا: أدعو المؤسسة الدينية السعودية بمختلف هيئاتها، لعقد لقاء أو مؤتمر جامع تلتقي فيه مع المثقفين والأدباء والإعلاميين والفنانين للحوار وتلاقح الأفكار والرؤى، حول القضايا الأساسية التي تهم الدولة والمجتمع والفرد.
ثانيا: إعلاء شأن وقيمة الفنون بمختلف أنواعها لدورها الفاعل في مقاومة تنميط التطرف داخل حياة المواطن السعودي.
ثالثا: ستظل المرأة السعودية خط الدفاع الأول ضد التطرف، فالمرأة السعودية بحشمتها ومبادئها قادرة على قيادة المجتمع في هذا السبيل، إذ إنها ووفقا للمتغيرات الاجتماعية المعاصرة تدير أعظم مؤسسات المجتمع على الإطلاق، وهي البيت، وتشرف على تربية الأولاد وتعليمهم، وبعد سياقتها للسيارة سيكون دور الرجل في الأسرة استشاريا، لذا فمن المصلحة اختصار الوقت والزمن أمامها وتسهيل حياتها، لنعبر إلى سعودية المستقبل بكل سلاسة ومرونة.

خالد العضاض        2018-01-18 10:32 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 13 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • لا تجد التطرف والتشدد والإرهاب إلا في المجتمعات التي تسيس الدين. هنا التشخيص والعلاج لهكذا داء معروف وممارس منذ زمن فولتير وجون لوك....الخ. مسبار
  • ليس من السهل تطويع وتليين و ترويض مواقف المؤسسة الدينية المتشددة إلا أن تكون مسنوداً أولا بعون الله-جل في علاه- وثانيا بتأمين متطلباتهم من (A) إلى (Z).. هكذا تقول التجارب مع المتشددين..أما المتبعين للوسطية فلا يأتِ منهم الا الخير..والواجب على الجميع محبة شيوخ الوسطية والغدق بسخاء على المتشددين ليتوسطوا. غرم الله قليل
  • ...حصّه: ولأن المجتمع ينتظر ايجابياته ونجاحاته،اما في (الشرق) فالمؤتمرون يجهدون لوضع العراقيل والوقوف كل الى -ربعه- كالبنيان يشدون بعضهم فى الرفض وإسقاط الآخر، والنتائج مبهمه سائبة ولا شيء!! احمد سليمان
  • هيا: لماذا المؤتمرات واللقاءات في الغرب نتائجها ملموسة، عكس مثيلاتها في (الشرق)؟@حصّة:لأنه في الغرب الكل يسعى لإنجاحه وإضافة مقترحات تساعد على تحقيق أهدافه والدفع به .... احمد سليمان
  • ربما اقتراح الأستاذ الكريم (لعقد مؤتمر مؤسساتي ..) قد لا يكون ضروريا ولا من نتائج ايجابية له،حيث ان -الخطط- والنوايا جاهزة ومسبقة الجهد، وتكاد -النتائج- ان تكون ملموسة ومحسوسة بل مطبّقة سلفا! احمد سليمان
  • في حال عبر كل من الطرفين بحرية عن آرائهم ، تصير علوم ، وندخل متاهات نحن بغنى عنها ، الا خل كل طرف يلمز حول الآخر باللمز " كلاهما فكر متطرف " وهذا واضح من خلال تناول كل منهما للآخر متعب الزبيلي
  • نعم فلنقف معاً ضد التطرّف بشتى أنواعه ، تطرف ديني غير مبني على أصول وأسس الدين الإسلامي ، وآخر هو نتاج الانبهار بالغرب والعزيمة على تغيير المجتمع وان يسلك نمط وسلوكيات الآخرين ، فالأخير ليس أمامه إلا أن تتحقق له الفرصة وحينها سيكون إرهابيا " نمرة واستمارة " الطرفين مفروض التصدي لهما وإيقافهما عن المهاترات وملء صفحات الصحف بخلافاتهم الشخصية وأحقادهم على بعضهم متعب الزبيلي
  • يقول حكيم نيبالي:(للقضاء على البذرة السيئة لابد من اجتثاثها والقضاء على كل الظروف التي تجعلها تنمو،وهذا لن يتأتى الا بمشاركة النيباليين جميعا فى القضاء عليها)@احدهم:طيب والزلازل@الحكيم:هذا نتركه -للعلماء -!! احمد سليمان
  • فالح: يذكر عالم زراعي..لا تستغربوا ظهور بعض النباتات في الصحراء بعد هطول الأمطار فبذورها تختفي تحت الرمال وتتنقل بهبوب الرياح لتنمو من جديد@حمد:وما دخل هذا بموضوعنا؟@فالح:..تنقّل البذور! احمد سليمان
  • حصّه: لماذا لا يوجد للمتطرفين وجود في كوريا الجنوبية،واليابان وسنغافوره..مثلا!@هيا:ولماذا لم تذكري ألمانيا وفرنسا وبلجيكا معهم أليسوا دوا صناعية؟@حصّه:ما يميّزهم أن اللاجئين إليهم من الشرق ،لهم -دور فعّال...فعّال..بضجيج !!! احمد سليمان
  • القبضة الأمنية هي ما أوقف المتطرف وأفعاله الشريرة المجرمة... تبقى مسألة تنظيف العقول المريضة الملوثه ، الكامنه ،الراكدة المتحفّزه.. احمد سليمان
  • ( أشكال السلوك المتطرّف متجذرة في شعور الفرد المتطرّف )....(عدم اهتمام المسؤول من هذه الملفات بدور الثقافة المثقفين في مواجهة التطرف إلا ما قل ) احمد سليمان
  • موضوع حيوي وهام الذي طرحه ويطرحه الأستاذ الكريم،التطرّف هذا الداء الفتّاك الذي يعاني منه قوم عدده مليار ويزيد ويؤثر على كل مفاصلهم. احمد سليمان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال