الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الغرف المغلقة

بعد كل قصة عنف أو جريمة أو انحلال أو تطرف في المجتمع تصلني، ويكون أبطالها شبابا أعمارهم ما دون العشرين، فإني أتساءل كثيرا عن وضع بعض الأسر مع أبنائها؛ أهم يرعونهم أم يربونهم؟ فالفارق بين المعنيين كبير جدا، يقول صديقي الأب لأربعة من البنين والبنات: اعتدتُ في كل ليلة أن أمّر على أولادي في غرف نومهم، لأتفقد دخول كل واحد منهم إلى سريره، وأتأكد من أنه قد خلد إلى النوم، استعدادا للاستيقاظ الباكر للذهاب إلى المدرسة، وذلك من منطلق خوفي عليهم من أضرار السهر الذي يُعد آفة خطيرة على صحتهم، خاصة على طلبة المدارس، فقد قرأت دراسة عن أسباب غياب الطلاب عن المدرسة، أو أسباب نعاسهم ونومهم داخل الفصول أثناء الدرس، فوجدت أن للسهر علاقة بذلك، وإن حضروا جسدا، فقد يغيبون ذهنيا، ويقل تركيزهم وانتباههم بسبب قلة النوم، وأتذكر أني قرأت أن قلة النوم تزيد من حالة التوتر والعصبية عند المراهقين، كما تؤثر على «الدورة الدموية» للجسم، وتضعف من إفرازه لهرمون يسمى «الميلاتونين» المسؤول عن حماية الجسم من بعض الأمراض الخبيثة، كالسرطان والبروستاتا، وهو هرمون لا يعمل إلا في الظلام، وأن نوم النهار لا يعوض نوم الليل أبدا، يقول الأب في إحدى مرات تفقدي الليلي على الأولاد، لاحظت ضوءا خافتا يأتي من داخل فراش أحد الأبناء، مما دفعني إلى كشف الأمر، فاقتربت منه، ورفعت غطاءه بهدوء، وإذا بي أراه وقد اضطجع على ظهره، والصق «جواله» بوجهه، وقد انغمس في متابعة مقطع فيديو، هنا أخذت جواله منه بعد أن نهرته، مذكرا إياه بأن ينام مبكرا من أجل الاستيقاظ معي لصلاة الفجر، ومن ثم الذهاب إلى المدرسة في الموعد.
قصة هذا الأب أعادتني إلى تذكر خطورة ترك الأبناء بدون رقابة مع شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة ما إذا كانت محتويات ما يتابعونه عبرها، لا تكون مناسبة لهم، وتخالف تعاليم الدين وتقاليد المجتمع المحافظ، وإن من الخطأ تركهم بدون تحذيرهم من مخاطر المحتويات السيئة أو توجيههم إلى تجنبها، خاصة التي قد تحمل رسائل خفية، إما باختطافهم نحو أفكار مضللة تكرس عندهم «التطرف والغلو» الديني، أو بجرهم نحو الأفكار التي تدعوهم إلى الانغماس في الانحلال والانحراف اللاأخلاقي، مستغلين صغر سنهم، وبساطة معرفتهم وجهلهم بعواقب ما يصلهم.
جميعنا يعلم بأن هناك جهات ودول ومنظمات تعمل من خلال حسابات مجهولة تنشط في وسائل التواصل الاجتماعي؛ هدفها تدمير شبابنا ورميهم في أتون التطرف وميادين الانحلال، وهي نحو ذلك تسعى وفق مخططات من أجل تحقيق إيديولوجياتها، وما أكثر الحسابات المجهولة التي تحمل أسماء وهمية، وكنى ورموزا غير معروفة المصدر، تستغل «الهشتاقات» فتدخل ضمن المتحاورين بغية الإثارة، وخلق تصادمات لتفكيك لحمة أبناء البلد الواحد، وإدخالهم في سجالات «فكرية ومذهبية وطائفية وقبلية» وإذكاء الصراع بينهم حولها.
إن «الأسرة» كمكون اجتماعي مهم، تعد المحضن الأول للطفل؛ فهي مسؤولة عن تنشئته تنشئة صالحة، ويعول عليها الدور الكبير في توجيهه منذ الصغر على كيفية التعامل مع واقعه المفتوح على كل السماوات الإعلامية والرقمية، التي لا يمكن صدها بالحجب أو المنع، فواقع أبناء اليوم مختلف عن أبناء الأمس، فهم يشهدون تحولات في حياتهم، وتمر بهم متغيرات متسارعة، وقدرهم أن يعيشوا مع «وسائل التقنية الحديثة» الحواسيب والجوالات واللوح الذكية «التي تسخر إما للخير أو للشر، خاصة أن شبكة الإنترنت أصبحت جزءا من حياتهم اليومية، وكل منصات وسائل الإعلام الجديد تحولت إلى ساحات للتواصل والمناقشات، وإن كانت تؤدي وظائف إيجابية كتدعيم التواصل والعلاقات، ومبادئ التحاور والتثاقف، إلا أنها أيضا روّجت للأفكار الشاذة، وساعدت على نشر الأكاذيب، وبث الإشاعات، إلا أن الخطير في الأمر هو استدراج الأطفال من قبل أعداء متربصين يهدفون إلى حقن عقولهم بأفكار شاذة، وسلب عواطفهم بها، ودفعهم نحو الانقلاب على قيمهم الدينية والمجتمعية مستغلين غياب الأسرة عن واقع أبنائها، وهو غياب سيكلف الأسرة كثيرا، ويجعلها تدفع ثمنا غاليا من مستقبل أطفالها، نتيجة لتفريطها في دورها التربوي نحوهم، وعدم تحركها عند رصد أي متغيرات سلبية قد تطرأ على سلوكهم وإنقاذهم، أيضا أرى أن مؤسسات التعليم قادرة على فعل شيء لتحصين طلبتها من الوقوع في شرك وسائل التواصل الاجتماعي، وتجنيبهم أن يقعوا مصائد سهلة في قبضة أصحاب الحسابات المشبوهة، إن خوفي أن تصبح ثقافة الغرف المغلقة هي المسيطرة على أطفالنا، حينما ندعهم يدخلون في عزلة عن محيطهم الأسري، بينما يتعمق تواصلهم مع جهات مجهولة ومشبوهة، نتيجة استسلامهم لفخ الإغراءات والأفكار التي تزرع في عقولهم، ونكتفي نحن بالتفرج عليهم، فكل وسائل التواصل الحديثة قادرة على النفاذ إلى فرش أولادنا، ونحن إن لم نعمل جادين على تحصينهم «بالوعي والفكر» فقد نفقدهم نتيجة إهمالنا لهم لا قدر الله ذلك.

