الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الروم أحلم الناس عند فتنة

العقلاء يضبطون أقوالهم وأفعالهم ويزنونها بميزان العدل الذي أمر الله به ورسوله عليه الصلاة والسلام، واضعين نصب أعينهم تحقيق المصالح العظمى لوطنهم المملكة العربية السعودية

 في صحيح مسلم عن المستورد القرشي أنه كان عند عمرو بن العاص فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو أبْصِرْ ما تقول! قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمرو بن العاص: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك.
هكذا قال الصحابي الجليل عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه، وهو بهذا ليس في مجال الثناء عليهم، فهو يعلم شركهم وفساد عقيدتهم النصرانية، ومن ذلك ما ذكره الله عنهم بقوله (وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه)، وإنما أراد أن يُفَسِّر سبب ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام من كثرتهم عند قيام الساعة، لاسيما وقد خَبرهم وعرفهم، بل وحاربهم وهزمهم، ولكن هذا لا يعني عدم الاعتراف بما عندهم من صفات إيجابية، فالحق يُقبل، حتى لو قاله الشيطان، كما في حديث: (صدقك وهو كذوب)، يُقبل الحق ويُشاد به لأنه حق، لا لأن فلانا قاله أو فعله، والباطل يُرَد مهما كان مصدره، ولا يُمَرر الباطل ويُسوَّغ لأن فلانا الفاضل قاله أو فعله، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها، وأهل الكتاب كغيرهم ليسوا سواء، منهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائما، ومن أبرز ما لاحظه عمرو بن العاص في الروم ما هو موضوع المقال، وهو قوله (إنهم لأحلم الناس عند فتنة)، والحلم لا يأتي إلا بخير، في كل وقت، لاسيما عند الفتن، التي تطيش فيها العقول، ويفقد فيها كثير من الناس الاتزان، فهؤلاء القوم الذين أشار إليهم الصحابي الجليل عمرو بن العاص، عند الفتن لا تذهب عقولهم، ولا تطيش أفهامهم، ولا يستعجلون بردات الفعل الكلامية أو الفعلية غير المحسوبة، ومع هذا فهم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة، وربما هذا من أسباب تقدمهم المادي، وسيادتهم على أعظم دول العالم المؤثرة.
ومن تأمل الكتاب والسنة رأى فيهما أسباب التقدم الديني والدنيوي، وما من صفة إيجابية في الروم أو غيرهم إلا وقد دل عليها ديننا، وأرشد إليها، فالحلم والأناة والحكمة دل عليها الكتاب والسنة، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن في شأنه كله، لاسيما في زمن الفتن، وفي صحيح البخاري ـ رحمه الله ـ كتاب خاص بالفتن يضم عدة أبواب، في كل باب مجموعة من الأحاديث، وهكذا في كتب السنة الأخرى.
ولا يليق بمسلمٍ منَّ الله عليه بمعرفة الكتاب والسنة، وما جاء فيهما من التوجيه في أمر الفتن، أن يكون نصارى الروم ونحوهم أفهم منه في أمر الفتن، وإن تعجب - أخي القارئ - فعجبٌ طيش (بعض) المغردين والكتاب والمتحدثين ونحوهم، الذين يسيئون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، فكثيرٌ من رسائلهم وتغريداتهم وحواراتهم الفضائية، تتضمن عبارات متشنِّجة، وعنتريات متوهمة، وإثارات مهيِّجة، تضر الناس ولا تنفعهم، ثم هم مع ذلك يزعمون أنهم يصدعون بالحق، ولا يخشون في الله لومة لائم، وهو زعم باطل، ومعاذ الله أن يكون التهييج والإثارة حقاً.
ومن أراد الخير والحق، فعليه بالتؤدة والطمأنينة وفقه المآلات، لاسيما إذا كان يتحدث عن شأن عام، فلا يُقدِّم الرغبة في كسب الجمهور والأتباع، على محكمات الشريعة، واستقرار الوطن وأمنه، وفي زمن الفتن يكون الحلم هو الصواب، ومن كان ذا علم وحلم وفقه، فإنه إن تكلم تكلم عن علم، وإن سكت كان سكوته عن علمٍ وفِقهٍ للمصالح، لا يستعجل بإشاعة ما يُقال، بل يتبصر قبل الكلام، فينظر هل في الكلام مصلحة للبلاد والعباد في دينهم ودنياهم، فيُقدِم، أم لا، فيُحْجم؟ فما كل ما يُقال صحيح، وما كل ما ثبتت صحته حسن نشره، وما حسن نشره، قد لا يحسن نشره لكل أحد، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من قول معاذ رضي الله عنه (أفلا أبشر الناس يا رسول الله؟ فقال: لا تبشِّرهم فيتكلوا). قال أهل العلم: في الحديث من الفوائد: جواز كتم العلم عن بعض الناس للمصلحة، فما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، فإذا كان هذا في العلم الشرعي الثابت، فما بالك بأمور سياسية متغيرة؟ وقد يكون الإنسان لم يُحط بها من كل الوجوه، وقد يكون علم شيئا منها، وغابت عنه أشياء، ثم هو مع هذا ربما لم يُفكِّر في مآلات ما يقول، لكنها العجلة والاندفاع غير المنضبط وما تهوى الأنفس.
وأما العقلاء فإنهم يضبطون أقوالهم وأفعالهم ويزنونها بميزان العدل الذي أمر الله به ورسوله عليه الصلاة والسلام، واضعين نصب أعينهم تحقيق المصالح العظمى لوطنهم المملكة العربية السعودية، فيكون كلامهم بعلم وحلم ورفق، وفقهٍ للمآلات.

أحمد الرضيمان        2018-01-18 10:34 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 17 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • رحم الله الوالد المؤسس عبد العزيز بن عبدالرحمن الفيصل ، الذي أسس لنا كيانا نفتخر ونعتز فيه ، ويقبل الجميع على حبه ، وحفظه من كل أذى / المملكة العربية السعودية .. غرم الله قليل
  • = كل الدويلات التي أتت بعد بني العباس .. مع ملاحظة أن كل دولة تقدح في الدولة التي قبلها ، وتمدح نفسها .. غرم الله قليل
  • = بنو العباس كلهم . = غرم الله قليل
  • = بنو أمية كلهم ، عدا عمر بن عبد العزيز = غرم الله قليل
  • طلب الحكم بالقوة : كل من : = معاوية ..= غرم الله قليل
  • قال الخليفة الراشد ، الفاروق عمر بن الخطاب ( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ) ! لقد شخص ابن الخطاب حال العرب أصدق وأجمل توصيف .. غرم الله قليل
  • كل التوارث للحكم بعد الإنقلابات والإغتيالات حصل بمباركة شيوخ الوعاظ ، الذين كانوا يشيدون بالقذافي زرافاتٍ ووحدانا ، ويشيدون بعلي عبد الله غير الصالح ، ويشيدون بحسني مصر غير المبارك .. ولا نقول الا : الله المستعان..هل نسي هؤلاء أن هناك قبر ومحاسبين وجنة أو نار؟ الحكومات العربية في سوريا والعراق أتت عن طريق انقلابات ولم يذكر أي انقلاب بالخير = غرم الله قليل
  • يقول مؤرخو البلاد العربية أنه لم يمر على العرب من ترك كرسي الحكم طواعية إلا : سوار الذهب السوداني ، ومعاوية الثاني بن يزيد الأول بن معاوية .. عدا هذان الحاكمان لا يوجد .. = غرم الله قليل
  • لولا حب حسني مبارك بأن يحكم مصر حتي يموت على الكرسي ، ولولا رغبته في توريث الكرسي لأبنائه من بعده لما استمر في الحكم 32 سنة ، وكذلك الحال في يمن علي عبد الله غير الصالح ، وعراق صدام ، وسورية الأسد ، وليبية القذافي .. كل هذه المشاكل التي يعيشها العرب اليوم سببها الطواغيت .. غرم الله قليل
  • الأخ محمد عبدالكريم / إنزالك ما ذكره عمرو بن العاص رضي الله عنه عن الروم في المظاهرات التي تقع في أوروبا ، وأنهم تخلصوا من الملكية ، غير صحيح إطلاقا ،ولا علاقة لما قاله ابن العاص رضي الله عنه بما ذكرته أنت هنا ، ولايصح في نظري أن توظف النصوص الشرعية لرغبات شخصية. أحمد الرضيمان
  • الأخ أبو محمد إنزالك ما ذكره عمرو بن العاص رضي الله عنه عن الروم في المظاهرات التي تقع في أوروبا ، وأنهم تخلصوا من الملكية ، غير صحيح إطلاقا ،ولا علاقة لما قاله ابن العاص رضي الله عنه بما ذكرته أنت هنا ، ولايصح في نظري أن توظف النصوص الشرعية لرغبات شخصية. أحمد الرضيمان
  • لولا الإسلام لكان العرب من الشعوب التي لا ترحم .. غرم الله قليل
  • العرب أكثر الأمم حبا للكراسي ، ولديهم استعداد أن يفني أحدهم أكثر أبناء شعبه ، من أجل الاحتفاظ بالكرسي : صدام حسين ، وابن علي تونس، وقذافي ليبيا، وحافظ الأسد السوري ، بشار بن أبيه ، وعلي عبد الله غير الصالح اليمني ، وحسني مصر غير المبارك أنموذجا..وللعربي قابلية بأن يستعين بالأجنبي ويضحي بأمن بلده القومي نظير مساعدته في الإحتفاظ بكرسي الحكم = غرم الله قليل
  • اقتباس (...وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك) ! تحليل سياسي عميق وقراءة مستقبلية صائبة من داهية العرب عمرو بن العاص رضي الله عنه .. وهذا واضح في زمننا هذا حيث ان شعوب الروم (امريكا واوربا) تخلصوا من الملكية واستبدلوها بالحكم الديمقراطي (الشورى) فتخلصوا من ظلم الملوك للأبد فتفرغوا للعلم والتنمية والتطوير بعد ان ضمنوا دستور يحفظ حقوقهم ويحكم بينهم بالعدل بلا تفرقة بين مسؤول ومواطن وحاكم ومحكوم محمد عبدالكريم
  • صل الله وسلم على نبينا محمد .. ورضي الله عن عمرو بن العاص (داهية العرب) .. وهذا المشاهد الآن فإن شعوب الروم (امريكا واوربا) يخرجون للشوارع بالملايين متظاهرين على حكامهم فلا يتعرضون لهم بسوء بل يحمونهم ويأمنون مظاهرتهم (احلم الناس عند فتنة) ! .. بينما الحكام العرب بمجرد ان تخرج شعوبهم مطالبة برفع الظلم عنها صبت عليهم طائرات الرئيس ودبابته حمام الموت لتقتل منهم الملايين (بشار والقذافي مثال !) محمد عبدالكريم
  • عليكم السلام أخي متعب / النقد الصادق إذا كان بعلم وعدل ومراعاة لجلب المصالح ودرء النفاسد ، ودون تشفي أو شخصنة فهو مطلوب ، وما كل من أراد الخير يُوفَق إليه ، وبعض الكتبة والمتحدثين في مختلف الوسائل يثيرون الشر، وفي الحديث ( إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر ، ومنهم مفاتيح للشر مغاليق للخير ) نسأل الله أن يوفقنا وإخواننا لمايحبه ويرضاه. أحمد الرضيمان
  • السلام عليكم .. أتفق مع ماورد بالمقال خاصة ألا ننظر للإنسان من حيث كونه مختلفا او مخالفا لنا ، وإنما ان ننظر لحسناته من حيث كما هي ، وسؤالي هل حين يتم انتقاد جزئية معينه وهي حقيقة يعتبر هذا من باب التفتين وتفرقة المجمتع ونحو ذلك ، نعم هناك مغردون وربما كتاب هم يتضح من خلال طرحهم بأنهم أعداء وباحثون عن الفتنة ، ولكن ليس الجميع هم يحذون حذو المبغضين ، ويفترض التفرقة مابين أصحاب الأهداف النبيلة وغيرها متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.