محمد فايع        2018-01-23 11:40 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 4 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • لافض فوك أخي ورفيق دربي محمد ال فائع لقد سطرت كلمات وجمل في غاية الأهمية من يعي ويدرك كلامك من الأسر غذا لم نكن قريبين من أبنائنا نتابعهم ونحفزهم ونعطيهم الثقة بالنفس سوف نفقدهم في لحظات لنحتضن الابن ونشعره بمكانته وعدم التقليل من شأنه أمام الآخرين بارك الله فيك محمد سعيد ال غواء
  • مقال مهم ،، وزرع الرقابه الذاتية ، وتطبيق الدين بكل معانيه بالقلب ليس فقط بالجوارح هو اساس التربيه وهو الرادع عند غياب الرقابه من الغير شكرًا على المقال ،، وونتظر المزيد Mohammed
  • كيف تحصنهم بالوعي والفكر؟ يفترض أن يكون هذا صلب المقال. مسبار
  • حاجة الإنسان ~~خصوصا الصغار منهم~~ للانتماء حقيقة اكبر/أخطر مما يقال عن الفكر التكفيري.الأسرة حلقة مهمه, إن لم تكن الأهم في انتماء الشاب الى مجموعة تشعره بالأهميه والتقدير والمشاركه في شئونه وشئون أسرته العاطفية منها والماديه. التغير أفرز تحديات للأفراد والأسر جد كبيرة. saleh

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال